إيران تحوّل دفة "مصالحها" نحو الشرق بعد فشلها مع الغرب

المرشد الأعلى الإيراني يعطي إشارات لتحول حاسم في دفة العلاقات شرقا نحو الصين وروسيا، ويؤكد أن أولويات بلاده اليوم تتضمن تفضيل الشرق على الغرب.
الاثنين 2018/02/26
تقارب المصالح

طهران- فتح الملف السوري الطريق أمام "تقارب اضطراري" بين إيران وروسيا التي تسعى إلى نسج علاقات استراتيجية مع طهران باعتبارها بوابتها نحو الشرق الأوسط. كما ساهمت الضغوط الأميركية المسلطة على إيران في تعميق هذا التقارب وفتح المجال أمام طهران لمواصلة تطوير برنامجها النووي المثير للجدل.

أما "تقارب المصلحة" الإيراني الصيني، فإن المصالح الاقتصادية كانت المحرك الأساسي لتعميق العلاقة بين البلدين، حيث تشكل طهران مركزا جذابا للاستثمار الاقتصادي والسياسي بالنسبة لبيكين.

وبالرغم من رفض بيكين لامتلاك طهران السلاح النووي وموافقتها على قرارا مجلس الأمن في العام 2010، الذي فرض عقوبات على إيران، إلا أنها تمسكت بالنهج التفاوضي رافضة أي تصعيد عسكري.

هذا التقارب الذي يخدم مصلحة كل من إيران وروسيا والصين، دفع المرشد الأعلى الإيراني إلى إعطاء إشارات لتحول حاسم في دفة العلاقات شرقا نحو الصين وروسيا، مبينا أن الصبر بدأ ينفد في ما يتعلق بالتقارب مع الغرب.

وقد تجاوز التعاون بين إيران وروسيا والصين التقارب الكبير في الملف السوري إلى تعاون اقتصادي وتقارب في وجهات النظر بخصوص عدد من الملفات الإقليمية بالإضافة إلى العلاقات المتوترة مع الغرب.

التهديد بعقوبات أميركية أدى إلى تراجع الكثير من المستثمرين الأجانب والمصارف الكبرى عن رغبتها في التعامل مع ايران

ولذلك كان من المستغرب سماع المرشد الاعلى الايراني آية الله علي خامنئي يعلن في 19 فبراير انه "في السياسة الخارجية، أولوياتنا اليوم تتضمن تفضيل الشرق على الغرب". لكن بالنسبة للمحللين، فإن هذا لا يغير الفكرة الاساسية بأن ايران ترفض الوقوع تحت تأثير القوى الخارجية.

ومع ذلك، فإنه لا يعني ايضا ان المحاولة الاخيرة لإحداث انفراج مع الولايات المتحدة والمتمثلة بالاتفاق النووي الذي وافقت طهران بموجبه على وضع قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات بدأ يفقد زخمه.

وتأتي تصريحات خامنئي في فترة حساسة وسط تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتمزيق الاتفاق وإعادة فرض عقوبات ما لم توافق ايران على الحد من برنامجها الصاروخي و"أنشطتها المزعزعة للاستقرار" في الشرق الأوسط.

وحتى قبل وصول ترامب إلى السلطة، كانت ايران تشعر بأن واشنطن تنتهك ما يتعلق بها في الاتفاق حيث بات واضحا أن العقوبات الأميركية المتبقية ستستمر في عرقلة العلاقات المصرفية والاستثمارات الأجنبية وستمنع حتى الشركات التكنولوجية الإيرانية الناشئة من مشاركة منتجاتها في أسواق التطبيقات.

وتصر طهران على أن ذلك ينتهك بندا يشير إلى أن على الولايات المتحدة "الابتعاد عن أي سياسة تهدف تحديدا غلى التأثير بشكل مباشر وسلبي على تطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية مع ايران".

نهج براغماتي

رغم رفض بيكين امتلاك طهران السلاح النووي إلا أنها تمسكت بالنهج التفاوضي رافضة أي تصعيد عسكري

وكان الغضب من التدخل الأجنبي محركا رئيسيا للثورة الإسلامية عام 1979 بعد أكثر من قرن من المؤامرات والانقلابات واستغلال الموارد من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. لكن رغم وصفها من قبل معارضيها بأنها عقائدية ومتصلبة، كانت الجمهورية الإسلامية التي تمخضت عن الثورة أظهرت مرونة مفاجئة في سياستها الخارجية.

وقالت ايللي جيرانمايه من المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية "في محطات محددة منذ العام 1979، تبنت ايران نهجا براغماتيا في تعاملاتها مع الولايات المتحدة عندما كان ذلك ضروريا أو في مصلحتها".

وفي هذا السياق، أشارت إلى اتفاق "ايران كونترا" للأسلحة الذي أبرم في ثمانينات القرن الماضي والتعاون في افغانستان عام 2001 إضافة إلى الاتفاق النووي. ومع ذلك، يرفض كثيرون في واشنطن قبول فكرة أن ايران كانت جدية في أي وقت مضى بشأن التقارب.

وأصدر معهد "أميريكان انتربرايز انستيتيوت" للأبحاث سلسلة مقالات هذا الشهر تدعو إلى "سياسة أكثر تصادمية تجاه ايران" بما في ذلك تغيير النظام. وكان التبرير الأساسي هو أن "من يديرون سياسة ايران الخارجية غير مهتمين بإقامة علاقة أفضل" مع واشنطن.

لكن في خطاب ألقاه في ابريل 2015، قبل ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق النووي، قال خامنئي بشكل واضح أنه بإمكان الاتفاق أن يؤدي إلى تحسين العلاقات. وقال المرشد الأعلى "إذا توقف الجانب الآخر عن تعنته المعتاد، سيشكل ذلك تجربة لنا وسنكتشف بأنه بإمكاننا التفاوض معه على أمور أخرى كذلك".

وانتعشت مبيعات ايران النفطية منذ الاتفاق في حين ازدادت تجارتها مع أوروبا. لكن التهديد بعقوبات أميركية أدى إلى تراجع الكثير من المستثمرين الأجانب والمصارف الكبرى عن رغبتها في التعامل مع ايران. ولا تزال الشركات والحكومات الأوروبية أكثر ضعفا أمام ضغوطات واشنطن من نظيراتها الروسية والصينية.