إيران بين شقي الرحى.. التخلص من العقوبات أم إخماد نار الاحتجاجات

الاحتجاجات في إيران تهدد أركان النظام والمؤسسة الدينية المتشددة وتحرج الرئيس حسن روحاني، وتكشف أن الإيرانيين لم يعودوا يهابون آلة النظام القمعية.
الاثنين 2018/08/06
لا خوف بعد اليوم

طهران - عادت أصوات المحتجين لترتفع مرة أخرى في عدة مدن إيرانية، حيث لم تمنع حرارة الطقس القاسية المتظاهرين من التنديد بالمؤسسة الدينية التي يقوم عليها النظام في طهران، حيت تم استهدافها بهتافات تطالب المرشد الأعلى علي خامنئي بالرحيل وتصفه بالدكتاتور.

وأكدت السلطات القضائية الإيرانية، الأحد، مقتل محتج في مظاهرة، نظمتها المعارضة مؤخرا في كرج غرب العاصمة طهران.

ويتذمر الإيرانيون من الوضع الاقتصادي الصعب بسبب هبوط قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع، مع اقتراب تنفيذ العقوبات الأميركية الجديدة، الثلاثاء، على غرار القيود الصارمة التي تفرضها السلطة الدينية التي تصادر الحريات الخاصة والعامة، ومن مشاكل بيئية كنقص المياه.

 

تشهد إيران موجة من الاحتجاجات هي الثالثة بعد الاضطرابات المدنية في بداية العام الجاري. ولم يتوجه الغضب العام إلى السياسة الاقتصادية فحسب بل إلى رجال الدين الذين يحكمون البلاد، ويجد النظام الإيراني نفسه أمام مأزق داخلي بسبب الرفض الشعبي لسياساته، وأمام ضغط خارجي بسبب تصعيد الولايات المتحدة وفرض عقوبات جديدة ضده ابتداء من الثلاثاء، ويجمع المراقبون أن الاحتجاجات المستمرة تهدد أركان النظام والمؤسسة الدينية المتشددة وتحرج الرئيس حسن روحاني، وتكشف أن الإيرانيين لم يعودوا يهابون آلة النظام القمعية.

ويقول متابعون أن الاحتجاجات الشعبية التي لم تهدأ في إيران منذ يناير الماضي، تكشف أن الشعب لم يعد يهاب نفوذ رجال الدين المتشددين، وغير مبال بأساليبهم القمعية التي تنجح في إخفاء النقمة الشعبية على الدولة الدينية، التي تلعب دورا تخريبيا في قضايا الدولة المجاورة حيث تكرس المذهبية والطائفية ويسمح لها بتوسيع نفوذها الإقليمي، في حين أن أبناء شعبها سئموا هذه السياسة التي أتت بها الثورة الإسلامية عام 1979.

وقد طالت الاحتجاجات أنحاء مختلفة من البلاد بينها طهران وأصفهان وكرج وشيراز وقم، وأفادت وكالات أنباء إيرانية ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، بأن متظاهرين هاجموا حوزة شيعية إلى الغرب من العاصمة طهران، في إشارة تظهر مدى غضب المتظاهرين من رموز السلطة الدينية.وأمام تواصل الغضب الشعبي يجد النظام الإيراني نفسه محاصرا بضغوط داخلية وهي أصوات الشعب التي تتزايد يوما بعد يوم رفضا لخياراته، وأخرى خارجية بسبب ضغط الولايات المتحدة على إيران للتخلي عن تهديداتها لأمن المنطقة والعالم.

ويلفت الكاتب توماس إردبرينك في مقاله على صحيفة نيويورك تايمز إلى أن الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي أيد إبرام الاتفاق النووي مع الدول الكبرى صيف 2015، يجد نفسه بين شقي رحى، فهو محاصر ليس من الدائرة المتشددة وحدها وإنما كذلك من الإيرانيين الذين أعطوه أصواتهم، حيث أن كلا الفريقين اتفقا على أن سياسات روحاني باءت بالفشل.

