إيران تتوصل إلى اتفاق نووي تاريخي مع القوى العظمى

وضعت القوى العظمى وإيران حدا للجدل الدائر منذ سنوات بشأن برنامج طهران النووي بعد آخر جولة من جولات المفاوضات الشاقة والمضنية في النمسا دامت 18 يوما، رغم أن ذلك يُبقي الباب مواربا بشأن كل الاحتمالات حوله خلال الفترة القادمة، وسط تباين في المواقف بين مندد ومرحب بهذا التقارب التاريخي.
الأربعاء 2015/07/15

فيينا - اعتبرت الأطراف المفاوضة عقب الإعلان أمس الثلاثاء عن توصل إيران والقوى العظمى إلى اتفاق نووي طال انتظاره لسنوات بأنه تاريخي ويفتح صفحة جديدة في السياسة العالمية، وفق وكالات الأنباء.

وبينما وصف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الاتفاق بأنه يمثل لحظة تاريخية وصفحة أمل جديدة، اعتبرت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني أن الاتفاق يمهد الطرق أمام مرحلة جديدة في العلاقات الدولية.

وتصريحات ظريف تشير إلى أن خلافا لا يزال قائما بين الطرفين وذلك حينما قال “الاتفاق ليس مثاليا بالنسبة إلى أي طرف، لكن هذا ما استطعنا تحقيقه”.

وسبق الإعلان اجتماع لوزراء خارجية بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة لحوالي ساعة الفجر أمس فيما يسعون جاهدين لإتمام الاتفاق الذي يتم التفاوض بشأنه منذ أكثر من 21 شهرا.

وجاء الاتفاق الذي تم إبرامه بعد ماراثون شاق وبعد أسبوعين من تجاوز المهلة المقررة والتي كانت محددة في الثلاثين من يونيو الماضي، ولتدخل معه حمى التكهنات بمصير هذا الاتفاق المثير للجدل في الفترة المقبلة.

ورحبت روسيا الحليفة الأولى لإيران ضمن مجموعة السداسية بما تم الاتفاق بشأنه، إذ أكد وزير خارجيتها سيرغي لافروف تعليقا على هذا الحدث التاريخي الذي ترقبه العالم على مدى سنتين من المفاوضات المستمرة، بأنه عامل صحيّ بالنسبة إلى الوضع في الشرق الأوسط بشكل عام.

مصادر دبلوماسية تتوقع مصادقة مجلس الأمن على الاتفاقية النووية في غضون الأيام القليلة القادمة

من جانبه، سعى وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي كان متشددا مع الإيرانيين طيلة المفاوضات إلى طمأنة المجتمع الدولي بخصوص ذلك، وأشار إلى أن الاتفاق سيكون “قويا بما يكفي” لعشر سنوات على الأقل وأن القوى الكبرى ستتابع عن كثب كيف ستستخدم إيران أموالها بعد رفع العقوبات؟

وقال فابيوس “سيكون هذا أحد الاختبارات وسنكون حذرين للغاية”، مستبعدا فرضية أن تقدم طهران على معاقبة الشركات الفرنسية بسبب موقف باريس “القوي”.

ويرى البعض في الاتفاق نقطة تحول في علاقات طهران بالدول الغربية التي تشتبه بأنها تتخذ من برنامجها للطاقة النووية السلميّة ستارا لتطوير قدرة تسلح نووي قد يجر المنطقة إلى سباق تسلح نووي.

وتشير وكالات الأنباء الإيرانية إلى أن الإيرانيين يستعدون لإطلاق العنان والاحتفاء لأيام بهذا الاتفاق بعد سنوات من العزلة الاقتصادية.

