إيران اليوم وعراق الغد

قادة النظام الإيراني ووكلاؤه العراقيون، بشكل خاص، يرون بنادقهم وراياتهم وشعاراتهم وحدها، ولا يرون الغابة المخيفة المحيطة بهم، والتي لا ترفض وجودهم في العراق، فقط، بل تعمل على إشعال الحرائق في الداخل الإيراني نفسه.
الأحد 2020/10/04
صمود عراقي في وجه التغول الإيراني

إن العراق لم يكن بالأمس نوري السعيد، ولم يكن عبدالكريم قاسم، ولا صدام حسين، ولا نوري المالكي أو حيدر العبادي أو عادل عبدالمهدي، ولن يكون اليوم وغداً برهم صالح أو مصطفى الكاظمي. إنه عراقُ شعبِهِ الأصيل المضمخ بالكرم والشهامة والتسامح والعنفوان، عراقُ علمائِه وأدبائه وشعرائه وعباقرة فنونه وموسيقاه وأغانيه وعماله وفلاحيه. باختصار شديد، إنه عراقُ مواطنيه، بكل طوائفهم وأديانهم وقومياتهم، دون تمييز ولا استثناء.

إن أساس المشكلة القائمة دون حل، منذ 1979 وحتى اليوم، هو أن الخميني ارتكب خطأين، الأول أنه توهم بأن العراق، برحيل صدام حسين، يتحول إلى مزرعة ملحقة بإيران بسهولة وبساطة ودون اعتراض من أحد. والثاني اعتقادُه الثابت بأن كل الشعب العراقي هادي العامري ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري وقيس الخزعلي ومقتدى.

لم يقرأ التاريخ الذي يقول لكل ذي عينين وأذنين، وبالوقائع والأدلة والبراهين، إن الغزو، أيَّ غزو أجنبي، كان مرفوضا من العراقيين، من أيام حمورابي ونبوخذ نصر، وكانت مقاومتُه بكل الوسائل مضربَ الأمثلة لشعوبٍ عديدة أخرى تعلمت منه فنون الثورة على الغزو والاحتلال، وعلى الظلم والعدوان، أيا كان، وأيا كانت ديانته أو طائفته أو عرقه.

وقد خَلَّد تاريخ بلاد ما بين النهرين ملاحم بطولة وطنيين عراقيين كثيرين قادوا معارك تحريرها، ودافعوا عن ترابها واستقلالها وكرامتها، ثم انتصروا في النهاية.

والحقيقية أن سجل العلاقة بين الدولتين الجارتين مرَّ بدهورٍ طويلة من الصفاء والوئام والانسجام، ولا ينكر أنها تعرضت لنكسات ومشاحنات ونزاعات، لكنها كانت عابرة، سرعان ما تعود إلى طبيعتها.

ولكن الذي فعله الخميني بالعراقيين، بحرسه الثوري ومواليه ووكلائه وجواسيسه، ما فعل، وخاصة بأبناء الطائفة التي زعم أن احتلاله جاء لرفع المظلومية عنها، قد جعل المعركة الوطنية العراقية مع نظامه المنفلت معركة حياة أو موت، وعلى الباغي تدور الدوائر.

ترى، كيف سيتلقى المواطن الإيراني المنهك الفقير المريض المحاصر البريء من كل ما جناه عليه إمامه الخميني ووريثه خامنئي، أنباءَ خسارته مودةَ الشعب العراقي وعفوه وطيبه وكرمه وجيرته الحسنة؟

وكان مقدرا، ومنتظرا، أن تزول الغمة العابرة عن العلاقة بين الشعبين الجارين، بعد رحيل صانع الفتن والأزمات والحروب.

ولكن الذي حصل هو أن الذي ورث عباءة الخيمني كان أشد عداوة، وأكثر جنونا وحماقة. فبرغم أن نظامه الحاكم كله قائم، أساسا، على اعتبار أميركا شيطانه الأكبر، فقد انتهز، بنذالة، وخيانة، وتقية، فرصة غزوها سنة 2003 ليُنشب أنيابه في لحم أخيه وهو حي.

والآن، تعالوا نقلب الأوراق والأسماء والأرقام والتواريخ، ونحاول أن نحصي ما خسره العراق من بشر وحجر ومال، وما خسرته إيران ذاتها، منذ أن هبط الخميني على أرض مطار طهران، سنة 1979، وحتى يوم الصواريخ الأخيرة المرسلة إلى مطار أربيل والرضوانية ومطار بغداد والمنطقة الخضراء، والتي تُذكرنا بصواريخ صدام حسين الفاشلة على فلسطين والتي دفع كل عراقي جزءًا من ثمنها تعويضات وترضيات وأتاوات.

أليست أنهارا من الدم، وبحارا من الدموع، وقناطير من المال، وأسلحةً من كل وزن ونوع، وفقرا وجوعا ومرضا وخراب بيوت؟

والخلاصة أن قادة النظام الإيراني، ووكلاؤه العراقيون، بشكل خاص، عميان بصر وبصيرة، يرون بنادقهم وراياتهم وشعاراتهم وحدها، ولا يرون الغابة المخيفة المحيطة بهم، والتي لا ترفض وجودهم في العراق، فقط، بل تعمل على إشعال الحرائق في الداخل الإيراني نفسه قبل سواه. ولن يصح إلا الصحيح. فبالإضافة إلى العقوبات الأميركية فإن ثورة شباب تشرين الشجاعة الصامدة ستكتب التاريخ من جديد.

ترى، كيف سيتلقى المواطن الإيراني المنهك الفقير المريض المحاصر البريء من كل ما جناه عليه إمامه الخميني ووريثه خامنئي، أنباءَ خسارته مودةَ الشعب العراقي وعفوه وطيبه وكرمه وجيرته الحسنة؟

فمؤكدٌ جدا أن شمسَ نهار جديد ستشرق على إيران جديدة بلا خامنئي وروحاني وقاآني، وعلى عراق جديد بلا نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي، قريبا، بل بأقرب ممّا كانوا يظنون.

5