إيران تبحث عن فك عزلتها بتقديمها هبة عسكرية إلى لبنان

الخميس 2014/10/02

توجّه الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، إلى لبنان، حاملا معه وعدا بهبة عسكرية للجيش اللبناني الذي يحارب الإرهاب. وفي هذا السياق، قال في هذا الصدد: “إيران قررت أن تقدم هبة، عربون محبة وتقدير للبنان ولجيشه الباسل، وهي عبارة عن بعض التجهيزات التي تساعد هذا الجيش في المواجهات البطولية التي يخوضها ضد الإرهاب الآثم، وطبعا هذا الوعد ليس طويل الأجل، وإنما ستقدم هذه الهبة بشكل عملي خلال زيارة رسمية يقوم بها وزير الدفاع اللبناني إلى إيران لتسليمها بشكل رسمي”.

هذه الهبة يجب أن يوافق عليها مجلس الوزراء ويجب أن يتحقق اتفاق سياسي بشأنها، وفق شمخاني. وقد أشارت مصادر أن الجانب الإيراني لا يتحمل مسؤولية التجاذبات السياسية اللبنانية الداخلية التي قد تعيق حصول الجيش على هذه الهبة، مؤكدة كذلك أن اتفاقا قد تم مع لبنان يتسلم بموجبه وزير الدفاع اللبناني سمير مقبل الهبة خلال ثلاثة أسابيع في زيارة يقوم بها إلى طهران.

من جهة أخرى، التقى شمخاني خلال زيارته، رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، ورئيس الحكومة تمام سلام، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وخرج بتصريحات يدعو فيها إلى الحوار بين مختلف الأطياف في لبنان، وضرورة إقفال الحدود في وجه تسرب داعش إلى لبنان، والإسراع بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. (طبعا من دون الكلام عن إقفال هذه الحدود في وجه رجال ميليشيا حزب الله الذاهبين إلى القتال في سوريا).

شمخاني رفض ما تم تداوله عن عرض إيران المشاركة في الإئتلاف الدولي لمحاربة “داعش” مقابل حلحلة ملفها النووي. وسخر من الإئتلاف مؤكدا أنّه ”موبوء وليس له قيمة لمحاربة الإرهاب، وستثبت الأيام المقبلة ذلك، وأن الضرب الجوي من دون تحرك أرضي ليس له قيمة، وهذا يعرفه العسكريون جيدا”، وفق تعبيره. وأضاف قائلا: “من أجل ذلك أعتقد أن هذا الإئتلاف هو عبارة عن مسرحية، وأنّ المشاهد المسكين سيخرج بعد مشاهدة هذه المسرحية دامع العينين”.

بعد ذلك غادر الضيف الإيراني مُتجها إلى دمشق للقاء بشار الأسد، حيث أدلى بتصريحات أعاد فيها التأكيد على التوافق الإيراني-السوري الكامل حول كل الملفات التي تخص المنطقة.

وفي سياق آخر، تطرح الهبة الإيرانية المقدمة للجيش اللبناني سلسلة من الإشكاليات يتعلق جزء منها بالسياق القانوني وآخر بالسياق السياسي والأمني.

إذ يعلم الجميع أن إيران ما زالت خاضعة لعقوبات دولية يمنع بموجبها على أيّة دولة شراء أو تصدير السلاح منها وإليها، فقد حظر القرار 1929 على إيران بيع ثماني فئات من الأسلحة الثقيلة هي؛ الدبابات القتالية المصفحة، والمدافع من العيار الثقيل، والمقاتلات الجوية، والمروحيات القتالية، والبوارج، والصواريخ وأنظمة الصواريخ، كما نصّ القرار على توسيع عمليات التفتيش غير الإلزامية للشحنات المشتبه بها المتّجهة إلى إيران أو الخارجة منها، مشدداً على ضرورة أن تقوم الدول بمصادرة أيّة شحنات ممنوعة وعدم السماح بتقديم خدمات للسفن المعنية.

وهذا يجعلنا أمام سؤال ملح مفاده؛ ما هي إذا الأسلحة التي يمكن لإيران تقديمها إلى الجيش اللبناني، ما دامت الاسلحة الثقيلة التي يحتاج إليها فعلا مشمولة بقرار الحظر الدولي؟

ما لم يشمله القرار الدولي يكاد يقتصر على البنادق، والقاذفات الفردية، والرشاشات، والقنابل اليدوية والقناصات وهي أسلحة لا تصلح لمهمة الحرب على الإرهاب، لكنها صالحة لخوض حرب أهلية. أيضا يمكن التساؤل حول أسباب اتخاذ إيران قرارها بمنح لبنان هذه الهبة في هذه اللحظة بالتحديد، بينما هي تعاني من أزمة مالية حادة؟ وعن الأسباب التي تدفعها إلى سحب اللقمة من فم الشعب الإيراني الجائع الذي هتف ذات ليلة صارخا “لا حماس ولا حزب الله إيران أولاً”، وكان يعني نفسه طبعا وليس النظام. ربما يكون شمخاني (الأحوازي المنبوذ من شعبه العربي في الأحواز) قد أوحى بنفسه بالجواب حين ألمح إلى أن تقديم مساعدات للجيش اللبناني من شأنه أن يحرر إيران من العقوبات الأميركية.

هذا الحراك الإيراني السريع يسعى إلى التغطية على هبة المليار دولار السعودية التي جاء سعد الحريري على جناحها إلى لبنان، وعلى مشروع تسليح الجيش بقيمة ثلاثة مليارات دولار الذي تموله السعودية، والذي أعلنت دول الخليج عن نيتها تقديم مبلغ مواز له للغرض نفسه.

وفي هذا الإطار، يبدو أنّ خفة الحركة الإيرانية تعمد إلى سحب البساط من تحت أقدام السعودية والخليج بخفة “الساحر”، فقد أخرج شمخاني من قبعته هذه “الهبة السحرية” التي لا أرضية واقعية لها، بالإضافة إلى أنها لا تغدوا أن تتكون سوى من بنادق صيد تبحث إيران بواسطتها عن رفع العقوبات عنها.

إيران تريد، من ثمة، حسب مراقبين، أن تقدم للجيش اللبناني بنادق صيد ربما مقابل رفع العقوبات عنها، وهي تفعل ذلك في اللحظة التي بات فيها كثيرون يؤمنون أن الجيش اللبناني صار أسيرا لدى “حزب الله”. فقد كانت الأصوات التي تردد هذه الفكرة خافتة ولكنها باتت الآن عالية وتعبر عمّا يعتمل في البيئة السنية التي تعاني من أزمة مع الجيش بشكل لم يعد إنكاره مجديا.

كان تسليح الجيش عبر المليارات الخليجية يهدف إلى خلق مؤسسة وطنية قوية وقادرة، ومنع استثمار حزب الله فيها، من خلال ربط مصلحة الجندي بمؤسسة قوية ماليا وإداريا ، وقادرة على التفوق على أي ميليشيا مسلحة في البلد، فجزء كبير من قوة حزب الله يتأتى من تصور عام يضعه على رأس قائمة القوى العسكرية في البلد. دعم الجيش اللبناني بعتاد ثقيل، ورفده بعدد جديد من الجنود، وتأمين التدريبات اللازمة له من شأنه القضاء على هذه الأسطورة. هذا كان طموح الهبات السعودية والخليجية، لكن الجهد الذي يأتي متأخرا يفتح المجال للسحرة.

7