إيران.. الحمل غير الوديع

الأربعاء 2013/10/09
هل يتيح اعتدال روحاني إمكانية علاقات أميركية إيرانية أفضل

لن يتحوّل الذئب الكاسر إلى الحَمل الوديع والداعية للصلح والسلام بين عشيّة وضحاها، ويستحيل على الأنظمة الشموليّة التخلّص من قيامها على مبدأ الرعب وماضيها المشبع بالقتل والجرائم، والتحوّل فجأة إلى حَمَلَة لواء الاِعتدال والحريّة والديمقراطيّة، كما هي الحال بالنسبة لإدعاءات الدولة الفارسيّة وإن امتدّت الأيادي لمصافحة عرّاب النظام الشمولي وممثّل الدولة الفارسيّة في الأمم المتحدة، فلا يعني ذلك تطهير أيادي "روحاني" الملطخة بالقتل والدماء.

وكثيراً ما عَجَزت المصافحات الشكليّة عن طيّ صفحات الماضي المشبعة بالحروب والصراعات، واعتادت إيران على عضّ الأيادي الممتدة لها بالصلح، وليس أدلّ من ذلك كحربها الدامية ضد العراق لثمانية سنوات بعد معاهدة الصلح مع "بغداد" الموقعة بالجزائر عام 1975، أو توقيعها الاِتفاقيات الأمنيّة مع بعض الدول العربيّة والإعلان عن توطيد العلاقات مع بعضها الآخر، والعمل في ذات الوقت على تنمية خلاياها الإرهابيّة ونشر شبكاتها التجسّسيّة كما فعلت مع دول الخليج العربي.

وفي الوقت الذي تلمّح فيه إيران لتحسين العلاقات مع الدول العربيّة وخاصّة دول الخليج العربي، يرسل الإعلام الرسمي الإيراني يوميّاً الرسائل المبطّنة للعرب والتي مفادها أن "تحسين علاقاتها مع واشنطن سيجعل منها قوّة إقليميّة كبرى"، وتروّج لاِستياء الدول العربيّة والكيان الصهيوني من هذه العلاقة. وفي خطابه الموجّه للسعوديّة، يؤكد موقع "الدبلوماسيّة الإيرانيّة" غضب الرياض من المعاشرة بين أفضل أصدقائها (أميركا) مع منافسها الأكبر في المنطقة؛ إيران.

وتسعى طهران للتنويه لدول الخليج العربي أن جديّة "أوباما" بفتح العلاقة مع إيران، سيمنحها الفرصة الكافية لاِستكمال أسلحتها النوويّة، وبهذه الأسلحة أو بدونها، فأن توطيد العلاقة مع واشنطن، سيعزّز النفوذ الإقليمي الإيراني من الناحية الجيوسياسيّة، وفقاً للروايات الإيرانيّة.

ولا شك أن التغيير المفاجأ في لهجة قادة إيران تجاه أميركا وحلفائها الغربيّين، يبيّن مدى تعطّش طهران إلى تحسين العلاقات مع مَنْ كانت تطلق عليه الشيطان الأكبر وترفع شعار الموت له في كل يوم جمعة وفي كافة المدن.

ففي حين كان ينفي "نجاد" محارق "الهولوكوست" ويعتبرها تضليلاً صهيونيّاً، أعتبر "ظريف" وزير خارجيّة "روحاني" الهولوكوست، على أنها "جريمة تطهير عرقي فضيعة ارتكبتها ألمانيا النازيّة".

وبدأ خطباء جمعة أكبر المدن المذهبيّة بإيران كـ"طهران" و"أصفهان" و"قم"، بالترويج لضرورة وقف شعار "الموت لأميركا"، فيقول "محمد تقي رهبر" خطيب جمعة أصفهان، "مثلما حذفنا هتاف الموت للإتحاد السوفياتي من قاموسنا، يمكننا حذف شعار الموت لأميركا أيضاً"، ويؤكّد أن "هذا الشعار ليس آية قرآنيّة لكي لا يحذف"، أمّا "جوادي آملي" رئيس بلديّة "قُم"، فيرى أن "بركة دماء الشهداء جلبت لإيران هديّة العزّة والكرامة وهي اِتصال الرئيس الأميركي أوباما بالرئيس الإيراني روحاني".

