إيران تحصد ما زرعته في لبنان وسوريا

الأربعاء 2013/11/20
لبنانيون تجمعوا في موقع الانفجار الذي استهدف أمس السفارة الإيرانية ببيروت

بيروت – أعاد التفجير الذي استهدف السفارة الإيرانية ببيروت وخلف عشرات القتلى والجرحى إلى الأذهان عمليات أخرى كانت إيران أو أتباعها في لبنان وراء تنفيذها.

في مثل هذه الأيام قبل اثنين وثلاثين عاما استخدمت الأجهزة الإيرانية، بدعم من الأجهزة التابعة للنظام السوري وحزب الدعوة" العراقي (النسخة الشيعية للإخوان المسلمين) انتحاريا لتفجير السفارة العراقية في بيروت. دمّرت السفارة عن بكرة أبيها. وإضافة إلى مقتل السفير العراقي وقسم كبير من الدبلوماسيين والعاملين في السفارة، سقطت أيضا بلقيس الراوي (زوجة الشاعر نزار قبّاني) التي كانت تعمل في السفارة.

بعد اثنين وثلاثين عاما، بفارق بضعة أيّام فقط، يسعى طرف إرهابي إلى تفجير السفارة الإيرانية في بيروت بواسطة انتحاريين وليس بواسطة انتحاري واحد. وقد بلغ عدد القتلى، حتى الآن، نحو ثلاثين، بينهم الملحق الثقافي الإيراني، ونحو مئة وخمسين جريحا. ويعتبر هذا العمل الإرهابي دليلا جديدا على أن لبنان صار جزءا لا يتجزّأ من الحرب الدائرة في سوريا والتي باتت إيران طرفا مباشرا فيها بعدما قرّرت الذهاب إلى النهاية في دعم النظام العلوي الذي يقف على رأسه الأسد.

في الخامس عشر من تشرين الثاني- نوفمبر 1981، بعد سنة وشهرين على بدء الحرب العراقية- الإيرانية، امتدت ساحة المعركة، التي كان النظام السوري شريكا فيها، إلى لبنان. لم يعد هناك أي وجود للعراق الرسمي خارج المناطق المسيحية التي كانت، في معظمها، خارج سيطرة الجيش السوري المرابط في لبنان. وانتقلت السفارة العراقية بعد تفجيرها في منطقة الرملة البيضاء المطلّة على البحر، غير بعيد عن مواقع قادة الأجهزة الأمنية السورية، إلى منطقة الحازمية في قلب ما يسمّى بيروت الشرقية ذات الأكثرية المسيحية. واختيرت الحازمية موقعا للسفارة العراقية الجديدة نظرا إلى قربها من قصر الرئاسة ووزارة الدفاع.

أسست إيران لمثل هذا النوع من العمليات الانتحارية في لبنان. بعد تفجير السفارة العراقية في 1981، فجّرت السفارة الأميركية في بيروت وقتل في العملية التي نفّذت في نيسان- أبريل 1983 عدد كبير من العاملين في السفارة، إضافة إلى مجموعة من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. اي) كانوا يعقدون اجتماعا برئاسة بوب ايمز مسؤول الشرق الأوسط في الوكالة، إضافة إلى مواطنين لبنانيين أبرياء كانوا يمرّون أمام السفارة أو من المقيمين في محيطها. وكان موقع السفارة وقتذاك في بيروت الغربية غير بعيد عن الجامعة الأميركية في بيروت. وانتقلت بعد التفجير إلى بيروت الشرقية أيضا بعيدا عن مناطق نفوذ الأحزاب الموالية لإيران، على رأسها "حزب الله". لم يحل ذلك دون تعرّض السفارة الأميركية لعملية انتحارية جديدة كانت فاشلة جزئيا.

بعد تفجير السفارتين العراقية والأميركية، توالت العمليات الإرهابية الإيرانية في لبنان. ففي الثالث والعشرين من تشرين الأول- أكتوبر 1983، فجّر مقر "المارينز" قرب مطار بيروت، بواسطة انتحاري، كذلك فُجّر بالطريقة نفسها، مقرّ قيادة الوحدة الفرنسية التي كانت تعمل في إطار القوة المتعددة الجنسية (أميركية- فرنسية- بريطانية- إيطالية).

أرسلت تلك القوّة إلى بيروت لمساعدة السلطات اللبنانية في ضبط الأمن وإعادة بناء نفسها إثر الاجتياح الإسرائيلي للبلد صيف العام 1982.

بعد تفجير مقر"المارينز" الذي قتل فيه نحو مئتين وخمسين عسكريا أميركيا، انسحب الأميركيون عسكريا من لبنان. تُركت السلطات اللبنانية في تلك المرحلة تحت رحمة الميليشيات المذهبية المسلّحة التي ما لبثت أن سيطرت على قسم من الأراضي اللبنانية، بما في ذلك بيروت الغربية ذات الأكثرية المسلمة. وشيئا فشيئا وضعت إيران بغطاء سوري يدها على مناطق لبنانية عدّة. سمح لها ذلك بممارسة كلّ عمليات الخطف التي شملت مواطنين أميركيين وفرنسيين طوال مرحلة الحرب العراقية الإيرانية. كان الهدف من تلك العمليات معاقبة الولايات المتحدة وفرنسا على موقفهما في تلك الحرب.

طوال كلّ تلك السنوات، أبقت إيران، على خيار العمليات الانتحارية حيّا يرزق. من يحتاج إلى دليل على ذلك، يمكنه العودة إلى الطريقة التي اغتيل بها الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من فبراير 2005. حصلت عملية الاغتيال بواسطة انتحاري استهدف موكب رئيس الوزراء اللبناني السابق الذي كان مشروع زعامة سنّية وعربيّة مدعومة خليجيا ودوليا تتجاوز لبنان.

نشرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أسماء خمسة أشخاص ينتمون إلى "حزب الله" واتهمتهم بالتخطيط لاغتيال الحريري.

في السنة 2013، جاء دور إيران كي تذوق طعم العمليات الانتحارية. ما حصل أمام سفارتها في بيروت ليس سوى بداية وهو نتيجة مباشرة لتدخلها المباشر وغير المباشر في الحرب الدائرة في سوريا.

لا يزال صعبا تحديد الجهة المسؤولة فعلا عن استهداف السفارة الإيرانية، خصوصا أن إعلان "القاعدة" (كتائب عبدالله عزاّم) عن مسؤوليتها قد يكون غطاء للجهات التي استطاعت اختراق الأمن الإيراني في لبنان بهدف إثارة الغرائز المذهبية أكثر. من لديه مصلحة في ذلك؟

إنّه سؤال كبير لا يزال يحتاج إلى جواب. الشيء الوحيد الثابت أن إيران نجحت أخيرا في تأكيد أن أرض لبنان صارت امتدادا للأرض السورية التي تستضيف حربا أهلية ذات طابع مذهبي ليس هناك ما يشير إلى أنها ستنتهي قريبا.


إقرأ أيضا في العرب:


تفجير جديد يهز بيروت.. إيران تتهم السعودية وجهاديون يتبنون الهجوم

1