إيران تختار منبرا كويتيا لإعادة تسويق مبادراتها المرفوضة خليجيا

تهديد مبطّن في مقال لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يكرّس أسلوب التخويف من تصعيد التوتّر.
الجمعة 2019/10/11
كتابة مجلدات لا تكفي لإقناع الخليجيين بحسن نوايا إيران

لجوء وزير الخارجية الإيراني لمخاطبة بلدان الخليج عبر منبر إعلامي كويتي كشف مجدّدا الصعوبات الكبيرة التي تواجهها إيران في تسويق أفكارها ومبادراتها بشأن “السلام” في المنطقة، في ظل عدم اكتراث بتلك الأفكار، ليس فقط من قبل عواصم الخليج ذات العلاقات المتوتّرة مع طهران، ولكن أيضا من قبل عمان والكويت اللتين كانت إيران تتوقّع منهما تجاوبا أكبر مع “مبادراتها”.

الكويت - اختار محمّد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني منبرا إعلاميا كويتيا لإعادة الترويج لمشروع “مبادرة هرمز للسلام”، التي تجعل لبلاده دورا قياديّا في “تأمين” منطقة الخليج، ولفكرة إبرام معاهدات ثنائية لعدم الاعتداء هادفة إلى تحييد كلّ من الكويت وسلطنة عمان عن الجهود التي تبذلها قوى إقليمية ودولية لوضع إطار شامل لتأمين المنطقة من المخاطر والتهديدات التي تعتبر إيران ذاتها مصدرها الأساسي.

وجاء ذلك بعد أن قوبلت المبادرتان لدى عرضهما في وقت سابق بعدم الاكتراث، لاسيما من قبل الكويت وعُمان اللتين تحتفظان، إلى جانب قطر، بعلاقات أوثق مع إيران قياسا بالعلاقات المتوتّرة التي تجمع بين طهران وباقي عواصم الخليج.

ولم يخلُ مقال منسوب للوزير الإيراني، نشرته الخميس صحيفة الرأي المحلية الكويتية من نبرة تخويف لبلدان المنطقة من تصاعد التوتّر، ترتقي إلى مرتبة التهديد المبطّن، وهو ذات الأسلوب الذي اعتمدته طهران في ضغوطها التي وجّهتها بشكل خاص صوب الكويت منذ بدء الأزمة التي أطلقتها إيران بسلسلة اعتداءات على مرافق حيوية على صلة بالنفط وطرق نقله إلى الأسواق العالمية آخرها قصف منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية بصواريخ مجنّحة وطائرات مسيّرة، حاولت طهران نسبته لوكلائها الحوثيين في اليمن، لكن الكثير من الدلائل أشارت إلى ضلوع إيران في الاعتداء بشكل مباشر.

وقال ظريف في مقاله “إنّ الأمن لا يمكن تجزئته وتفكيكه، فإمّا أن ينعم الجميع بالأمان وإمّا أن يُحرم الجميع منه”.

وحاولت إيران قطع الطريق على جهود أميركية لإنشاء تحالف دولي لحماية طرق الملاحة البحرية في المنطقة، وذلك بعرضها مبادرة أطلقت عليها اسم “مبادرة هرمز للسلام”، بالتوازي مع تحرّكها صوب كلّ من عمان والكويت لتوقيع معاهدة ثنائية لعدم الاعتداء مع كلّ منهما.

وكان واضحا للمراقبين لعب طهران على وتر الخوف الذي انتاب الدولتين، وخصوصا الكويت، من تصاعد التوتّرات ومن إمكانية تطوّرها إلى صدام مسلّح ستشملهما تبعاته بقوّة، ورغم ذلك فإنّ عدم تفاعلهما بإيجابية مع المقترح الإيراني كشف أنّهما، رغم العلاقات التي تجمعهما بطهران ما تزالان تخشيان انفراد الأخيرة بهما وتفضّلان مقاربة المسألة الأمنية ضمن إطار خليجي جامع رغم ما تسرّب إلى مجلس التعاون من خلافات فجّرتها السياسات القطرية وعلاقات الدوحة بتنظيمات إرهابية وجماعات متشدّدة.