النظام في مأزق

تضع المظاهرات قادة إيران أمام مأزق أكثر تعقيدا، مع استعدادهم لمواجهة العقوبات الأميركية من جديد. فالمستثمرون يغادرون البلد، في حين تشدد الحكومة الرقابة على استخدام العملة الأجنبية تحسبا لتراجع عائدات النفط. وعلى الرغم من أن المحافظين وأنصار النظام دأبوا على التقليل من شأن الاحتجاجات، إلا أن قادة إيران عاجزون عن الوصول إلى حلول جديدة تحافظ على استقرار البلاد داخليا، فيما يكشف التعاطي مع تصعيد واشنطن عن انقسامات داخل النظام الإيراني.

 ويشير مركز المزماة للدراسات والبحوث أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دعا فيها المسؤولين الإيرانيين إلى اللقاء والتفاوض دون شروط مسبقة، وضعت طهران في مأزق تاريخي وحقيقي، وبعد مضي نحو ثلاثة أيام على تلك الدعوة دون رد إيراني رسمي وقطعي عليها، يشير إلى وجود انقسامات حادة وتخبط شديد في أروقة الحكم، فالحكومة الإيرانية أمام اختبار جدي واختيار صعب، فإما الرفض الذي ستكون له انعكاسات دولية سلبية على إيران، واعتراف صريح على رفض إيران للحوار والتوصل إلى حلول بطرق سلمية، وإما القبول الذي ستكون له تداعيات داخلية سلبية للغاية، قد تقود إلى تحول الانقسامات والخلافات إلى مواجهات وصراعات داخلية خطيرة، وإلى فقدان الشعب كامل ثقته بالنظام الإيراني.

النظام الإيراني قد يلجأ إلى إبرام صفقة مع واشنطن بتنازلات إيرانية، لتلافي سقوط النظام في الوقت الحالي، وهو السيناريو الأرجح، أمام تواصل المشاكل المعيشية

ويعتقد مركز المزماة أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى إبرام صفقة مع الولايات المتحدة بتنازلات إيرانية تستطيع السلطات التكتم على بنودها، لتلافي سقوط النظام الإيراني في الوقت الحالي، وهو السيناريو الأرجح في الظروف الراهنة، أمام تواصل الأزمات والمشاكل المعيشية والاقتصادية.

ويلفت حُجت كلاشي، وهو عالم اجتماع ممنوع من مغادرة إيران بسبب كتاباته إلى أن “غياب الكفاءة موجود لدينا على المستويات كافة. مسؤولونا مستمرون على أمل حدوث نوع من انفراجة دولية، واتفاق يحل كل شيء، لكنهم على أرض الواقع لا يملكون أي استراتيجية”.

أما بالنسبة إلى النشطاء الذين ينتقدون الحكومة ويشجعون على التجمهر والتظاهر، فهم لا يهددون النظام الإيراني. حيث أصبحت قوات الأمن، التي تعلمت من دروس الاحتجاجات للعام 2009، أكثر قدرة على إخماد أي مظاهرات معادية للحكومة، فضلا عن أن المتظاهرين لا يمتلكون في الوقت الحالي قيادة موحدة ولا أجندة أهداف واضحة.

وفي الوقت الذي يسيطر فيه شعور عدم الرضا على أغلب أفراد الطبقة المتوسطة والفقيرة، إلا أن معظمهم يراقب الموقف من بعيد. ويقول بهمان أموي، وهو ناشط سياسي معروف أمضى عدة فترات في السجن بسبب تحركاته “في هذه المرحلة، لا توجد هناك رؤية، ولا قيادة، ولن تثير هذه الاحتجاجات أي ردود فعل في جميع أنحاء البلاد”.

وأضاف أموي “عليّ أن أعترف بأن الدولة، وأجهزتها الأمنية والدعائية، قادرة على هندسة الرأي العام بنجاح كبير وإقناع الشعب بأن الوضع الراهن في صالحهم وسيكون التغيير مكلفا للغاية”.

ومع ذلك، وبالنسبة إلى دولة يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة، فإن الاحتجاجات لم تخمد من بداية العام الجاري وقد لفتت إليها أنظار المجتمع الدولي. ففي يوليو الماضي سار تجار سوق طهران الضخم عبر المدينة احتجاجا على ارتفاع الأسعار واشتبكوا مع قوات الأمن بالقرب من مبنى البرلمان. وأيضا اشتبك المتظاهرون في مدينة خورامشهر الحدودية الجنوبية مع قوات الأمن لعدة أيام بسبب نقص المياه. وفي تحد لمخاطر الاعتقال، اعترضت النساء على غطاء الرأس الإسلامي الإجباري.

