إيران تختصر الحرب على أسعار النفط في الاستغناء عن الدولار

الأربعاء 2015/01/28
هل تنقذ إجراءات الحكومة وتيرة تراجع الاقتصاد

طهران – يقول خبراء إنه لم يعد أمام إيران للخروج من أزمتها الاقتصادية الطاحنة بد من تقديم تنازلات سياسية ثمينة، من أجل رفع العقوبات وقبول الدول النفطية الرئيسية بإعادة النظر في إمكانية خفض معدلات الإنتاج.

أثار قرار اتخذته الحكومة الإيرانية بالاستغناء عن الدولار الأميركي في تعاملاتها التجارية مع الخارج علامات استفهام حول توقيت اتخاذه، خاصة بعد أن بات الاتفاق مع القوى الغربية حول الملف النووي قاب قوسين أو أدني، بحسب معظم التصريحات الصادرة عن الطرفين.

لكن التساؤلات ذاتها اصطدمت بحقيقة أن طهران ترزح تحت وطأة أزمة تراجع أسعار النفط، مع إصرار الدول الأعضاء في منظمة أوبك على المضي قدما في الحفاظ على الإنتاج عند نفس المستوى بغض النظر عن الحاجز الذي تخطته الأسعار.

وأعلن نائب محافظ البنك المركزي الإيراني، غلام علي كامياب، السبت الماضي، أن إيران لم تعد تستخدم الدولار الأميركي في تعاملاتها التجارية مع الدول الأخرى.

وأوردت وكالة أنباء “تسنيم” المقربة من الأجهزة الأمنية الإيرانية قول كامياب “إيران تستخدم في التبادل التجاري مع الدول الأخرى عملات أخرى، بما فيها اليوان الصيني واليورو، والليرة التركية والروبل الروسي، والوون الكوري الجنوبي”.

وأشار المسؤول المالي الإيراني إلى أن بلاده تنظر في إمكانية عقد اتفاقيات عملة ثنائية مع عدد من الدول من أجل تجارة وتعاملات اقتصادية مريحة.

مراقبون لم يستبعدوا أن يكون الجانب الإيراني قد طرح نيته بالاستغناء عن الدولار على طاولة المفاوضات، خصوصا خلال الجولة الأخيرة في زيورخ

وشهدت العملة الرسمية الإيرانية “الريال” تدهورا قويا مقابل الدولار الأميركي في الأشهر الأخيرة. وتعاني أيضا إيران من صعوبة الحصول على دخلها الناتج عن تصدير النفط والسلع الأخرى بالدولار، بسبب العقوبات المفروضة عليها جراء نشاطها النووي الذي مازال الغرب يشك في عدم سلميته رغم التقدم في المفاوضات.

ومع تأخر توقيع الاتفاق بين إيران والسداسية الدولية، أبقت الدول الغربية العقوبات ضد إيران ما تسبب بزعزعة اقتصادية عصفت بالبلاد الأمر الذي انعكس مباشرة على حياة المواطن الإيراني.

ولم يستبعد مراقبون أن يكون الجانب الإيراني قد طرح نيته بالاستغناء عن الدولار على طاولة المفاوضات، خصوصا خلال الجولة الأخيرة التي انتهت يومي الجمعة والسبت في زيورخ، لبحث الخلافات الأساسية التي ما زالت تعيق التقدم في سبيل التوصل إلى اتفاق بين إيران ومجموعة الـ5+1.

لكن الإجراءات الإيرانية الأخيرة ستحتاج إلى وقت، كما أنها لن تكون كافية في ظل وقوع الاقتصاد الوطني أسيرا لعوامل خارجية ترتبط بموازين القوى والمصالح الإقليمية والدولية. كما أن استمرار تراجع العملة الإيرانية أدى إلى ارتفاع التضخم، وبدأ رجال الأعمال يتململون من القيود المفروضة على التعامل الخارجي مع البنك المركزي الإيراني.

وحمّلت اتحادات تجارية حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية في البلاد، نتيجة العقوبات الغربية التي فرضت على إيران بسبب برنامجها النووي.

وانسحب ذلك إلى حد ما على الجماهير العادية التي أصبحت تقارن بين البرنامج النووي وغلاء المعيشة، نتيجة انهيار قيمة العملة وارتفاع معدل التضخم.

