إيران: العقوبات مؤثرة رغم غياب الإجماع الدولي

كان الإجماع الدولي سببا في عزل إيران في العام 2013 وتشديد الضغوط عليها، لكن غيابه اليوم قد وضع الولايات المتحدة في حالة عزلة وبات يهدد قدرة العقوبات الاقتصادية على انتزاع تنازلات سياسية.
السبت 2018/08/11
عقوبات ستفاقم الوضع الداخلي الإيراني

أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، والتي كانت قد رُفعت في العام 2015 بعد التوصل للاتفاق النووي مع طهران. وتوعدت إدارة ترامب بزيادة الضغوط الاقتصادية مع مرور الوقت، حيث ستتسع العقوبات لتشمل قطاع النفط في شهر نوفمبر القادم، وذلك لتحقيق مروحة من الأهداف تتضمن إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل تام، وإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، فضلا عن تغيير سلوكها السياسي وتدخلاتها العسكرية في المنطقة. هكذا تبدو أهداف الإدارة الأميركية طموحة للغاية وهو ما يدفع إلى التساؤل عن جدوى العقوبات الاقتصادية الجديدة وقدرتها على تحقيق تلك الأهداف متعددة الأبعاد.

شهدت العقوبات الاقتصادية السابقة التي تصاعدت في العام 2013 إجماعا دوليا نادرا على عزل طهران. شمل ذلك حلفاء واشنطن المقربين من الدول الأوروبية واليابان، ولكنه شمل أيضا قوى صاعدة تعتبر معادية للسياسة الخارجية الأميركية مثل روسيا والصين والهند. صوتت هذه الدول في مجلس الأمن لصالح العقوبات الاقتصادية على طهران وهو ما ساهم في جعلها شديدة الفاعلية.

وضع ذلك الإجماع ضغوطا غير مسبوقة على طهران أدّت إلى تدهور الاقتصاد الإيراني وأجبرها على التفاوض حول برنامجها النووي الذي كان في مرحلة متقدمة، وهو ما يوضح فعالية العقوبات والأذى الاقتصادي والسياسي اللذين لحقا بالجمهورية الإسلامية.

ولكن العقوبات الأميركية الجديدة تعاني من غياب نقطة القوة في العقوبات الاقتصادية السابقة وهي الإجماع الدولي. في حين كان الإجماع سببا في عزل إيران في العام 2013 وتشديد الضغوط عليها، يبدو أن غيابه اليوم قد وضع الولايات المتحدة في حالة عزلة، وبات يهدد قدرة العقوبات الاقتصادية على انتزاع تنازلات سياسية. لا تقتصر معارضة العقوبات الجديدة على القوى المناهضة للولايات المتحدة على الساحة الدولية مثل روسيا والصين والهند فقط، بل تشمل حلفاءها التقليديين أي الأوروبيين.

أعلنت روسيا والصين قبل أيام أنهما سيواصلان التعاملات التجارية مع طهران. كما أكدت الصين استمرار شراء النفط الإيراني، ما قد يخفض من حجم الضغوط الاقتصادية على طهران بعد فرض العقوبات. وكذلك الحال مع الأوروبيين الذين أعلنوا أنهم سيبذلون كل ما في وسعهم للحفاظ على الاتفاق النووي.

في نهاية المطاف، تحتاج طهران أن ترى بعض المنافع الاقتصادية الملموسة لكي تمتنع عن العودة لتطوير برنامجها النووي. دفع ذلك الأوروبيين إلى إطلاق عدد من الوعود حول التعاون الاقتصادي ورفض قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مسامع طهران.

كما يبدو أن هنالك حاجة ماسة لدى الأوروبيين اليوم لإظهار موقف موحد ومستقل عن الإدارة الأميركية التي تسببت سياستها خلال الأشهر الماضية بتصدعات في العلاقات الثنائية وبضعف الثقة بين الجانبين.

لهذا، وجدنا الاتحاد الأوروبي، في خطوة نادرة، يحذر الشركات الأوروبية العاملة حاليا في إيران من قطع علاقاتها الاقتصادية بطهران بسبب العقوبات الأميركية الجديدة، معلنا أن القيام بهذا سوف يتسبب بفرض عقوبات أوروبية على تلك الشركات.

يوضح هذا القرار رغبة الأوروبيين في إعطاء إشارة واضحة لطهران حول مدى جديتهم في الحفاظ على الاتفاق النووي والوقوف في وجه الإدارة الأميركية.

الصين وروسيا وتركيا ترتبط بتحالفات قوية مع طهران وهي على خلاف مستحكم ومتجدد مع الولايات المتحدة، ما يجعل قطع علاقاتها الاقتصادية بطهران غير وارد.

كل ذلك يدفع إلى التساؤل حول جدوى العقوبات الاقتصادية الجديدة، وهل ستؤثر بالفعل على الاقتصاد الإيراني، فضلا عن قدرتها على تغيير السياسة الخارجية لطهران.

لقد أعلنت إدارة دونالد ترامب بوضوح أن كل من يقوم بتعاملات تجارية مع طهران سوف يكون معرضا للعقوبات الأميركية، وسوف يحرم بالتالي من السوق الأميركية الواسعة.

سوف يدفع هذا بالشركات الأوروبية إلى وقف تعاملاتها مع إيران بصورة شبه حتمية، إذ لن تغامر بخسارة حصتها السوقية الهائلة في الولايات المتحدة، مقابل الرهان على حصة سوقية متناهية الصغر في إيران.

ورغم تهديد الاتحاد الأوروبي بالعقوبات ضد الشركات التي تنسحب من السوق الإيرانية، فإنه يمكن لتلك الشركات أن تختلق العشرات من الأعذار لتبرر انسحابها، بدلا من إعلان السبب المباشر والمتمثل في تجنب العقوبات الأميركية الثانوية، ومن ضمن تلك الأعذار عدم تحقيق نتائج مرضية اقتصاديا في السوق الإيرانية، أو الخوف من عدم الاستقرار السياسي المترتب عن العنف المتصاعد وتفاقم التظاهرات والاحتجاجات في البلاد.

وحتى لو واصلت الصين شراء النفط الإيراني، يقدر الخبراء أن العقوبات الأميركية قد تنجح في خفض تصدير النفط من 2.5 مليون برميل يوميا إلى أقل من مليون برميل وهو ما سيتسبب بنقص حادّ في الإيرادات وسيفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعصف أصلا بالبلاد.

الحقيقة أن أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية ظهر مباشرة حيث انخفضت قيمة العملة الإيرانية بنحو الثلث منذ إعلان ترامب إلغاء الاتفاق النووي مع طهران قبل نحو ثلاثة أشهر فقط.

هكذا، ورغم عدم وجود إجماع دولي على العقوبات الاقتصادية الحالية، غير أنها قادرة على خلق ضغوط كبيرة على النظام الإيراني، خصوصا في ظل معاناة الاقتصاد الإيراني من أزمات هيكلية داخلية، سوف تأتي العقوبات الجديدة لتفاقمها وتدفعها إلى الانفجار.

8