إيران: الحاكم هو ابن الشعب وليس أباه

السبت 2015/05/16

إن أساس الفكرة هنا أن خليطا من العوامل والظروف التاريخية والجغرافية والاقتصادية والعقائدية تصنع النفسية العامة للشعوب، فتملأها، في شعب من الشعوب، بالسكينة والتعقل والتسامح والصدق والعدل والكرم وحسن الخلق، وتزرع في الغالبية، من شعب آخر، نوازع الحقد والحسد والطمع والتهور والغدر والرغبة في الاعتداء، دون سبب، على من تستطيع إليه سبيلا.

ويقول أحدنا إن أهل هذه البلاد طيبون مسالمون، وأهل تلك كريهون شريرون عدائيون. ووجود أقلية غير متطابقة مع مزاج الأغلبية، لا يكفي لتغيير حكمنا على شعب يعد بالملايين. والجدل الدائر، من بداية الحياة البشرية إلى اليوم، يتركز على نقطة إشكالية واحدة، وهي هل القيادة هي التي تصنع الشعوب، أم الشعوب هي التي تلد القيادة من أحشائها، ثم تسير خلفها بعد ذلك؟

وما حدث مؤخرا في كوريا الشمالية أمر يفسر هذه الفكرة بكل وضوح. فقد أمر الزعيم (المحبوب) كيم إيل جونغ بإعدام وزير دفاعه “هيون يونغ تشول” بإطلاق النار عليه من مدفع مضاد للطائرات في ساحة عامة، أمام جمهور غفير من المتفرجين. وتقول التقارير أن سبب إعدامه يعود لظهوره وقد أصابه النعاس في عرض عسكري حضره الزعيم.

والحقيقة المؤلمة أن الملايين (الثورية) من الكوريين الشماليين المتدافعة في تأليه الزعيم كيم إيل جونغ وتنفيذ أوامره بحماس عجيب، كانت مندفعة وبنفس الحماس العجيب، وراء والده (كيم جونغ إل)، وقبله خلف جده (كيم إيل سونغ) الذي حملته القوات السوفيتية ليكون أداتها لتقسيم كوريا عام 1945.

وفي كل هذه السنين لم تتوقف، ولو ساعة واحدة، لتسأل نفسها عما في قرارات هؤلاء الزعماء، الغريبة والعجيبة، من صواب أو من نزق وعبث وغرور وجنون. وقد يعترض قارئ فيقول إن الجماهير الكورية الشمالية العريضة مغلوبة على أمرها، وأن أجهزة السلطة الدكتاتورية التي لا ترحم هي التي تجبر الناس على الرضوخ، بقسوتها في البطش والقهر والانتقام.

وللرد على قول من هذا النوع لابد أن نعترف بأن الذي أفرز القساة العاملين في أجهزة القمع المتجبرة هي الجماهير العريضة ذاتها. لأن الزعيم المحبوب لم يستورد قتلة وجزارين من وراء الحدود.

ومما يثير العجب أن على حدود هذه الدولة المارقة المجنونة المتهورة تقوم دولة كورية أخرى، شعبُها من نفس فصيلة الدم، ومن نفس الأصول، ولكنها عاقلة مسالمة، تحكمها الجدية والعقلانية والمسالمة وروح المواطنة الصالحة وثقافة الحرية وسلطة القانون. شعبها هو الذي يقود الحكومة، ويرسم خطوط سيرها، ويختار أشخاصها بحرية وصدق ووطنية قليلة المثيل.

والآن تعالوا نتأمل ما ناب العراق الصغير على يد جارته الشقيقة الكبرى في الدين. ليس من أيام غزوها لبابل، ولكن فقط من أيام الغزو الإسلامي العربي لأراضي الإمبراطورية الفارسية الذي قلب أهلها على الزرادشية، وأدخلهم عنوة وبقوة السلاح، إلى الدين الجديد. واستعرضوا معي ما دفعه العراقيون، معارضين كانوا لإيران أو موالين، من ألم ودم ودموع ثمنا لهذه الجيرة الخائبة.

فرغم أن الغالبية العظمى من الفرس دخلت الإسلام وتخلت عن دياناتها السابقة، إلا أن روح الكراهية القوميَّة العنيدة للـ“الفاتحين” العرب ظلت كامنة ولم تتوقف. تغفو حينا، وتفيق أحيانا عديدة أخرى.

وهاهي اليوم تخفي نوازعها القومية العنصرية الحقيقية بثياب المظلومية المذهبية الخادعة، وتتوقد فيها من جديد روح التعالي على الشعوب، والرغبة في إذلال الشعوب المجاورة لها والبعيدة، والتوسع والاحتلال.

والثابت أن الطبيعة العدائية للأكثرية من الشعب الإيراني المولعة بغزو الشعوب المجاورة لم تتغير، من مئات السنين.

ومثال على ذلك أن من احتل الجزر الإماراتية الثلاث هي دولة الشاه (النصف علمانية). وكان مؤملا أن يعمد النظام “الثوري” (الإسلامي) الجديد المنقلب على سياسات النظام القديم (العميل لقوى الاستكبار العالمية) إلى تصحيح ذلك الخطأ، فيرفض الاعتداء على “الإخوة في الدين”، ويأمر باحترام الجيرة، ثم يعيد تلك الجزر إلى أصحابها. ولكن الملالي لم يصروا على احتلالها فقط، وما زالوا يصرون، بل تعدوها إلى احتلال غيرها من مدن وقرى وعواصم عربية آمنة، يجاهرون اليوم بضمها إلى إمبراطوريتهم الفارسية ويتباهون بغزوها.

