إيران بعد الاتفاق.. تغييرات تجميلية لإخفاء ترهل الداخل وإرهاب الخارج

الاتفاق النووي، الذي أبرمته إيران مؤخرا مع المجتمع الدولي، وعلى ما أفرزه من تداعيات ورؤى متناقضة يدفع طهران إلى فتح أبوابها أمام العالم، ما يعني فرصة استثمارية واعدة، لكن أيضا يعني أن على إيران تقديم ما يفنّد سجلها الحافل في انتهاك حقوق الإنسان ويدحض ريادتها في الإعدامات، فضلا عن التوقف عن مد أصابعها في شؤون جيرانها. وهذا السياق الجديد للعلاقات يستوجب، وفق سانام فاكيل، المحللة بالمعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، الوقوف على عدّة أسئلة رئيسية لتحديد ملامحها: فأي إيران تحاور العالم؟ وأي وجاهة يتخذها القول إن صراع أجنحة (محافظين وإصلاحيين) يفرز كل مرة شكلا لإيران كلما هيمن جناح على آخر؟ ألا يمكن القول إن إيران واحدة موحدة بنظام سياسي صارم يغير فقط الوجه الذي يحتاجه العالم كلما تطلب الأمر ذلك؟
السبت 2016/01/30
وجوه مختلفة لإيران واحدة

لندن - عند انتخاب الرئيس حسن روحاني في يونيو 2013، عقدت آمال كبيرة لتغيير البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إيران. وكان روحاني قد انتخب بناء على وعود بحل خلاف إيران النووي مع الغرب، وضمان رفع العقوبات وتحسين الاقتصاد واستعادة الثقة في مكتب الرئاسة على إثر الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 المتنازع فيها. وأمل الناخبون بأن تترجم الآراء السياسية المعتدلة نسبيا لدى روحاني إلى تخفيف للرقابة وتحسين للحريات المدنية واحترام لحقوق الإنسان والشفافية في المجال السياسي.

وبالفعل عند توليه الحكم أعطى روحاني الأولوية إلى المفاوضات النووية، التي انتهت بإمضاء الاتفاق الدولي المعروف باسم “خطة العمل المشتركة الشاملة” التي تقيّد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الطاقية والمالية.

وسيحرر رفع العقوبات المجال البنكي والنقل البحري والتأمين والتجارة والوصول إلى نظام “سويفت” للدفوعات الدولية. وبعد تقييد الصادرات النفطية والغازية تقييدا شديدا منذ سنة 2011 ستعود وستفتح إيران للاستثمار، وستستأنف الولايات المتحدة مبيعات الطائرات التجارية وقطع الغيار لإيران، لكن الحظر على الأسلحة سيبقى حتى سنة 2023.

واتخذت حكومة روحاني أيضا خطوات لتحسين الاقتصاد الإيراني الذي يشكو من سوء التصرف والاعتماد المفرط على العائدات الطاقية وتأثير العقوبات. وقدر البنك العالمي بأن يسجل الاقتصاد الإيراني نموا بنسبة خمسة بالمئة في سنة 2016، وتخطط الحكومة لتخفيض التضخم إلى أقل من عشرة بالمئة.

وباعتبار إيران “سوقا صاعدة” فهي تمثل فرصة مغرية للمستثمرين الأجانب، وتأمل الحكومة في جلب 150 مليار دولار لخلق الوظائف وتحسين المهارات الفنية والتمكن من التكنولوجيا. بيد أن الشروط الجذابة المعروضة ربما لن تكون حافزا كافيا نظرا لتفشي الفساد ومعاناة مجال الأعمال من البيروقراطية وغياب الشفافية، إذ تصنف منظمة الشفافية الدولية إيران، بحسب مؤشر إدراك الفساد، في المرتبة 135 من بين 175 بلدا.

سانام فاكيل: تحسن الظروف الاقتصادية لن يترجم إلى تغييرات واسعة النطاق في إيران

تغيير بعيد المنال

تتكون الأغلبية الساحقة من سكان إيران، البالغ عددهم 80 مليون نسمة، من الشباب المتعلم والمتعطش للتغيير والفرص. وقد عبّرت هذه الفئة عن حلمها في الإصلاح –الذي قضي عليه لاحقا- في سنة 2009 بعد إعادة انتخاب أحمدي نجاد عبر احتجاجات الحركة الخضراء المناهضة للدولة.

وردا على ذلك قامت الحكومة باعتقال الناشطين السياسيين ومن المجتمع المدني والصحافيين والمدونين والطلبة والسياسيين. ووُضع المرشحان الرئاسيان الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي الخروبي وزهراء راهناورد زوجة موسوي في الإقامة الجبرية إلى يومنا هذا.

وبعد انتخاب حسن روحاني عرفت إيران بعض التغييرات التجميلية بتخفيف الرقابة عن الحياة الثقافية، لكن خلف الكواليس بقي التغيير محدودا وبقي التقييد على الإنترنت متفشيا والرقابة الذاتية في الإعلام واسعة والفساد مستفحلا والشفافية بعيدة المنال، وانتهاكات حقوق الإنسان مغضوض عنها الطرف. والأنكى من ذلك أن معدل الإعدام في إيران لمنتصف سنة 2015 تجاوز المعدل المسجل في السنة الماضية، حيث نفّذ قرابة 700 إعدام في ستة أشهر.