أبرز نقاط التوافق
◄ تقديم مشروع قرار بخصوص الاتفاقية إلى مجلس الأمن لإقراره فورا

◄ توقف سريان مفعول الاتفاقية بعد 10 سنوات عقب صدور قرار من مجلس الأمن مباشرة

◄ سريان مفعول الاتفاقية خلال 90 يوما من صدور قرار مجلس الأمن

◄ اجتماع الطرفين لمتابعة تنفيذ الاتفاقية ما لا يقل عن مرة واحدة كل عامين

◄ تولي مفوضة السياسة الخارجية تنسيق عمل اللجنة الخاصة بفض النزاعات بشأن نووي إيران

◄ سيكون لأطراف التفاوض صوت في اللجنة المذكورة بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ويجري اتخاذ القرارات بتوافق الآراء

أهم بنود الاتفاقية

يقول مراقبون إن بنود الاتفاقية لا تختلف كثيرا عما تم التوصل إليه في الاتفاق المرحلي في لوزان السويسرية في 2 من أبريل الماضي.

وتتوقع مصادر دبلوماسية أن يصادق مجلس الأمن على الاتفاق النووي خلال الأيام القليلة القادمة حتى يدخل حيّز التنفيذ دوليا، لكن عقبتين مهمتين تنظرانه أمام الكونغرس الأميركي والبرلمان (الشورى) الإيراني ليكون ساري المفعول رسميا في كلا البلدين.

ويقضي الاتفاق برفع العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة على إيران مقابل موافقتها على فرض قيود طويلة المدى على برنامجها النووي الذي يشتبه الغرب بأنه يهدف إلى صنع قنبلة ذرية.

وأظهر نص الاتفاق، وفقا لما ذكرته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام أنه سيكون بوسع إيران إجراء أعمال بحث وتطوير تتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم لاستخدامه في أجهزة طرد مركزي متطورة خلال العشرية القادمة.

ومن بين أهم نقاط الاتفاقية تقديم مشروع قرار بهذا الخصوص إلى مجلس الأمن مباشرة بعد انتهاء المفاوضات والتوقيع عليها من قبل كافة الأطراف لإقراره فورا، لكن سريان مفعول الاتفاقية ستكون خلال 90 يوما من صدور قرار مجلس الأمن.

ويتضمن الاتفاق الذي جاء في 100 صفحة، توقف سريان مفعول خطة العمل المشتركة الشاملة بشأن البرنامج النووي الإيراني المثير لشكوك المجتمع الدولي بعد عشر سنوات عقب صدور قرار من مجلس الأمن مباشرة.

وتم التوافق أيضا على أن يجتمع الطرفان دوريا لمتابعة تنفيذ الاتفاقية ما لا يقل عن مرة واحدة في كل عامين على أن تتولى مفوضة السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي تنسيق عمل اللجنة الخاصة بفض النزاعات بشأن نووي إيران.

وفضلا عن ذلك، سيكون لجميع المشاركين في المفاوضات صوت في اللجنة المذكورة بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ويجري اتخاذ القرارات بتوافق الآراء.

وأخيرا موافقة إيران على إمكانية استئناف العقوبات الدولية في مهلة 65 يوما في حال عدم تنفيذ طهران الاتفاقية الشاملة مع السداسية.

وأعلن دبلوماسي غربي لوكالة “أسوشيتد برس” عن تحقيق تفاهم حول دخول مفتشي الأمم المتحدة إلى المنشآت العسكرية الإيرانية من أجل مراقبة البرنامج النووي.

في المقابل، صرح دبلوماسي آخر لوكالة “تاس” قائلا “بعد إبرام الاتفاقية ستجمّد الإجراءات المقيّدة حتى نهاية العام، وخلال هذه الفترة سيتم الاتفاق على جميع المسائل العالقة لرفعها النهائي”.

ويكشف الاتفاق الدور الروسي الكبير من خلال نقل اليورانيوم منخفض التخصيب من إيران إلى الأراضي الروسية وذلك مقابل توريد اليورانيوم الطبيعي إلى إيران على أن يتم إعادة تأهيل منشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو وتحويلها إلى منشأة لإنتاج النظائر المستقرة للأغراض الطبية والصناعية.

ردود الأفعال الدولية

تباينت ردود الفعل الدولية بعد إعلان إيران والقوى العالمية الست التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة حول الملف النووي لإيران بعد مباحثات شاقة وصعبة، إذ تراوحت بين الترحيب والتنديد ولكل مصلحة في ذلك.