وقد كانت الحرب العراقية الإيرانية، بين جيوش الخميني وجيوش صدام حسين حربا طائفية بامتياز، وكانت شرارتها الأولى فكرة الخميني تصدير الثورة إلى العراق، ومنه إلى دول المنطقة لنشر عباءته عليها، وإدخالها عنوة تحت عباءته “المقدسة”، وإجبار أهلها على قبول فهمه، هو وحده، للدين.

ولولا وعي الطائفة الشيعية العراقية التي أثبتت أن انتماءها الوطني أكثر ثباتا وقوة من طائفيتها، ولولا وجود حاكم عراقي مفتول العضلات، اسمه صدام حسين، لا يقل عنادا ودموية عن الخميني، لما تجرع الخميني كأس السم ولما مات وفي نفسه حسرة احتلال العراق، ولكان الاقتتال المذهبي الذي تُشعله اليوم دولة وريثه الولي الفقيه في العراق وسوريا ولبنان واليمن قد اشتعل فيها وفينا من أكثر من ثلاثين سنة.

ولأن الخميني، وكل حاكم، هو ابن شعبه وليس أباه، فإنه لا يتحمل جريرة الحروب التي أوقد نارها، بل تتحمل وزرَها الغالبيةُ العظمى من الجماهير الفارسية التي آمنت به، وحملت آراءه ومبادئه في شرايينها، وما زالت، حتى بعد موته، تواصل حروبه المدمرة في أكثر من مكان، وأكثر من زمان. وحين غزت الجيوش الأميركية العراق، هلل لها وريث الخميني، وأمر جميع أتباعه العراقيين والعرب والفرس بدعمها وإنجاح احتلالها، رغم ادعاءاته بعدائه لقوى الاستكبار العالمية وفي طليعتها “الشيطان الأكبر”. ومن يومها والعراق يتمزق ويتشظى ويغرق في دماء أبنائه، شيعة وسنة، على أيدي الحرس الثوري ومخابرات الولي الفقيه وميليشياته العراقية المولودة في أحضانه الدافئة.

وكما فعلت تدخلات النظام الإيراني بالعراق، فعلت الشيء نفسه بسوريا. فقد ألقى ملالي طهران بكل ما لديهم من قوة، ليضمنوا بقاء نظام القمع والاعتقال والاغتيال، من أيام الأب الراحل، وإلى أيام الوارث الأكثر دموية من أبيه. ولولا دعمهم غير المحدود، لكان تنازل عن بعض همجيته، من أول أحداث درعا قبل أربع سنوات، ولاستمع لصوت الجماهير التي انتفضت، ولما تجرأ على قصف مسيراتها السلمية بالمدافع، ثم بالبراميل المتفجرة والصواريخ والغاز السام، ولما دفع الشعب السوري مئات الآلاف من القتلى، ليس من معارضيه السوريين وحدهم، بل من أبناء طائفته ومسقط رأسه ومن مناصريه جماعة حسن نصرالله والميليشيات العراقية المتطوعة لحراسته، ولكان قد حفظ حمص وحماة ودرعا وحلب ودمشق من “خراب البيوت”.

وهاهم، رغم كل خساراتهم وخساراته، ما زالوا مصرين على أن يَضخوا له الأسلحة والمقاتلين بلا حدود، وينفقوا عليه بلا حساب من أموال الجماهير الإيرانية العريضة ليمنعوا سقوطه، ويحولوا دون عودة الأمن والأمان والعدل وسلطة القانون إلى سوريا التي لم يبق من كيان دولتها شيء.

وفي لبنان، من أوائل الثمانينات، وباسم المقاومة والممانعة، أنابوا عنهم حسن نصرالله باغتيالاته وعنجهيته وتعاليه على الشعب اللبناني كله، لكي يعبث، لحسابهم، بأمن هذا الوطن الجميل، ولجعله بلد مقابر وحواجز ومخازن سلاح ومزارع حشيش.

وفي فلسطين أيضا، تغلغلت الأصابع الإيرانية فأشعلت نيران المذابح “الوطنية” الفلسطينية بين حماس ومعارضيها، وتسببت في خراب غزة ودمارها العشرات من المرات.

خلاصة القول أن نظام الملالي في إيران ليس هو الولي الفقيه، ولا حرسه (الثوري) ومخابراته فقط، بل هو الجماهير الإيرانية الصارخة الهاتفة بحياته، والتي تطالبه بمزيد من ظلم ذوي القربى في الدول القريبة والبعيدة، والتي تزغرد فرحا بنجاح أبنائها “المجاهدين” في قتل ما تيسر لهم قتله، وفي هدم المزيد من المنازل الآمنة، في سوريا والعراق واليمن، على رؤوس أطفالها ونسائها وشيوخها، حتى وهم مسالمون وعزل ولا ناقة لأحد منهم في معسكر العنف الطائفي الفارسي، ولا جمل في الجبهة الأخرى التي تقاتل الظلم والغزو والاحتلال.

ولو كان استعمار هؤلاء الملالي متحضرا يجود على مستعمراته بالفنون والآداب والعلوم، ويُعلم أبناءها الاختراعات الجديدة والأنظمة المتطورة في الاقتصاد والزراعة والطب ومناهج التربية والتعليم، لكانت مرارته أقل وأخف. ولكن استعمارهم أعمى، متشبث بعقيدة وأفكار وعادات وتقاليد متحجرة موروثة من قرون، ومولع بإثارة الأحقاد النائمة، وتمزيق وحدة الشعوب وتخريب أمنها واستقرارها وخنق حرياتها، ونهب خيراتها وقتل ما يمكن قتله من خبرائها وعلمائها وأخيارها الأكرمين.

فعلى من تقع الملامة؟ على الحكام الحمقى في طهران، أم على الجماهير الإيرانية العريضة الأكثر حماقة من حكامها؟

كاتب عراقي

9