إيران تتبنى علاقة براغماتية مع الإرهاب

ادّعاء إيران أنها تحارب الإرهاب غير دقيق، ولا سيما أن السياق التاريخي أظهر علاقاتها الوطيدة مع أغلب جماعات الإسلام السياسي، سواء التي ادّعت الاعتدال أو التطرف، إذ تحارب المتشددين عندما تتضارب مصالحها معهم، وتتفاهم معهم عندما تتطابق المصالح.
الجمعة 2016/06/03
الغريمان على استعداد لتجاهل الماضي ومواجهة العدو المشترك

عملت إيران في كل المحافل الدولية على التأكيد على ضرورة الحرب على الإرهاب وأبدت استعدادها لتكون عضوا فعالا في المجتمع الدولي سواء في حربه على القاعدة أو داعش خصوصا بعد اتفاقية النووي. واحتلت عدة مناطق عربية مجاورة بحجة أنها تحارب الإرهاب كي لا يصل إلى عقر دارها.

وخاضت المعارك، بشكل مباشر أو غير مباشر، كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان عبر ميليشيات وقوات رديفة ترفع أحيانا شعارات لا تقل إرهابا عن داعش والقاعدة إلا أنها برعت في تسويقها دوليا على أنها أدوات قوية في مواجهة الجماعات الإسلامية رغم كونها ذاتها جماعات دينية، إلا أنها تتميز بكونها مضبوطة بالقيادة الدينية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مما جعل بعض الدول الكبرى تغض النظر عنها من منطلق براغماتي بحت.

بالإضافة إلى ذلك، تتبنى الدول الكبرى سياسة المستنقع الذي يغرق فيه كل من يدخله، أي لندع إيران الإسلامية بتشددها تواجه جماعات إسلامية متشددة أخرى عسى أن يغرق الطرفان في مستنقع الحروب الأهلية، وهذه السياسة على سذاجتها صعدت الإرهاب والتشدد والطائفية وبدل أن تغرق إيران والجماعات الأخرى تزايدت شرور كل من هذه الأطراف وفي بعض الأحيان انقلب السحر فتحولت إيران وتلك الجماعات الإرهابية بدرجات متفاوتة من أعداء إلى أصدقاء.

تصادمت إيران عبر ميليشياتها المحلية مع قوات تبايع القاعدة فمثلا جبهة النصرة وحزب الله في صراع على احتلال أكبر قدر ممكن من جغرافية المنطقة في ظل ضعف المنظومة العربية في بعض الدول، حيث ادّعت النصرة أنها تدافع عن الشعب السوري بينما ادّعى حزب الله أنه يحارب الإرهاب ويحمي ما يسمى “محور المقاومة”.

ولا تعني هذه الحروب بين إيران وأذرعها من جهة والقاعدة ومشتقاتها من جهة ثانية أنهما في صراع إلى ما لا نهاية له، بل يقتصر صراعهما على تقاسم المنطقة العربية المفككة بالإضافة إلى تبني قواعد اشتباك بينهما، فتركز النصرة (القاعدة السورية) على شمال سوريا بينما يركز حزب الله على جنوب سوريا وغربها، وأي صراع بينهما خارج هذه المناطق سيكون عرضيا، وهذا على صعيد سوريا.

وعلى الصعيد الدولي بين القاعدة وإيران فإن الأخيرة ترى أنه يمكن رسم خطوط تفاهم مع القاعدة والجماعات المتشددة عندما لا يكون هناك تصادم مباشر وتوظيفها على أساس عدو عدوي صديقي، بمعنى تتحول القاعدة من عدو إلى صديق في مناطق صراع القاعدة مع دول عربية ليست حليفة لإيران، فمثلا إيران تمدّ القاعدة في اليمن لمواجهة قوات التحالف العربي وإعاقة تحرير اليمن. وتتفاهم إيران مع طالبان لمواجهة خطر داعش على أطراف حدودها الأفغانية. وتستضيف إيران قيادات كبيرة في القاعدة مثل الظواهري وابن بن لادن وتعطيهم كل الإمكانات ليصدروا بياناتهم التي تتهجّم على الدول العربية التي تعاديها إيران.

