إيران: الاتفاق الهش أقوى من مبادئ المرشد

السبت 2015/07/11

رغم التمديد المتكرر للموعد النهائي لإتمام الاتفاق النووي بين إيران والغرب، بدا الاتفاق دوما وكأنه أمر مقضي، وكل ما كان يحتاجه هو مزيد من الوقت لنضوج التنازلات الإيرانية وقطفها من قبل الغرب. ذلك أن المفاوضات مع إيران وإن كانت معقدة، فهي قد انطلقت لكي تنجح، وإن أحد أهم أسباب الإصرار على نجاحها هو انعدام الخيارات البديلة للإدارة الأميركية في حالة فشلها. الأمر الذي انعكس إيجابا على الجانب الإيراني، وإن بحدود معينة، إذ يبقى الحصار الاقتصادي المنهك عاملا ضاغطا، بشدة، على إيران.

انعدام الخيارات البديلة كان حاسما في سير المفاوضات واستمرارها والثقة بتتويجها في نهاية المطاف، إذ جعل ذلك الهدف الأميركي محصورا في تجنب الحل العسكري ضد إيران لمنعها من تطوير قدراتها العسكرية. وهي ثنائية يبقى من المشكوك تحقيقها، إذ يصعب دوما إيقاف برنامج عسكري لبلد ما بوسائل سلمية، ويكون هذا الإيقاف، إن نجح، معرضا للانتكاس في أي لحظة في قادم الأيام.

ما تم الاتفاق عليه مع إيران، حتى الآن، يؤكد تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها الإمام الخميني، الحاكم الفعلي لإيران. إذ قبل المفاوض الإيراني برفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية وفق جدول زمني متفق عليه، بدلا من رفعها بشكل كامل لحظة توقيع الاتفاق كما كانت تنص الخطوط الحمراء لمرشد الجمهورية الإسلامية. الأرجح أن وضع الخطوط الحمراء لم يكن من أجل الالتزام بها، وإنما من أجل تقوية الموقع التفاوضي لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف من جهة، والتأكيد على الصورة التقليدية لمرشد الجمهورية باعتباره العدو الأول للولايات المتحدة من جهة أخرى. حيث لا يمكن لمن يشحذ حناجر الشعب الإيراني للهتاف بشعارات “الموت لأميركا” أن يبدو مندفعا لتوقيع صفقة بأي ثمن مع أميركا. لكن العواقب الاقتصادية المدمرة كانت أقوى من مبادئ الإمام الخميني، ومن شعارات ثورته الإسلامية.

الصفقة بالنسبة إلى إيران مهمة لانعكاساتها المباشرة على الاقتصاد، حتى في حالة رفع العقوبات الاقتصادية بصورة تدريجية. فمع توقيع الاتفاق، سيكون بإمكان إيران أن تحشد موارد أكبر لدور خارجي أوسع. أما الذريعة فهي حاضرة، وقد استعان بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لكي يبرر موافقته على رفع حظر الأسلحة عن إيران، وهي “مكافحة الإرهاب” أي قتال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وفي سوريا، فيما يبقى الهدف الحقيقي هو قتال كل من يتحدى حلفاء إيران ووكلائها في العالم العربي.

كما تبرر إيران التخلي عن قدرات عسكرية نوعية محتملة مقابل تعزيز مواردها المالية وفتح أفق أوسع للتعاون مع الولايات المتحدة، حيث يبدو أن هنالك هدفا مشتركا يجمع العدوين اللدودين وهو قتال تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم العداء الظاهر بين أميركا وإيران، والقطيعة السياسية منذ الثورة الإسلامية، إلا أن البلدين لم يكفا عن التعاون بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قضايا خدمت مصالح كليهما. ولا يمكن إنكار أن إيران جنت ثمارا وفيرة من جراء الغزو الأميركي لكل من أفغانستان والعراق مطلع العقد الماضي. إذ أطاحت أميركا بعدوين لدودين لإيران، هما حركة طالبان وصدام حسين، والأهم أن الغزو الأميركي فتح الباب واسعا أمام نفوذ إيراني في كلا البلدين، كما جعل التعاون في قضايا أمنية وعسكرية محتوما، وإن كان يجري بصورة سرية.

الاتفاق النووي مع إيران يمكن أن يساهم في رفع السرية عن ذلك التعاون وإظهاره إلى العلن، ما سيؤدي إلى تكريسه وتطويره بمرور الوقت. لكن طبيعة النظام الحالي في إيران تبقى عقبة أمام تعاون عسكري – أمني علني مع الولايات المتحدة حتى مع توقيع اتفاق نووي. إذ يبقى نظام الخميني متمسكا بالعداء الظاهري لـ“الشيطان الأكبر”، وبعدم السير في طريق تفضي إلى “صفقة شاملة”، وتؤدي إلى تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. ذلك أن حكم الخميني يزدهر وينتعش بوجود ذلك العداء الذي يبرر حكمه الاستبدادي الديني. يفضل المرشد أن يبقى عدوا ظاهرا للولايات المتحدة، فيما يعقد معها الصفقات الأمنية أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة. فإيران والولايات المتحدة كانتا دوما، وفي ملفات عديدة، حليفتين من دون أن تكونا صديقتين، وأثبتت تلك العلاقة فاعليتها. بالمقابل تجد دولا عربية، معروفة بأنها “صديقة” للولايات المتحدة، صعوبة بالغة في أن تكون حليفة لها في تسوية ملفات المنطقة. والمثال الأفضل هنا هو المملكة العربية السعودية التي تعترض على سياسة أميركا في العراق وسوريا واليمن، ويصعب إيجاد آلية تعاون بينهما في الملفات المذكورة.

وبما أن الدوافع الاقتصادية هي حاسمة في موقف إيران وفي اندفاعها نحو التسوية النووية، وبما أن الولايات المتحدة لم تشترط أي تقارب سياسي مع إيران بما يخص قضايا الشرق الأوسط، فستواصل إيران اتباع سياسة هجومية في المنطقة، وبالتالي ستبقى بحاجة إلى تطوير قدراتها العسكرية، وسيحثها ذلك على الإخلال بالاتفاق النووي ومحاولة الالتفاف على نصوصه، ما يعني أن شكوكا كثيرة تحيط بإمكانية صموده لفترة طويلة.

كاتب فلسطيني سوري

8