وقام ظريف أواخر أغسطس الماضي بزيارة إلى الكويت، اعتبرت مصادر خليجية بأنّ اختيار توقيتها الذي صادف تعرّض أمير البلاد لأزمة صحية لم يكن بريئا، وأنّ إيران حاولت آنذاك استغلال حالة القلق السائدة في الكويت للضغط على البلد ومحاولة تحييده من الصراع، عبر إقناع الجانب الكويتي بتوقيع معاهدة عدم اعتداء، وكذلك محاولة توظيف القيادة الكويتية في إقناع الرياض بفتح قنوات حوار مع طهران.

الكويت وعمان تخشيان انفراد إيران بهما وتفضّلان مقاربة المسألة الأمنية ضمن إطار

غير أنّ المصادر ذاتها، أكّدت آنذاك فشل ظريف في تحقيق أي تقدّم على صعيد توقيع معاهدة ثنائية مع الكويت أو عقد اجتماع يضم مسؤولين من دول المنطقة، كما فشل في الحصول على ضمانات كويتية بأنّ تغييرا سيطرأ على سياسة الدولة في مرحلة ما بعد الأمير الحالي البالغ من العمر تسعين عاما.

وبالمثل تحرّكت إيران صوب سلطنة عمان لعرض فكرة اتفاقيات عدم الاعتداء، وذلك عبر سفيرها في مسقط محمد رضا نوري شاهرودي الذي كشف في وقت سابق أن بلاده أبلغت القيادة العمانية برغبتها في توقيع معاهدة عدم اعتداء مع دول المنطقة، لكن السلطنة تجاهلت، على ما يبدو، العرض الإيراني الذي لم توجد له أي أصداء لا في الإعلام ولا في الخطاب الرسمي العماني.

وبحسب مصادر دبلوماسية في الإقليم فإنّ إيران كانت تطمح لإنجاح فكرة المعاهدات الثنائية مع الكويت وعمان أملا في تعميمها لاحقا على بلدان المنطقة، لكنّها اصطدمت بممانعة بلدان الخليج لإقامة نظام أمن إقليمي تكون إيران جزءا منه، إذ تعتبرها المشكلة الحقيقية وبالتالي لا يمكن أن تقدّم الحلول.

وانتهج جواد ظريف في مقاله بالصحيفة الكويتية النهج الإيراني المعهود في تقديم طهران كداعية حوار مع بلدان المنطقة وساعية إلى تحقيق السلام والاستقرار.

وكتب في مقاله “المنطقة تعاني من فقر للحوار الإقليمي الشامل في المجالات المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلی جفاف جذور السلام والعمران إلی الأبد”، مشدّدا على حاجة المنطقة “إلى الحوار الإقليمي الداخلي أكثر من میلها نحو كيل الاتهامات واستخدام التعابير العدائية والعنيفة والتنافس التسليحي وتكديس الأسلحة”.

كذلك حاول ظريف تسويق “مبادرة هرمز للسلام” التي طرحها الرئیس الإيراني حسن روحانی مؤخرا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها مبادرة قابلة للتحقيق، قائلا “إن هذه المبادرة مبنية علی أصول ثابتة، منها الالتزام بمبادئ الأمم المتحدة، وحسن الجوار، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضیها، وعدم الإخلال بالحدود الدولية، وحلّ كل الخلافات بطرق السلمية، ورفض التهديد واللجوء للعنف أو المشاركة في أيّ تحالف أو حلف عسكري ضد أحدها الآخر، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والعلاقات الخارجية لأحدها الآخر”.

وتشكّك دول إقليمية في إيمان إيران بالمبادئ التي ساقها ظريف في مقاله، وتعتبر أن سياساتها تجاه دول الإقليم، وتدخّلاتها في اليمن والعراق وسوريا، ومشاركتها في الاعتداء على السعودية ومؤامراتها ضدّ البحرين تناقض جذريّا دعوات الحوار التي دأبت على إطلاقها بشكل صوري.

3