إيران التي حصدت ربيع العرب

الجمعة 2015/02/27

شكل عام 2011 عاما استثنائيا في تاريخ المنطقة، وسيترك أثره عقودا طويلة من حيث تداعياته ونتائجه التي لم تصل إليها المنطقة بعد، وإن كان بعض المتشائمين يرون أن الدول التي مر بها ما بات يعرف عالميا بـ“الربيع العربي” قد خسرت مقومات الدولة، وعادت كما هو الحال مع النموذجين الليبي والسوري سنوات إلى الوراء، وسوف تكون بحاجة إلى إعادة هيكلتها بل وحتى تفكيكها وإعادة تجميعها كي تنهض من جديد، طبعا وكل ذلك مرهون بما ستؤول إليه الأمور في هاتين الدولتين، يضاف إليهما اليمن الذي بدأ، خاصة بعد الانقلاب الحوثي، يدخل في عنق زجاجة الصراع المسلح بعد أن اقتصر الأمر طيلة سنوات ثلاث على مناوشات متفرقة وجدالات سياسية.

إذا أردنا أن نشمل العراق بمعادلة الربيع العربي، وقد شهد بدوره انتفاضة سنية على الهيمنة الشيعية والإقصاء المتعمد الذي أدى إلى انطلاق مظاهرات واعتصامات تم التعامل معها بقوة السلاح ما أفضى إلى وصول الأمور إلى هيمنة شبه مطلقة من قبل تنظيم داعش على مناطق واسعة من العراق، وامتداده إلى الجارة سوريا التي تداخلت فيها الملفات وتحولت ثورتها بالمقابل إلى صراعات مسلحة، ولن نقول صراع لأن تعدد الجبهات وتنوع صنوف المتحاربين على الأرض السورية يجعل من الصعب تحديد نوعية ذلك الصراع. وإن كان ثمة بقية باقية متمسكة بحلم الثورة متمثلة في بعض المناطق التي خضعت بالقوة لتنظيم داعش أو لجبهة النصرة بعد أن كانت تحررت مجازيا من سيطرة نظام الأسد.

أما الشأن الليبي فهو لا يكاد يشهد تهدئة رغم التدخل الأممي ورعاية جلسات الحوار، ومحاولات رأب الصدع بين الشرق والغرب، إلا أن ذلك الصدع يشهد في كل مرة صدوعا جديدة، وقد توسّع مؤخرا إلى درجة يبدو من غير المعقول التفاؤل بإمكانية الوصول معها إلى حل سياسي أو سلمي، وخاصة بعد أن استولى تنظيم داعش على عدد من المدن وصار جزءا من المعادلة الليبية المضطربة.

خسارة إيران في سوريا وإنهاء نظام الأسد، يمثلان تحطيما نوعيا للسطوة الإيرانية المتعالية، وهو بداية مناسبة لواشنطن إن كانت جادة في الحفاظ على أمن المنطقة

وسط هذه المعمعة تبرز إيران مستفيدا أكبر من كل ما يحدث، فقد امتدت أذرعها شمالا وجنوبا ووصلت إلى اليمن، بعد أن كان نفوذها حتى وقت قريب يقتصر على بعض المناطق في العراق، ولبنان عبر حزب الله، وهي كانت حاضرة سياسيا في المشهد السوري من خلال ما يعرف بحلف المقاومة، إلا أنها الآن قادرة على القول إنها تحتل أربع دول عربية، وتطمح إلى فرض سيطرتها على مملكة البحرين، وقد صرّح أكثر من مسؤول إيراني بأن البحرين كانت وستظل جزءا لا يتجزأ من بلاد فارس، وهي قادرة على فرض إرادتها وقت تشاء، وعلى إطالة أمد الصراع الذي تشهده كل دولة إلى ما لا نهاية.

وإذا ما ربطنا تنظيم داعش وظروف تشكله بإيران، فإننا نستطيع القول إن الأيادي الإيرانية قد وصلت إلى ليبيا أيضا، فليس خافيا على أحد الدور الإيراني في الدفع إلى نشوء ما كان يعرف حتى وقت قريب بتنظيم دولة العراق الإسلامية إبّان الاحتلال الأميركي للعراق، وقد ظهر دور الميليشيات الإيرانية بارزا في كل ما حدث خلال سنوات الاحتلال والحرب الطائفية التي شهدتها المدن العراقية، وإفراغ بغداد من ساكنيها السنة وتهجيرهم بشكل منظم، بل واستهداف ضباط وطياري الجيش العراقي السابق، وقد أفرز ذلك كله تهافتا سنيا لتشكيل ميليشيات مقابلة للميلشيات الشيعية، وتم كل ذلك تحت أنظار الحكومات العراقية المتعاقبة، وتحديدا حكومة نوري المالكي والتي لم تخف ارتباطها الوثيق بالمشروع الإيراني.

ولم تنكر إيران تدخلها العسكري المباشر في كافة الشؤون العربية، بل إن حضورها في المشهد السوري بدأ منذ الأيام الأولى للثورة السورية، وقد أبدت حرصها الشديد على بقاء نظام الأسد، معتبرة إياه شريكها في التصدي لما تصفه أدبياتها بـ“الاستكبار العالمي” المتمثل بالشيطان الأكبر، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية، والحقيقة أن إيران تحصد باطراد نقاط قوة في مفاوضاتها مع الدول الكبرى حول ملفها النووي، وتكسب أيضا تقاربا واضحا مع الشيطان الأكبر، وصل إلى حد تبادل الرسائل الودية في أكثر من مناسبة. لذلك فإن خسائرها العسكرية والاقتصادية على الأرض السورية، وإن كانت تبدو مرهقة، إلا أنها خسائر يمكن احتمالها قياسا بتلك المكاسب التي حققتها، فقد طوّقت المنطقة من كافة جهاتها، وخرجت من حصارها الذي كان مفروضا عليها لسنوات طويلة، وبات بإمكانها أن تصبح مصدر تهديد كبير لدول الخليج التي حذّرت مرارا من الدور الإيراني المشبوه ومن العدوان الإيراني على الأراضي العربية، إلا أن تلك التحذيرات لم تلق استجابة من قبل الإدارة الأميركية المرتبكة في ترتيب أولوياتها، وفي تحديد موقفها مما يحدث في المنطقة ذات الأهمية الكبرى بالنسبة إلى واشنطن، وهي وبكل تأكيد لم تعد قادرة على وقف الامتداد الإيراني أو فرض الحصار من جديد على طهران بعد كل هذا الإهمال. ولعل خسارة إيران في سوريا وإنهاء نظام الأسد فعليا، يمثلان تحطيما نوعيا للسطوة الإيرانية المتعالية، وهو أيضا بداية مناسبة لواشنطن إن كانت جادة في الحفاظ على أمن المنطقة الذي لا تنفك تتشدق بأنه يعنيها.


كاتب سوري

8