إيران بعد الانتخابات: مؤسسة دينية تزيد من سيطرتها على مفاصل الدولة

فوز إبراهيم رئيسي تجسيد لإمساك غلاة المحافظين بكل الأدوات السياسية والدستورية.
الأربعاء 2021/06/23
المطلوب رئيس طيّع مخلص للمرشد

أكد فوز رجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية الإيرانية الحقيقة الراسخة في البلد، وهي أن المؤسسة الدينية جبّارة فيما تبدو الدولة مجرد واجهة عاجزة تخضع لسلطة المرشد ولا تبالي بمطالب الشارع الذي فقد الأمل في التغيير، ومن شأن وصول رئيسي إلى كرسي الرئاسة أن يضع جميع الأسلحة السياسية والدستورية تحت سيطرة غلاة المحافظين، كما سيمضي النظام في سياسته المتشددة والمتهورة خارجيا والقائمة أساسا على استفزاز دول الجوار والمنطقة العربية.

طهران - أجمعت أوساط سياسية متابعة للتطوّرات السياسية في إيران على أن فوز واحد من غلاة المحافظين في انتخابات الرئاسة أدى إلى ميل ميزان القوى الداخلية لصالح رجال الدين المعادين للغرب واستبعاد المسؤولين المنتخبين بالتصويت الشعبي.

ففي سباق انتخابي مقيّد بأحكام صارمة الجمعة اقترن بعدم اكتراث الناخبين، فاز رئيس القضاء الإيراني إبراهيم رئيسي أحد تلامذة الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي ونصير المؤسسة الأمنية الموثوق به ليصبح الرئيس القادم لإيران، فيما سيتولى منصبه في أغسطس المقبل.

ورأى مسؤولون ومحللون أنه رغم أن فوزه لا يؤذن بأي تغيير في مسعى إيران لإحياء الاتفاق النووي المبرم في 2015 والخروج من تحت طائلة العقوبات، فإنه يشير إلى احتمال أن يخلف رئيسي خامنئي في منصب الزعيم الأعلى ويضع كل أسلحة الدولة تحت سيطرة غلاة المحافظين المرتابين في الغرب.

ورغم أن الزعيم الأعلى، لا الرئيس، هو صاحب القول الفصل في كل أمور الدولة، فإن التغيير الذي شهدته الرئاسة سيبعد النفوذ المعتدل في عملية صنع القرارات السياسية الذي كان الرئيس البراغماتي الحالي حسن روحاني يمثله منذ 2013.

واعتبر المحللون أن نصّ الدستور على اختيار الرئيس عن طريق انتخابات مباشرة ربما يكون مجالا مستهدفا للتغيير. وربما يسمح انتخاب رئيسي، الذي تتفق آراؤه في ما يبدو مع آراء خامنئي في كل القضايا الرئيسية، للزعيم الأعلى بالاستمرار في التغييرات التي ترسخ سلطة المؤسسة الدينية وهو هدف يعتقد أن خامنئي البالغ من العمر 83 عاما يسعى إليه منذ مدة طويلة.

وبرأي علي فتح الله نجاد المحلل ومؤلف كتاب “إيران في نظام عالمي جديد بازغ” فإن “هذا الانتخاب كان انتقاء في الواقع لأنه منع أي سباق تنافسي”.

علي فتح الله نجاد: انتخاب المحافظ إبراهيم رئيسي كان انتقائيا في الواقع
علي فتح الله نجاد: انتخاب المحافظ إبراهيم رئيسي كان انتقائيا في الواقع

وأضاف “انكشف الطابع الحقيقي للجمهورية الإسلامية من حيث أن المؤسسات الدينية جبارة والمؤسسة الجمهورية مجرد واجهة عاجزة”.

وفي إشارة إلى قرار السلطات تقييد عدد المرشحين بشدة في الانتخابات، وصف بعض المطلعين على بواطن الأمور ومنهم مسؤولون كبار سابقون في الحكومة فوز رئيسي بأنه “انقلاب سياسي” يهدف إلى استبعاد كل الفصائل الأخرى من المسرح السياسي بالاستئثار بالسلطة.

ويعتقد علي واعظ مدير مشروع إيران بمجموعة إدارة الأزمات أن المؤسسة تفضل “رئيسا طيعا مخلصا سبق اختباره” لن يعارض التغييرات الدستورية التي يرتاب من أن الحكام الدينيين يرغبون في تطبيقها.

ويقول “هم على الأرجح يمهّدون الطريق لبعض التغييرات الهيكلية (للدستور) ولهذا الغرض تحتاج (المؤسسة الدينية) للانفراد بالسيطرة على كل أدوات السلطة بما في ذلك على سبيل المثال تغيير النظام من رئاسي إلى برلماني”.

وستمثل مثل هذه الخطوة أكبر تعديل دستوري منذ 1989 في نهاية حكم “الزعيم الثوري الراحل” آية الله روح الله الخميني عندما تم إلغاء منصب رئيس الوزراء وتدعيم منصب الرئيس.

ويعد النظام السياسي الإيراني مزيجا مركبا من سلطة المؤسسة الدينية الشيعية ورئيس منتخب وبرلمان. ويدير الرئيس أمور الحكم اليومية لكنه مسؤول أمام خامنئي المناهض بشدة للغرب.

ويملك مجلس من غلاة المحافظين، يتألف من رجال الدين ورجال القضاء ويقف مع خامنئي في خندق واحد ويفضل فرض قيود اجتماعية وسياسية صارمة، سلطة الاعتراض على القوانين والبت في أهلية المرشحين لخوض الانتخابات.