وحدثت العديد من الإضرابات أيضا، ولا سيما في المناطق الكردية، حيث أغلقت الأسواق في أبريل للاحتجاج على القيود المفروضة على التجارة الحدودية. كما بدأ سائقو الشاحنات إضرابا في الشهر الذي يليه، وفي مدينة كازرون قتل شخصان في اشتباكات حول خطط لإعادة رسم حدودها.

وذهب بعض المحتجين إلى أبعد من المظالم الاقتصادية؛ إلى تحدّي سياسة إيران الخارجية والقواعد الدينية. حيث انتقدت شعارات الاحتجاج دعم إيران للنظام السوري والجماعات المسلحة في الأراضي الفلسطينية وفي لبنان. ويذكر المتظاهرون في الكثير من الأحيان اسم رضا بهلوي، شاه إيران السابق والذي حكم إيران في بداية القرن العشرين بقبضة من حديد. وفي خورامشهر، أظهرت مقاطع الفيديو المتظاهرين وهم يهتفون “لقد نهبونا باسم الدين”.

النظام مهدد

بسبب قيود السفر المفروضة على المراسلين الأجانب، يصعب تحديد نطاق المظاهرات والاشتباكات في جميع أنحاء البلاد. وتشير المقابلات التي أجرتها صحيفة نيويروك تايمز مع المحتجين في طهران إلى أنهم يشعرون بالغضب مما يعتبره الكثيرون عجز الحكومة من الناحية الاقتصادية وممارسات الفساد.

الأزمات تتفاقم
الأزمات تتفاقم 

وفي الشهر الماضي، أعلن موقع إلكتروني منتسب للمرشح الرئاسي السابق مهدي كروبي، الموضوع رهن الإقامة الجبرية منذ 2011، إن قائد ميليشيا الحرس الثوري قاسم سليماني، بطل المتشددين في إيران، يعتبر جزءا من مافيا استيراد السيارات. وفي المقابل، انتقدت المنافذ الإعلامية الموالية للنظام ظهور روحاني في صور وهو يرتدي ماركات أزياء أجنبية.

وقال المتظاهر حسن سيدي، أحد تجار الإلكترونيات في سوق علاء الدين بطهران ” نتلقى أخبارا سيئة على مدار الأيام، وقلوبنا مليئة بالغضب”.

وفي الأشهر الأخيرة، أغلق هو وزملاؤه متاجرهم وشاركوا في مظاهرات الشوارع، واشتبكوا مع الشرطة. وأغلق التجار الآخرون متاجرهم تضامنا معهم. وأمام مبنى البرلمان، صاح حشد من مئات المتظاهرين “الموت لكم أيها القادة!”.

ويقول سيدي “قمنا بتصوير أنفسنا، وخرجنا إلى المظاهرات في اليوم التالي أيضا”. لكنه عاد الآن إلى متجره الصغير، حيث يدفع إيجارا شهريا يزيد عن 3100 دولار. ويقول سيدي “لا أستطيع غلق المحل أكثر من هذا، أنا بحاجة إلى الأموال التي أكسبها من البيع في متجري”.

 ويعتقد مركز المزماة للدراسات والبحوث أن ما تشهده إيران حاليا من انفتاح شعبي على المجتمع الدولي، وما يعانيه نظامها من عزلة دولية، وما ينتظره من عقوبات واستراتيجية شديدة من قبل المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة، والتي سيكون لها تأثير كبير على طهران سياسيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا، وما سينجم عنها من تفاقم للأزمات والمشاكل التي يعاني منها المواطن، مع وجود مسببات الثورة وحالة من الاستعداد الشعبي للانتفاضة ضد النظام، جميع ذلك يضع النظام الإيراني أمام خيارين، إما العناد والسقوط مبكرا، وإما الاستسلام لشراء البقاء لسنوات قليلة.

و يلاحظ المركز أن “النظام الإيراني في كلتا الحالتين في طريقه إلى الزوال، سواء قريبا أو بعد سنوات قليلة، لأنه أصبح منتهي الصلاحية، لأسباب كثيرة، أهمها أن سياساته مرفوضة من قبل المجتمع الدولي، ومتناقضة مع أي تطور أو انفتاح، ولا يمكن أن تسير ضمن القانون الدولي والاتفاقيات الأممية، ولا يزال يعمل في إطار الثورة لا الدولة”.

7