وأدى الانخفاض في قيمة العملة إلى تراجع مستويات المعيشة، وأجبر إيران على خفض وارداتها وتسبب أيضا في خسارة وظائف في القطاع الصناعي.

أفشين مولافي: إيران بحاجة إلى سعر قريب من مئة دولار للبرميل من أجل الاستمرار

وتقدر الحكومة معدل التضخم السنوي الرسمي بنحو 25 في المئة، لكن محللين يقدرون أن المعدل يصل إلى نسبة 50 أو 60 في المئة في الواقع.

ويقول بعض الإيرانيين إن أسعار بعض السلع، ومنها سلع أساسية، تضاعفت مرتين في العامين الأخيرين. لكن لم تقتصر المشكلة على قطاعات المجتمع الإيراني فقط، بل امتدت إلى قطاع النفط الذي ينظر إليه هناك باعتباره عصب الاقتصاد.

وعلى إثر ذلك تراجع إنتاج إيران من النفط بشكل ملحوظ وانخفضت صادراته من أربعة مليون برميل يوميا إلى 1.1 مليون برميل فقط. وبدورها، هرعت أكبر الدول المستوردة للنفط الإيراني كالصين واليابان وكوريا الجنوبية، لتقليص وارداتها تلك بواقع النصف تقريبا، تجاوبا منها مع العقوبات الدولية التكميلية المفروضة على طهران.

ويقول بشير عبدالفتاح الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إن تأثير العقوبات على القطاع النفطي الإيراني تفاقمت التحديات أمام أنشطة صيانة وتجديد المنشآت النفطية وعمليات تكرير مشتقات النفط، على نحو أدى إلى إضعاف قدراتها الإنتاجية وتقويض إمكاناتها التكريرية”.

وأضاف “ساهم ذلك كله في حرمان إيران من زيادة عوائدها النفطية التي تقدر بمئة بليون دولار، بما يمثل نسبة 80 بالمئة من العملة الصعبة التي تحصل عليها خامس أكبر دولة مصدرة للنفط على مستوى العالم، والثانية على مستوى منظمة أوبك بعد السعودية، إذ تجمدت صفقات عديدة في مجال الطاقة بين إيران ودول أخرى بما قيمته ستون مليار دولار بعدما حالت العقوبات دون تنفيذها، خصوصا مشروع (باريس) مع باكستان والهند”.

ويبدو أن خبراء إيرانيين بدأوا يتحسبون للقادم الأسوأ مع بدء هبوط أسعار النفط منذ ما يقارب خمسة أشهر، حيث عقدت الحكومة واللجنة الاقتصادية بمجلس النواب عدة جلسات لمناقشة تأثير انخفاض سعر النفط على الاقتصاد ودراسة الحلول الممكنة.

ومن شأن استمرار التراجع في أسعار النفط أن يجبر الحكومة الإيرانية على اتخاذ قرارات مثيرة كرفع أسعار السلع والخدمات الأساسية، على نحو قد يعرضها لعواصف من الاحتجاج الشعبي بسبب عجز شريحة واسعة من الشعب الإيراني عن توفير تكلفة المعيشة اليومية. وربما يضطر النظام بالتزامن لتقديم تنازلات في سياسته الخارجية، إذ قد يسفر اهتزاز موقفه التفاوضي عن تقليص خياراته بشكل كبير خلال المفاوضات النووية.

ويقول أفشين مولافي، مدير مبادرة الأسواق الناشئة والنامية في معهد السياسة الخارجية في واشنطن، إن تأثير تراجع الأسعار كبير جدا على ميزان المدفوعات الإيراني، حتى المحافظون يدركون ذلك، وهم يعلمون أن الوضع غير قابل للاستمرار”.

وأضاف “صندوق النقد الدولي يقول إن إيران بحاجة إلى ما بين 135 إلى 143 دولارا للبرميل كسعر تعادل. والميزانية الجديدة التي قدمها روحاني تساعد طهران على تحمل أسعار أقل من هذا التقدير، ولكن في الواقع هم بحاجة إلى سعر قريب من مئة دولار للبرميل من أجل الاستمرار”.

12