بناء على قواعد الاشتباك التي تبنتها إيران والجماعات الإسلامية المتشددة مثل القاعدة نجد أن إيران هي البلد الوحيد في العالم لم يتعرض إلى هجوم إرهابي كبير من قبل القاعدة وأخواتها، وهذا ما يفسر احتضان إيران لهذه الجماعات الإرهابية لتفتح لها أرضها حتى تكون منصات هجوم على الأعداء.

طالبان في طهران

أبرز حالات احتضان إيران للقاعدة هو التحالف بين طهران وطالبان الذي أصبح مكشوفا بعد أن سلطت الصحف الدولية تفاصيله (نشرت جريدة العرب في عددها: 10289، ص(1) بتاريخ 28 /05 /2016 بعنوان “إيران تتحالف مع طالبان”). فقد عقدت إيران تحالفا مثيرا للجدل مع حركة طالبان أفغانستان لتأمين الحدود بين البلدين، في خطوة تمثل تحولا جذريا في سياسة النظام الإيراني الطائفي تجاه الحركة السنية المتشددة التي جمعها مع طهران عداء كبير.

الصراع بين إيران وأذرعها من جهة والقاعدة ومشتقاتها من جهة ثانية يقتصر على تقاسم المنطقة العربية المفككة

تطابق المصالح بينهما وعداؤهما المشترك لداعش، بشقه الأفغاني، جعلا حركة طالبان وإيران صديقتين بحكم المنفعة المشتركة، حيث تبدو إيران مستعدة لفعل أي شيء في سبيل تأمين حدودها مع أفغانستان والتي تبلغ نحو 572 ميلا. ورغم أن طهران سابقا اعتبرت حركة طالبان تهديدا مباشرا لها، فقد أصبحت، اليوم في زمن داعش، صديقة يجمعها بها عدو واحد.

وقالت مجلة فورين بوليسي الأميركية إن إيران كانت تزود في السابق التحالف الشمالي الذي كان يقاتل طالبان بالأسلحة والمعدات العسكرية والأموال قبيل الغزو الأميركي للبلاد عام 2001. لكن النظام الإيراني ينظر إلى تهديد طالبان باعتباره أقل خطورة من تهديد أكبر يمثله تنظيم داعش.

وأشارت فورين بوليسي إلى أن إيران كانت تقدم دعما ماديا وعسكريا لتحالف الشمال بقيادة أحمد شاه مسعود (عدو لطالبان) قبيل الاجتياح الأميركي لأفغانستان في 2001، إلا أن الوضع بات مختلفا الآن. ولم يقتصر التعاون الإيراني الطالباني على ذلك، إذ تجنّد إيران حاليا عناصر من طالبان لمنع مقاتلي داعش من تجاوز الحدود الأفغانية، والدخول إلى طهران.

ونقلت فورين بوليسي عن مصدر، وصفته بأنه مطلع على الخطة الإيرانية، دون أن تذكر اسمه، قوله إن الجدار العازل يمتد من أقصى جنوب أفغانستان حتى أقصى الشمال، ومعروف أن تلك المناطق تسيطر عليها طالبان.

زعيم طالبان السابق في إيران

أكدت باكستان أن الزعيم السابق للحركة الأفغانية منصور كان في طريق العودة من إيران وقت استهداف سيارته يوم 21 مايو 2016. وكان قد دخل إلى أراضيها بجواز سفر مزور، يوم 26 أبريل 2016، وبقي هناك لعدة أسابيع. وترك منصور معقله الآمن في بلوشستان، حيث بقي هناك فترة طويلة وحوله مقربون منه يحمونه، وقام بزيارته إلى طهران لحضور، على ما يبدو، اجتماعات مع مسؤولين أمنيين إيرانيين تمهيدا لتوسيع التحالف بين الجانبين، على أمل احتواء نفوذ داعش المتصاعد.

وقال السفير فرانز مايكل ميلبن، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في أفغانستان، خلال مقابلة “الإيرانيون يعملون بالفعل على تأمين حدودهم مع جماعات متعددة، من بينها أمراء الحرب وحركة طالبان”. وتم التفاهم الجديد بينهما رغم أن كلّا من إيران وحركة طالبان تتبنيان توجهات طائفية متضادة بالإضافة إلى أن طالبان لديها روابط مع جماعة جند الله المتشددة والمناهضة للدولة في إيران. كما تشرف طالبان على تجارة المخدرات المزدهرة التي تنقل الهيروين وتشل المجتمع الإيراني.