ورحّب قادة إيران بإعلان "أوباما" عدم نيّة بلاده الإطاحة بالنظام الإيراني، وأكّد ذلك "أوباما" بعد إهدائه تمثال "الصقر المجنّح" الذي يعود إلى الحضارة "العيلاميّة" في الأحواز المحتلة والتي أسّسها الشعب السامي، فنهب الاِحتلال الفارسي جميع آثارها ونسبها لحضارته المزعومة، وقام مهرّب آثار بإيصالها لأميركا عام 2003. ويأتي هذا الترحيب الإيراني رغم إدراك الأخيرة عدم جديّة واشنطن في الإطاحة بالنظام في طهران، بينما تسعى أميركا فقط لترويض هذا النظام.

والواقع أن أميركا أنقذت النظام الإيراني من السقوط برفع العقوبات تدريجياً وتحسين العلاقات مع طهران، الأمر الذي سيمكن إيران من إنجاح المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة العربيّة والرامي إلى زعزعة اِستقرارها عبر النزاعات الطائفيّة بالزعامة الفارسيّة وإشعال الحروب الأهليّة؛ ومثال ذلك الخارطة الجديدة التي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" والتي تظهر "السعودية" و"العراق" و"سوريا" و"اليمن" و"ليبيا" وهي مقسّمة إلى عدّة دويلات، إلا أنها استثنت "إيران" من التقسيم المزعوم.

ولا ريب أن الذين انقلبوا على أكبر ثورة فجّرتها الشعوب ضمن جغرافية ما تسمّى بإيران عام 1979، اكتسبوا الخبرة الكافية بالاِنقلابات، وما تشهده إيران من تغيير مفاجئ في خطابها تجاه من كانت تعتبره العدو اللدود، يمكن وصفه بالزلزال الكبير ظاهرياً، بينما التجارب تؤكد أن هذا الزلزال، سوف لن يغيّر شيئا في ماهيّة الدولة الفارسيّة وجوهرها. فبمجرّد تحسّن الأوضاع الاِقتصاديّة والسياسيّة في البلاد، ستعود إيران إلى مرحلة ما قبل الاِنتخابات، وما تنصيب "روحاني" على سدّة الرئاسة إلا لإنقاذ النظام من السقوط.

ولا تختلف تجربة إيران "روحاني" عن تجربة إيران "خاتمي" حين رفع شعار الإصلاح، فمنح هامشا من الحريّة للنشاط الثقافي والسياسي، فانطلت الخدعة على الكثير وبَرَزَ النشطاء أنفسهم في المناسبات الثقافيّة والسياسيّة المحدودة، وتمّت متابعتهم ورصدهم من قِبَل الأمن، حتى جاء "نجاد" فزجّهم في غياهب السجون وعلق منهم الكثير على أعمدة المشانق. وتغيير الوجوه من محافظ راديكالي كنجاد إلى إصلاحي منفتح كخاتمي أو اِعتدالي كروحاني، يُعد مناورة للحفاظ على النظام، ولاحظنا كيف اصطف خاتمي وخامنئي معاً في إبادة الثورة الطلابيّة بطهران عام 2003 فألقوا بالطلاب من أسطح مباني الجامعات وهُم أحياء، حين شعروا بتعرّض النظام للخطر.

وفي عهد خاتمي (الإصلاحي) أيضاً أصدرت وثيقة تهجير ثلثي سكّان الأحواز وتوزيعهم على المناطق الفارسيّة لتفريسهم وتوطين الفرس محلهم في الأحواز لتفريس ما تبقى منهم، فاندلعت اِنتفاضة الإرادة الأحوازية في 15 نيسان 2005 وجابهها الاِحتلال بالنار والحديد والاِستخدام المفرط للقوّة مستغلاً بذلك الدبابات والمدرعات، فجلب عناصر مــمّا يسـمّى بحـزب الله اللبناني لقمع المنتفضين الأحوازيين والفــــتك بهــــم. ومثلما انقلبت الدولة الفارسيّة على ثورة عام 1979 ومن ثم انلقبت على شعاراتها الواهية، فبلا شك أنها مقبلة على اِنقلاب جديد على اِعتدالها المزعوم ولكن قد "لا تسلم الجرّة في كل مرّة".

12