إيران تحاول إحراج السعودية بالترويج لاعتدال مزيف

خطاب التهدئة والاعتدال الذي تكثّف إيران من الترويج له بالتزامن مع خطوات تقاربها مع الغرب، يهدف إلى إحراج غريمتها السعودية وتحميلها مسؤولية توتير الأوضاع في الشرق الأوسط في مقابل تقديم “أوراق اعتماد” طهران لدى المجتمع الدولي باعتبارها عامل استقرار في محيطها.
الجمعة 2016/01/29
مرحبا بأموالكم

باريس - حرصت إيران على أن تُرفق الجولة الأوروبية التي قادت الرئيس حسن روحاني إلى كل من إيطاليا وفرنسا بخطاب «معتدل»، اعتبره مراقبون جزءا من تكتيك سياسي يهدف لإحراج المملكة العربية السعودية عبر تصويرها سببا في التصعيد، فيما إيران تسعى إلى التهدئة.

والتقى روحاني الخميس في باريس بكبار رجال الأعمال الفرنسيين، في الوقت الذي رحب فيه رجال السياسة بتحسن العلاقات مع طهران التي ظلت معزولة طويلا.

وأثنى الرئيس الإيراني على ما وصفه بـ«الخطوة الأولى المهمة في مطلع عهد جديد من العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا».

ومن جانبه صرح رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس قائلا «يمكننا فتح فصل جديد، بفضل الاتفاق النووي، وتود فرنسا أن تجدد روابطها مع إيران كشريك طموح».

وبالتوازي مع محاولة طهران كسب ود الغرب، تواصل شنّ حملتها ضدّ الرياض، حيث دعا نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان الخميس من موسكو السعودية إلى الكفّ عما سماه «الأفعال التي تزيد من التوترات في المنطقة»، وذلك بعد أن كان الرئيس روحاني قد قال أثناء وجوده في العاصمة الإيطاية روما إن بلاده «لا تريد تأجيج التوتر مع الرياض».

ووصف إعلاميون وقادة رأي عرب التكتيك الإيراني بأنه محاولة للترويج لاعتدال مزيف وشكلي متناقض مع السياسات الإيرانية القائمة فعلا على الأرض، وتدخلاتها المثيرة للصراعات والنعرات الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، فيما قال محلّلون أوروبيون، إنّ الغرب الذي يقطع خطوات عملاقة في التقارب مع إيران، غير معني بأي شكل بالخطاب الترويجي الإيراني لأنه يعرف ما يريد من إيران؛ المصالح الاقتصادية ولا شيء سواها.

وقال الأمير تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية “إن القادة الإيرانيين يحاولون الظهور بمظهر اللطفاء جدا والدبلوماسيين، جدا إلى آخر مظاهر الطيبة، لكن ما يفعلونه سرا مناقض تماما لذلك”.

تقسيم الطبقة السياسية الإيرانية إلى معتدلين ومتشتددين ليس سوى تقسيم إجرائي شكلي ضمن لعبة توزيع الأدوار

وقال الرئيس الإيراني من روما “نحن نعلم أن أي نزاع جديد سيجعل الأمور أكثر صعوبة، والاستقرار الإقليمي مناسب لنا وللسعوديين، إذ أن الأولوية تكمن في الصراع مع داعش والإرهاب، والحرب الإقليمية بين المملكة العربية السعودية واليمن والتي يجب أن تتوقف”.

ولا يغيب عن خطاب روحاني محاولة تطمين المستثمرين الغربيين الذين تحتاج إليهم طهران بشدّة للتخلّص من تبعات العقوبات الاقتصادية التي ظلت لسنوات تثقل كاهلها وتهددها بأزمة طاحنة تقلب الشارع ضد السلطات.

وحاول روحاني تقديم بلاده كصمام أمان للاستقرار في الشرق الأوسط قائلا “من دون إيران فإن الأمن في منطقة الشرق الأوسط لن يستتب، كما أن السلام في سوريا لن يعم”.

وصنّف تورّط إيران في الصراعات المسلّحة داخل البلدان العربية ضمن خانة محاربة الإرهاب عبر القول “لا أحد في العالم يشك في مسألة أنه لولا الجهود والدعم الذي قدمته إيران في محاربة الإرهاب لكانت هناك اليوم حكومة إرهابية وليست جماعة إرهابية في المنطقة”.

وفي غمار عملية التقارب غير المسبوقة مع الغرب، يتقدّم إلى واجهة المشهد الإيراني من يحسبون على “معسكر الاعتدال”، الذي يضم في الوقت الراهن الرئيس روحاني وطاقمه الدبلوماسي، بينما ينزوي المحسوبون على معسكر التشدّد الذي يضم المرشد وكبار قادة الحرس الثوري الذين يتم اللجوء إليهم في خطاب الوعيد والشتائم الموجّه إلى دول المنطقة، ودول الغرب ومن ضمنه نعت الولايات المتّحدة بـ“الشيطان الأعظم”.

ويجزم متابعون للشأن الإيراني بأنّ تقسيم الطبقة السياسية الإيرانية إلى معتدلين ومتشتدّدين ليس سوى تقسيم إجرائي شكلي ضمن لعبة توزيع الأدوار، حيث يظل نظام “الجمهورية الإسلامية” المستلهمة لسياساتها من أفكار مؤسسها آيت الله الخميني في آخر سبعينيات القرن الماضي إطارا جامعا للساسة الإيرانيين يمنع الخروج عنه، بدليل محاكمة وسجن من صدّقوا فعلا مسألة الاعتدال والإصلاح على غرار مير حسين موسوي.

وكثيرا ما تعمد طهران إلى محاولة تقاسم الأدوار وتوزيعها بين مسؤوليها المنقسمين شكليا بين “حمائم وصقور”، يهدد بعضهم الدول، فيما يلوح الآخرون تجاهها بخطاب تصالحي داع إلى الحوار.

لكن “المبالغة في هذه اللعبة وسوء إخراجها”، بحسب بعض منتقدي السياسة الخارجية الإيرانية، كثيرا ما يوقعان طهران في تناقضات صارخة، ويضفيان غموضا على حقيقة مواقفها.

وتعتبر إدارة الملف النووي “درسا تطبيقيا” عن عملية تقاسم الأدوار تلك، فبينما بات الاتفاق النووي مع القوى الكبرى أمرا واقعا، مازال خامنئي يخرج على الإيرانيين بخطب نارية تجاه الولايات المتحدة التي سهلت إبرام الاتفاق.

وعادة ما يكون الخطاب الناري ضد الدول الأخرى موجها إلى الداخل الإيراني بهدف إثارة حماس الشارع وصرف انتباهه عن المشاكل المتراكمة.

ويقلّل مراقبون من إمكانية تأثير الخطاب الدعائي الإيراني على مكانة المملكة العربية السعودية لدى حلفائها الغربيين المرتبطين معها بمصالح اقتصادية تفوق ما يعملون على الحصول عليه من خلال التقارب مع إيران.

كما لا تفتقر الدبلوماسية السعودية للحيوية والقدرة على التأثير، وهو ما أثبتته خلال الأزمة التي أعقبت الاعتداء على السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران وقم، حيث نجحت بتحرّكها الكثيف على أكثر من صعيد في إحراج طهران وأجبرتها على تهدئة النبرة والتبرؤ من مقترفي الاعتداءات والإعلان عن ملاحقتهم وسجنهم.

3