إيران النووية تجعل العالم غابة يبقى فيها الأقوياء

السبت 2015/05/02

لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية جادة في حسم الملف النووي الإيراني بصورة متكاملة تراعي مخاوف حلفائها وقلقهم، فهي تبدو مرتبكة في معالجة الملف بما يحقق لها نصرا ضيقا للإدارة التي تفاوض، على حساب متاعب الآخرين من إمكانية حصول إيران على التقنية النووية، وممارسة دور سري في تطوير مفاعلاتها والوصول بها إلى إمكانية إنتاج السلاح النووي، وذلك أمر تسعى إليه، وتكذب بشأنه، وتتحايل عليه، والعالم يعرف ذلك.

كثير من الدول التي طورت برامجها النووية وصولا إلى السلاح غير التقليدي فعلت ذلك سرا ثم أعلنته، أو تم الكشف عنه، ولكنها لم تتخلص منه وفقا للاتفاقيات الدولية لحظر الانتشار النووي، وإنما تعاملت بحيثيات الأمر الواقع، وقادة إيران يسعون إلى هذا المنطق بأن يصلوا إلى إنتاج السلاح، ثم يجعلوه أمرا واقعا يتم التفاوض لما بعد هذه المرحلة من تقنين وضبط الاستحواذ النووي.

في الطريق إلى تسوية منطقية للملف النووي الإيراني، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن الولايات المتحدة والقوى الكبرى الخمس الأخرى هي الآن أكثر قربا من أي وقت مضى من اتفاق مع إيران، من شأنه أن ينهي مواجهة مضى عليها إثني عشر عاما، بشأن برنامج طهران النووي، على الرغم من أن الجانبين أمامهما المزيد من المحادثات الصعبة، وذلك سعيا للتوصل إلى اتفاق نهائي بحلول موعد نهاية مهلة في الثلاثين من يونيو المقبل.

من حق كيري أن يتفاءل ويأمل، ولكن الواقع لا يبشر بحسم الملف بصورة منطقية ترضي المتضررين المحتملين من حصول إيران على التقنية النووية للأغراض غير السلمية، لأن التجربة مع إيران من خلال مشروعاتها الثورية والتوسعية، تؤكد أنها تتجه لبناء قوة عسكرية تساعدها في فرض سياساتها والبقاء كقوة إقليمية على حساب دول المنطقة، بما لا يتفق مع شروط حسن الجوار وتأسيس منظومة سلام إقليمي عادل.

لم تكن إيران جزءا من سلام المنطقة وأمنها طالما أنها تسعى، باجتهاد مفرط، لتطوير قوتها بما يفوق فكرة التوازن الطبيعي لدول المنطقة سياسيا وأمنيا وعسكريا، وإذا اخترقت المفاوضات باتفاق يتسع لأسرار أكثر من المعلن، وذلك محتمل مع لهفة الإدارة الأميركية لإنجازه، فسيخرج السلام من الباب الآخر في المنطقة، ونبدأ مرحلة سباق تسلح لأن الجميع يفضّل حينها أن يهرب إلى الأمام، من حالة الارتهان لقوة تعمل بكل طاقتها وجهدها للسيطرة على الشعوب.

ولذلك فإن أي اتفاق أعـرج أو لا يستقيم مع موضوعية السـلام في أخطر منـاطق العالم جيوسياسيا، فإنه سيأتي بنتائج عكسية تماما لكل هذا الحراك الطويل من أجل اتفاق يؤسس لأخطاء تلقي بظـلالها على الأمن والسلم الدوليين، وإذا كانت القوى الست التي تفاوض إيران حاليا حريصة بموجب القوانين الدولية على تحقيق السلام العالمي، فهي معنية بالضرورة باتفاق بعيد عن أي أسرار أو ثغرات تمكّن هذه الدولة من القفز على سـلام جيرانها وأمنهم واستقرارهم.

لا سلام في الواقع مع إيران إذا احتفظت بأقل القليل من قدراتها النووية، لأن ذلك يعني تناسبا طرديا مع قوة دول المنطقة، ولا يمكن فرض الأمر الواقع لأن ذلك يعني، تلقائيا، البقاء تحت رحمتها وسيطرتها، وذلك لا يتوافق مع مقتضيات أمنها وسلامها الداخلي والإقليمي، ما يدعو إلى عدم التعجل لتوقيع اتفاق معها لا يستجيب لقلق الشعوب والدول، وأي أمر آخر عدا ذلك هو إيذان بمرحلة طويلة من الصراع في عالم لا يتسع إلا للأقوياء والبقاء لهم، والجميع لا يقبل بأن يبقى ضعيفا، إذا جعلت مثل هذه المفاوضات العالم المعاصر أشبه بغابة.

كاتبة سعودية

8