وكان الرئيس الايراني حسن روحاني أول المرحبين بالاتفاقية وكتب في تغريدة على تويتر قائلا إن “الالتزام البنّاء يأتي ثمارا وأنه بات من الممكن الآن التركيز على التحديات المشتركة، في إشارةإ مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية”.

إلا أن أول المنددين كانت إسرائيل حيث وصف رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الاتفاق بالخطأ التاريخي، مؤكدا أنه سيبذل قصارى جهده لعرقلة طموحات إيران النووية.

وقال نتنياهو “ستحصل إيران على مسار مؤكد صوب الأسلحة النووية. سترفع الكثير من القيود التي من المفترض أن تمنعها من الوصول إلى ذلك”، معتبرا الاتفاقية ستشكل خطأ تاريخيا.

وسانده في موقفه، السيناتور الجمهوري لينزي غراهام الذي يسعى لخوض انتخابات الرئاسة الأميركية الذي قال إن الاتفاق النووي هو “حكم محتمل بالإعدام على إسرائيل” و”سيجعل كل شيء أسوأ”.

وعلى العكس من ذلك، رحب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالاتفاق، معربا عن دعم الأمم المتحدة للاتفاق. وقال بان كي مون في تصريحات مقتضبة أدلى بها إلى الصحفيين في مقر انعقاد “المؤتمر الدولي للتمويل من أجل التنمية” في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إن “الاتفاق يمثل دليلا قويا وشاهدا على قيمة الحوار والتفاوض”.

من جانبه، اعتبر رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز أن الاتفاق حول ملف إيران النووي يمثل بداية عهد جديد في العلاقة بين إيران والعالم بعد سنوات من العقوبات والعلاقات المتوترة.

وفي خضم ذلك، أشار وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني إلى أن بلاده تسعى لطمأنة الدول التي تنظر إلى الاتفاق بسلبية، في إشارة إلى إسرائيل.

كما باركت باكستان الاتفاق وقالت مصادر رسمية في إسلام آباد، إن بلادهم تأمل في أن يساعد البرنامج النووي الإيراني في إكمال خط الغاز بين إيران وباكستان.

فيدريكا موغيريني: الاتفاق النووي بين الجانبين يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة في العلاقات الدولية

الاتفاقية بين الكونغرس والشورى

تحرص إيران الساعية إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها على التأكيد على أن برنامجها النووي مخصص كليا للأغراض السلمية، لكن الاتفاق الذي أبرمته سيواجه جولة جديدة صعبة في الكونغرس الأميركي، إذ يرجح البعض أن يرفضه تاركا العقوبات المفروضة على إيران كما هي.

بيد أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري على العكس من ذلك الموقف، حيث يأمل في موافقة الكونغرس في غضون الشهرين القادمين على الاتفاق ورأى أنه لن يتم رفضه رفضا نهائيا وقاطعا.

وقال خلال تصريحات صحفية من فيينا ردا حول ما إذا رفض الكونغرس الاتفاق بأغلبية تضمن ألا يستخدم الرئيس الأميركي حق النقض ضده “لا أعتقد حقا أن يدير الناس ظهورهم إلى اتفاق فيه مثل هذه الخطوات الاستثنائية فيما يتعلق ببرنامج إيران وأيضا الدخول إلى المنشآت للتحقق”.

وبالتوازي مع ذلك، فإن الاتفاقية ستواجه أيضا صعــوبـــة للمصـــادقة عليها تحت قبة البرلمان (الشورى) الإيراني الذي يسيطر عليه المحافظون والذين يرفضون أي علاقة مع واشنطن ولاسيما ما وصفوه بالتنازلات الكبرى في الاتفاق.

وتبقى فرضية عدم العمل بالاتفاقية النووية المثيرة للجدل محصورة بين الولايات المتحدة وإيران فقط جراء التشريعات التي وضعت أمامها في كلا البلدين، لكن من المستبعد أن تفرض باقي دول السداسية المتفاوضة طوقا يعيق تنفيذ ما جاء فيها.

5