إيران بعد رفع العقوبات: جدلية الانفتاح والتطرف

السبت 2016/01/23

بالتزامن مع بدء تنفيذ الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية الكبرى الأسبوع الماضي، خطفت الميليشيات الشيعية العراقية في العاصمة بغداد ثلاثة أميركيين موظفين في شركة خاصة، وهو ما فتح الباب مجددا لمناقشة أثر رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وتدفق مئات المليارات من الدولارات إلى خزائنها المالية، على سياساتها في الداخل والخارج، وعلى مشروعها الحربي – الطائفي في سوريا واليمن والعراق.

فور رفع العقوبات الاقتصادية، حصلت طهران على 50 مليار دولار من أصل 100 مليار هي حجم أموالها المجمّدة في بنوك خارجية بفعل العقوبات السابقة. وهو مؤشر على الانتعاشة الاقتصادية المرتقبة، وذلك بعد أن كانت العقوبات الاقتصادية قد أصابت عصب الاقتصاد الإيراني، لتقود إلى تراجع عائدات النفط بأكثر من النصف، وإلى انحدار قيمة العملة الإيرانية، وليتبع ذلك ارتفاع جنوني في أسعار السلع وانخفاض في القدرة الشرائية للإيرانيين. وقد كان ذلك يهدد بانفجار غضب الملايين من الفقراء ضد السلطة السياسية التي يمثلها الإمام الأعلى، والتي صارت تنتهج الراديكالية السياسية بصورة عبثية وخطيرة على النظام نفسه.

ربما كانت تلك الأخطار أحد أهم أسباب دفع الجناح المتطرف المهيمن على السلطة في صيف العام 2013 بالمرشح الإصلاحي حسن روحاني إلى تولي الرئاسة، والتسليم ببرنامجه الذي بُني بصورة رئيسية على سياسة خارجية أكثر انفتاحا ومرونة. لم يتردد روحاني، حينها، في انتقاد السياسة الخارجية الإيرانية، التي كانت قائمة في ذلك الوقت، باعتبارها عدائية بشكل عبثي يستدعي ضغوطات سياسية وعقوبات اقتصادية من قبل القوى الكبرى، وبصورة تضعف الجمهورية داخليا وخارجيا.

نجح روحاني في تبني سياسية أكثر انفتاحا على المستوى الخارجي، ولكن فقط تجاه الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأميركية، فيما اتسم عهده بمواصلة التطرف والتحريض الطائفي في سوريا واليمن والعراق. من المتوقع أن يدفع رفع العقوبات الاقتصادية إلى المزيد من التقارب بين الولايات المتحدة وإيران، وقد ظهر ذلك في تحسن ملحوظ للعلاقات وتبادل للسجناء. لكن التطرف يبقى مكونا أساسيا في سلوك الجمهورية الإسلامية وذلك على المستوى الداخلي وعلى المستوى الإقليمي.

لا يبدو الرئيس حسن روحاني، الأب الروحي للصفقة النووية ولرفع العقوبات، في موقع قوي بعد إتمام الصفقة الثمينة. كما لا يبدو أن إيران تتجه لانفتاح سياسي داخلي مشابه للانفتاح السياسي مع الغرب. من الواضح أن الرجل “الإصلاحي” لم يُنْتخب بصورة ديمقراطية من قبل الشعب الإيراني بقدر ما عُيّن من قبل المرشد الأعلى والحرس القديم، وذلك لتحقيق هدف محدد يتمثل في كسر قيود العقوبات الاقتصادية، والانفتاح على الغرب بما يتيح لطهران أن تتشدد بشكل أكبر داخليا وإقليميا. يظهر ذلك بموافقة مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي قبل أيام على إقصاء المرشحين الإصلاحيين لانتخابات البرلمان، إذ أقرّ مجلس صيانة الدستور “أهلية” 30 مرشحا إصلاحيا فقط من أصل 3 آلاف، ما دفع الرئيس المغلوب على أمره، حسن روحاني، إلى انتقاد مجلس صيانة الدستور بشكل مباشر.

مع بدء تنفيذ الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، يمكن الجزم بعدم وجود توافق إيراني غربي شامل على قضايا المنطقة، كما كانت تشير بعض التقارير الغربية. فالصفقة شملت تقويض قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، من دون إلزام إيران بانتهاج أي سلوك “بناء” تجاه الصراعات المستعرة في سوريا واليمن والعراق.

الحقيقة أن السلطة الإيرانية التسلّطية ذات التوجه الطائفي المدمّر، لا يمكنها وبأي حال من الأحوال، أن تلتزم سلوكا إيجابيا وعقلانيا ومسالما تجاه أزمات الدول العربية. ذلك أن تفاقم أزمات دول الجوار يشكل عادة أداة إنعاش، وأحيانا إنقاذ، لمثل تلك السلطات.

لقد أرهقت العقوبات الاقتصادية الغربية الاقتصاد الإيراني، ولكن من دون أن يكون لها أثر سلبي على حجم ونوعية الدعم المقدم من قبل إيران لحلفائها في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان. تظهر التقارير بأن طهران لم تتوقف عن تزويد النظام السوري بالنفط، الذي خسره بعد سيطرة تنظيم داعش على حقول النفط في سوريا. كما لم تتوقف عن تزويده بالذخيرة والسلاح الخفيف والثقيل، فضلا عن أربعة قروض ضخمة شكلت شريان الحياة بالنسبة إليه. كما تفعل إيران كل ما في وسعها لإيصال العتاد الحربي لحلفائها الحوثيين في اليمن، ولا يبدو أن الضائقة الاقتصادية قد حدّت من قدرتها على دعمهم. في العراق، تسيطر إيران على قوات الحشد الشعبي التي تتبع رسميا للجيش العراقي فتتلقى تمويلا من الحكومة العراقية، ولكنها تتلقى تمويلا أكبر بكثير من إيران ما جعلها القوة الأكبر في العراق.

في حال قررت إيران زيادة دعم حلفائها في سوريا والعراق واليمن، فمن غير المرجح أن يؤثر ذلك على المشهد العسكري وعلى توازنات القوى، وبالتالي على نفوذ إيران في تلك البلدان، ذلك أن طهران لم تتردد، ولو ليوم واحد، في تمويل حلفائها، في حين تركت الملايين من الإيرانيين يتضورون جوعا.

كاتب فلسطيني سوري

8