إيران: القفز عن جبل من أشلاء

الجمعة 2014/04/25

يذهبُ بعض المراقبين إلى الإيحاء بأن إيران تمتلك اليوم في الشرق الأوسط ما كان يمتلكه الاتحاد السوفيتي أمس في العالم من نفوذ وشبه نفوذ. تتقدمُ طهران نحو المجتمع الدولي متأبطة ملفات لا تنتهي في قضايا الأمن والسياسة والاقتصاد، والغرب يتعامل مع إيران، ليس بصفتها دولة “مارقة” يجتهدُ للبطش بها، بل دولة كبرى بإمكاناتها وما تمثله من امتدادات إقليمية ثبتت نجاعتها وتأكدت صلابتها.

في تلك المقارنة أن السياق التفاوضيّ الجاري حاليا، والذي ما زال يزعم عدم التطرّق للملفات قبل إغلاق ملف البرنامج النووي، سيذهبُ آليا للاعتراف بمسائل الخلاف الأخرى، وبالتالي الذهاب إلى تسويات متعددة الرؤوس تطال سلّةً كاملة من القضايا.

لكن في تلك المقارنة وذلك السياق وقائع تتناقض مع الحالة السوفيتية، ناهيك عن أن المقارنة مع موسكو السوفيتية لا يُطمئن طهران لما آلت إليه التجربة السوفيتية من مصير.

تعرفُ إيران، في المواسم الراهنة، أن ذخيرتَها الذاتية أو تلك المرتبطة بما حققتُه من نفوذٍ في مناطق عديدة من العالم، لا سيما في الشرق الأوسط، لن تستطيعَ أن تقنعَ العالم بالخيارات التي يطلقها مرشدُ الثورة والحرس الثوري.

غدا التمددُ الإيراني في الخليج واليمن والعراق، كما في لبنان وسوريا، عملة أصابها تضخم بحيث عظُمَ حجمُها وقلّت قيمتُها، وأضحت كاسدة في سوق الصرف الدولي. ظهرَ أن الحقنَ الإيرانية في عدّة محاور عربية صُبّت في سياقاتِ التعطيل السلبي، أي ذلك الذي يشلّ ويربك، فلا يراكمُ تطورا ولا يتقدمُ نحو وجهة. في ذلك فهمٌ لتلك القدرة المضادة على التصدي للاختراقات الإيرانية وتقويضها، ليس في اليمن والبحرين فقط، بل في سوريا ولبنان وحتى في العراق (لاحظ تبرّم القيادات الشيعية من ضغوط طهران للتجديد للمالكي).

في سياستها الإقليمية لم تنجحْ طهران في أن تأتي للإيرانيين بحليف كامل. حملت إيران من غزواتها أشلاء خليجية وأخرى يمنية والبعض الآخر عراقي أو لبناني.. إلخ. والطامة أنها أتت بأشلاء حيّة تنتشُها من أجساد حيّة، لتكتشف مؤخرا أنها لا يمكن أن تقارعَ العالم بنفوذ مزعوم هنا وهناك هو أشبه بحالات التسلل الليلي الذي تنتهجه العصابات ولا تنتهجه الدول. وبالمقارنة مع تجربة الاتحاد السوفيتي، فإن ذلك الأخير أسّس منظومة من دول وأنظمة ومنظمات ما زالت طهران بعيدة عن الحلم بإمكانات تحقيقها.

نجحت إيران ببراعة في حشد الأعداء في كل المناطق الشرق أوسطية التي أطلّت عليها وتدخّلت في شؤونها. تراجع أداءُ المعارضة البحرينية منذ أن أوحت لها طهران أن دعمها المعلن بإمكانه أن يكون رافعة تاريخية لحراكها. فكان أن انتفض السنّة متآلفين حول نظام بلدهم مغرقين الطرف المعارض في منزلق مذهبيّ سُحبت منه الرواية المعارضة العابرة للمذاهب(ناهيك عن مسارعة الخليجيين بالرد على طهران من خلال إرسال قوات درع الجزيرة).

تراجع الأداء الحوثيّ في اليمن، وتحوّل، بفضل الرعاية الإيرانية، من حركة اعتراض ضد النظام أيام حكم علي عبدالله صالح تقترب منها حركات المعارضة الأخرى في اليمن، إلى حالة مذهبية تكافحها المذاهب الأخرى، كما يتصدى لها نظام عبدربه منصور هادي بأحزابه وتياراته وقبائله.

وإذا ما كان الدعمُ السياسي والعسكري والمالي المفتوح لنظام بشار الأسد يمثّل أقصى درجات التدخل الذي تمارسه طهران في الخارج، وإذا ما كان قائد سلاح الطيران في الحرس الثوري الإيراني يعبّر عن ذلك بقوله إن بقاء الأسد في السلطة كان سببه أن “إيران أرادت ذلك”، فإن هذا يمثّل في الوقت عينه قمّة الانـزلاق من مصاف الدول الأساسيـة المؤثرة على الخارج، إلى مصاف الدول الخائفة القلقة من ذلك الخارج. في انقلاب المنطقة يكفي تأمل تلك الشرائح المقاتلة للنظام ولحزب الله والميليشيات الشيعية العراقية في سوريا، كما تلك التي تجاهر بالاعتراض على النفوذ الإيراني في العراق ولبنان (حتى داخـل الطائفة الشيعيـة) لصبّ المجهر على المأزق الذي تحاول طهران الخروج منه من خلال شرفة المفاوضات النووية.