وهناك تفسيرات إضافية لزيارة الملا منصور لإيران، فالبعض يقول إنه كان هناك لتلقي العلاج الطبي، من أجل تجنب المستشفيات الباكستانية التي تحظى بمراقبة من وكالة الاستخبارات الباكستانية، وفقا لمسؤول أوروبي نقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز. ويؤكد مراقبون أن شعور الملا بالأمان في طهران أكثر من باكستان يعود لتطمينات من السلطات الإيرانية وترحيبها به بطريقة ما. بينما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أن الملا منصور كان في الواقع في إيران لزيارة العائلة التي تقيم هناك.
شعارات لا تخفي نزعة التطرف

ويؤكد توماس جوزلين، كبير محرري مجلة لونك ووار، وخبير في الأمن الدولي أن العلاقات بين طالبان وطهران تعود إلى عام 2000. حيث تؤكد وثائق استخباراتية أميركية أن الملا عمر كلّف مبعوثا بالنيابة عنه للعمل على تحسين العلاقات مع طهران. ونتيجة لهذا التواصل، وافقت إيران على تزويد طالبان بالألغام والأسلحة الصغيرة. (في 2007 و2011، حيث اعترضت القوات الدولية في أفغانستان شحنات الأسلحة من إيران متجهة إلى حركة طالبان). وقع الجانبان أيضا اتفاقا حول الحدود المفتوحة التي مكنت طالبان من تهريب الأموال والبضائع والمقاتلين إلى إيران. كل هذا مهد الطريق للوصول إلى أكبر تعاون بين إيران وطالبان في عام 2012 حيث تم افتتاح مكتب طالبان في المدينة الإيرانية زاهدان، التي تستضيف عددا كبيرا من المواطنين الأفغان.

ويرى خبراء دوليون أن طهران وطالبان تتشاركان في رغبتهما في تقليص النفوذ الأميركي في أفغانستان بشكل يجعل الطرفين يعملان معا لهذا الغرض أيضا. وتاريخيا، كان هذا عاملا رئيسيا لتحسين التعاون بين إيران وطالبان. صحيح اليوم أن الظروف تغيرت بعد أن انسحبت القوات الأميركية من أفغانستان، وكذلك إبرام إيران والولايات المتحدة الاتفاق النووي، وهو ما يدفع البعض إلى القول إن هذه التغييرات محفزة لأن تبعد إيران عن طالبان، إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك.

وتشير تقارير مؤكدة أن الدعم المالي وعمليات نقل الأسلحة الإيرانية إلى طالبان زاد بشكل كبير. وهذا يعود إلى عدة أسباب أبرزها الخوف المشترك من التوسع المفاجئ لداعش على الحدود الإيرانية الذي يتطلب التعاون المشترك مع طالبان التي تخشى بدورها أن تسحب داعش البساط من تحت أقدامها من خلال تجنيد عناصرها في صفوف داعش ولا سيما بعد مقتل زعيمها منصور. كما تتخوف إيران من انهيار الحكومة الأفغانية نظرا لهشاشة الوضع ودخول طالبان كلاعب جديد في مستقبل البلد. هذا يدفع إيران لوضع استراتيجية احتياطية لمستقبل توازنات القوة في دولة الجوار أفغانستان.

براغماتية إيران لم ترتق إلى مستوى تصرف براغماتية الدول التي من الممكن أن تتحالف مع أعداء الماضي لأجل هدف مشترك أو ضد عدو مشترك، بل تتصرف إيران بعقلية تنظيم أو مجموعة لا يردعها قانون أو عرف، فتنحدر ببراغماتيتها لتتحالف مع الإرهاب بما يخدم أهدافها التدميرية في المنطقة.

إعلامي سوري

اقرأ أيضا:

السيد محمد علي الحسيني: لن يُهزم تآمر شيعة إيران إلا بدعم الشيعة العرب

7