وما يزال قادة الحركة الخضراء والناشطون فيها من الإيرانيين يقبعون في السجون الإيرانية. وكل المؤشرات الراهنة تقول إنه لا الاتفاق النووي ولا التحسّن في الظروف الاقتصادية سيترجمان إلى تغييرات سياسية واقتصادية واسعة النطاق في إيران.

يكمن مفتاح فهم هذا التأرجح السياسي في أن لكل من المتشددين والمعتدلين نظرة لمستقبل البلاد. ولئن بدا في الظاهر أن لكل جانب رؤية تختلف جذريّا عن الطرف الآخر، إلا أن الواقع عكس ذلك، فهدفهما واحد، والصراع الذي يخوضانه هو صراع داخلي من أجل السيطرة.

ويخشى المحافظون المقربون من المرشد الأعلى علي خامنئي والحرس الثوري من أن تؤدي الليبرالية الاجتماعية والثقافية والسياسية إلى تآكل القيم التقليدية للثورة الإيرانية وإضعاف نفوذهم السياسي، خاصة أن هذه المجموعة استفادت كثيرا في زمن العقوبات التي مكنتها من بناء إمبراطورية اقتصادية شاسعة في ظل غياب منافسة أجنبية، وهي تخشى أن الانفتاح وزيادة الاتصال مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة، سيسهلان انقلابا ناعما على حسابها.

وعلى المستوى الإقليمي تسعى هذه المجموعة إلى مواصلة الدعم لشبكة حلفاء إيران الممتدة من حزب الله اللبناني إلى نظام بشار الأسد في سوريا والأحزاب السياسية والميليشيات في العراق.

بينما نجد المعتدلين والإصلاحيين أكثر استعدادا لانفتاح المجال السياسي والاقتصادي والمجتمع المدني في إيران. وقد جادلت هذه المجموعة طويلا بأنه عبر الاتفاق النووي سيفضي الاندماج على المستويين الدولي والإقليمي إضافة إلى الاستثمار الأجنبي، إلى تكوين دائرة افتراضية تؤدي في نهاية المطاف إلى الليبرالية السياسية.

لكن، وعلى الرغم من الخلافات الداخلية لهذين الجناحين، نجدهما متفقان في إيمانهما بضرورة أن تلعب إيران دورا في القضايا الخارجية، وفي هذا الصدد ستعمل كلا المجموعتين في نفس الوقت في الساحة الإقليمية، فالحرس الثوري سيواصل دعم وكلائه في الخارج بينما تسعى إدارة روحاني إلى بناء جسور دبلوماسية بين إيران وجيرانها.

الشروط الجذابة المعروضة لن تكون حافزا كافيا لجذب الاستثمارات الخارجية، نظرا لتفشي الفساد وغياب الشفافية

خلافة المرشد الأعلى

على دفة قيادة سفينة الدولة يوجد المرشد الأعلى خامنئي الساعي إلى المحافظة على نظام الحكم طويـل الأمد للجمهوريـة الإسلامية.

وفي حين يعارض خامنئي العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية ويتوجس من النفوذ الغربي، فإنه في الآن نفسه يتأرجح بين الخطاب الأيديولوجي والواقعية.

ويتمثل التحدي الذي أمامه في إيجاد توازن بين هذه الانقسامات بين مختلف الفصائل مع المحافظة على إيران في خضم موجة من التغيير المحتمل.

وسيصبح التوجه المستقبلي للبلاد أوضح في فبراير 2016 عند تنظيم إيران لانتخابات برلمان جديد ومجلس خبراء. وسيسعى معسكر روحاني إلى تدعيم موقعه في البرلمان عبر التغلب على منافسيه بالداخل في قضايا الحريات السياسية والاجتماعية.

وفي المقابل سيحاول المتشددون الوقوف أمام انتصار روحاني في المحادثات النووية عبر مواصلة اعتقالاتهم ومعارضة برنامج الرئيس في اتجاه الليبرالية. ومن المحتمل أن يأتي التدقيق الانتخابي من قبل جهاز الرقابة الإيراني المعروف باسم المجلس الحارس بانتقاء متوازن للمترشحين لخوض الانتخابات البرلمانية.

وفي الآن نفسه سينتخب الإيرانيون 86 شيخا لمجلس الخبراء (الجهاز الرقابي الذي ينتخب المرشد الأعلى). وقد تكون نتيجة هذا الانتخاب أكثر دلالة من انتخاب البرلمان نظرا لأن خامنئي بلغ من العمر 76 عاما ويشكو من سرطان البروستات، لذلك يمكن أن يكون هذا المجلس هو من ينتخب المرشد الأعلى القادم.

ومهما تكن نتيجة صناديق الاقتراع فقد بدأت المعركة من أجل مستقبل إيران. وفي حين ستجري لعبة الأجنحة على المدى القصير في شكل صراع “خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء”، علينا أن نترقب استعادة إيران لسالف نشاطها العدائي والحقيقي في السنوات القادمة.

7