يستطيع نظام المرشد في طهران دعم نظام الأسد في دمشق. لكن إيران ستبقى في أدائها الحالي جزءا من الأزمة عاجزة أن تكون أساسا للحلّ، كما عن تقديم ضمان ديمومة واستقرار لحليفها الدمشقي (يكفي تذكر مصير القوات الروسية عندما دعمت النظام الماركسي في أفغانستان).

وإذا ما كانت المعارك كرا وفرا، كما شأن المعارك في يبرود من جهـة، وكسـب واللاذقيـة من جهة أخرى، فإن يوميات الحدث تشي بأن استتباب الأمر عصيّ على إيران في سوريا، وأنها لن تكون قادرة على غلق ملف الحراك السوري بالقوة، ناهيك عمـا تخرج به تحليلات غربية تعتبرُ أن الغربَ مرتاح لاستنزاف القوى المالية والعسكرية لإيران داخل سوريا تسهيلا لتدجينها وترويضها والوصول إلى مبتغاه من طهران.

تدرك الجمهورية الإسلامية أخيرا حدودَ قوتها وضيق مناوراتها. أتحفتنا طهران بتصدير الثورة حينا، ورمي إسرائيل في البحر حينا آخر، والزحف نحو القنبلة النووية. لكنها في انصياعها لمنطق التفاوض على التراجع النووي، تفكّك شبكة من الشعارات وتتخلى عن كومة من الاستراتيجيات لصالح ما يعيد تأهيلها داخل المجتمع الدولي العام، لا داخل منظومات مستحدثة اصطناعية تموّلها وتخصبها وتقدمها ممانعة ومقاومة وجبهة اعتراض.

فجأة ترتبك طهران في مقاربة «ربيع» العرب، فيصبح امتدادا لثورتها في مصر وتونس، ومؤامرة كونيّة في سوريا. تتخبط إيران في نصرة الإخوان أو البعد عن مسارهم ومصيرهم، وتكتشف عقمها في إنتاج أيديولوجيا فاضت في المنطقة حتى الغرق منذ الثورة الإسلامية الخمينية.

تستفيق طهران على ورشة لرأب الصدع مع الرياض. تحتضنُ بيروت بهدوء جلسات التحضير لتقارب بين السعودية وإيران (ناهيك عن كلام عن دعوة الرياض لرفسنجاني لزيارتها). تنتبه دمشق لذلك وتُبدي تبرما مكتوما كشفتـه تصريحات بثينـة شعبان الفيسبوكية (ونفيها سريعا) ردا على تصريحات زعيم حزب الله حول الدور الحصري للحزب في إنقاذ النظام في دمشق، كما كشفتهـا التدابيـر التضييقيـة التي اتُّخذت ضد القنوات التلفزيونية القريبة من الحزب والعاملة في سوريا (تتحدثُ تقارير عن أن مقتـل فريـق قنـاة المنار في معلولا قد يكون قد أتى في هذا السياق).

يجدُ مسار التطبيع الحذر بين الرياض وطهران علاماته في تشكيل حكومة تمام سلام في بيروت، كما في الاتفاق على صيغة كانت مستحيلة لبيانها الوزاري، كما في رفع الغطاء عن رجلي دمشق على رأس الطائفة العلوية في لبنان علي وابنه رفعت عيد، كما في هذا التنسيق اللافت بين تيار المستقبل وحزب الله في كافة الملفات على طريق إنتاج رئيس جديد للجمهورية.

يكشف لغز الطائرة الأميركية في مطار مهراباد في طهران النزوع الإيراني الجديد نحو التطبيع مع الشيطان الأكبر. في ورشة التطبيع تحتاج طهران إلى تطبيع آخر مع المحيط السنيّ. في ذلك يتودد الرئيس حسن روحاني للسنّة في إيران، يطلق فيهم (في إقليم سيستان وبلوشستان) خطابا يعلنُ أن “لا وجود لمواطنين من درجة ثانية” في إيران، في اعتراف ضمني بالكيّفية التي يعامل فيها نظام الجمهورية الإسلامية السنّة في بلاده.

ترتدي طهران حلة جديدة وتنتهج خطابا تصالحيا، على الأقل على لسان الرئيس ووزير خارجيته. لكن الإمعان في هذا الخطاب يشي بأن الأمر أضحى مقبولا معتمدا من قبل المرشد، ليس مهما إذا كان أمر ذلك وليد قناعة، أم وليد حاجة، والحاجة أمّ الاختراع.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9