وفي حين أن خامنئي لم يعلن من قبل قط ما إذا كان النظام يحتاج للتحسين، فقد أبدى استعداده للتغيير.

فقبل عشر سنوات قال الزعيم الأعلى إنه “لا مشكلة” في تحويل الشق الجمهوري في إدارة البلاد من الرئاسة التي يتم شغلها عن طريق الانتخاب المباشر إلى نظام برلماني ومنح النواب سلطة انتخاب رئيس الوزراء.

وفي الثالث من يونيو الجاري بدا أن خامنئي يذهب إلى مدى أبعد في كلمة بثها التلفزيون إذ قال “ربما يحين وقت في المستقبل تصبح فيه الانتخابات بلا معنى وربما تظهر أشكال أخرى من الحضور الشعبي والتعبير”.

Thumbnail

وعلى مر العقود حدث توتر بين الرؤساء الذين يستمدون سلطاتهم المباشرة من صندوق الانتخابات ورجال الدين المستندين إلى الشريعة الدينية ولهم الكلمة الأخيرة.

ولفت المحللون إلى أن إبدال الرئيس المنتخب بالتصويت الشعبي برئيس وزراء يختاره برلمان يهيمن عليه غلاة المحافظين سيعزز قبضة الزعيم الأعلى على المؤسسة.

وأضافوا أن مثل هذا التحول قد يتيح المزيد من النفوذ في رسم السياسات لرجال الدين غير المنتخبين والمعادين للتجارة والاستثمار مع الغرب ودول المنطقة.

كذلك فإن التلاحم بين القائمين على السلطة وكلهم من غلاة المحافظين، سيضمن انتقالا سلسا للسلطة بعد وفاة خامنئي.

وفي ما يخص السياسة الخارجية، سيحافظ رئيسي على نهج النظام المتشدد والذي لن يبالي بالانتقادات الدولية في سبيل تطبيق أجنداته في المنطقة، أمام توقعات بالمزيد من التصعيد وتواصل التصريحات العدائية.

وفي تقدير دانيش كامات المحلل السياسي المختص بالشرق الأوسط وجنوب آسيا، فإنه بعد أن سيطر المحافظون على مقاليد الحكم، فلا شك أن السياسات الداخلية والخارجية لإيران ستشهد تغييرات مهولة.

وأوضح قائلا “بعد إقصاء الإصلاحيين من المشاركة في النظام السياسي وإعادة هيكلة المؤسسات الإيرانية، صار بمقدور المحافظين السعي وراء سياسات متماسكة ووحدة فكرية تجمع صفوفهم. والآن، إذا تمكن رئيسي من استغلال منصبه كرئيس للوصول إلى منصب المرشد الأعلى، فقد يعني ذلك بقاءه على كرسي السلطة إلى الأبد”.

وبالنسبة إلى علاقة بلاده بالغرب، سعى رئيسي لمسك العصا من المنتصف أعقاب إعلان نتائج الانتخابات؛ فهو من جهة أولى لم يظهر تشددا في التفاوض حول الملف النووي، وذلك بإلقاء شروط مسبقة، ومن جهة ثانية لم يبد تحمسا للاستمرار فيه. وهي وضعية تجعله في وضع مريح في العلاقة بالداخل الإيراني كما في العلاقة مع الدول الغربية المعنية بالملف.

دانيش كامات: السياسات الداخلية والخارجية لإيران ستشهد تغيرات مهولة
دانيش كامات: السياسات الداخلية والخارجية لإيران ستشهد تغيرات مهولة

ولإدراك رجال الدين أن فرص النجاح السياسي تعتمد على معالجة المصاعب الاقتصادية فقد تعمد رئيسي القول إنه يؤيد المحادثات التي تجريها إيران مع القوى العالمية لإحياء الاتفاق النووي والخروج من تحت طائلة العقوبات الأميركية النفطية والمالية.

وأبرز هنري روم المحلل بمجموعة أوراسيا “انتخاب رئيسي كان علامة استفهام على مسعى أطول أجلا من جانب غلاة المحافظين لتدعيم سلطتهم قبل خلافة خامنئي”.

وسيكون الوضع المعيشي أولوية للرئيس المقبل، خاصة بعد اندلاع عدة احتجاجات على خلفية اقتصادية في شتاء 2017-2018 ونوفمبر 2019، اعتمدت السلطات الشدّة في قمعها.

وازداد كفاح الإيرانيين العاديين لتدبير قوت يومهم صعوبة منذ ثلاث سنوات عندما انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق وأعاد فرض عقوبات ساحقة على طهران.

وقد حذر عدة مسؤولين علانية من عودة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، والتي ذكّرت رجال الدين الحاكمين بمدى تعرضهم للغضب الشعبي بسبب الاقتصاد.

وبين كليمنت ثيرم الخبير في الشأن الإيراني بمعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا بإيطاليا “إحياء الاتفاق النووي سيؤدي على الأرجح إلى زيادة في النمو الاقتصادي الإيراني… وهذا سيمنح رئيسي حماية كبيرة في عامه الأول أو عاميه الأولين في المنصب”.

كما يخشى المنشقون أن تؤذن رئاسة رئيسي بالمزيد من القمع في الداخل. فقد كانت لرئيسي وهو على رأس القضاء سلطة كبيرة في بلد لطالما استخدم نظامه القضائي القوي في التضييق على المعارضة السياسية.

وفرضت الولايات المتحدة سنة 2019 عقوبات على رئيسي بتهمة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وذلك للدور الذي تردّد أنه لعبه في إعدام آلاف من المسجونين السياسيين في 1988.

6