إيران ترعى الميليشيات الشيعية وتؤيد السنية خدمة لأجندتها التوسعية

الاثنين 2014/10/13
الميليشيات الشيعية تسعى إلى خلق المزيد من الفوضى لتبرر وجودها في المنطقة

القاهرة - الدور الذي تلعبه إيران في مزيد تأجيج الصراع في منطقة الشرق الأوسط خدمة لمصالحها الضيقة وأجندتها التوسعية لم يعد خافيا على أحد، خاصة بعد أن أصبح دعمها للميليشيات المتشددة سواء الشيعية أو السنيّة مكشوفا، يميط اللثام في جل أبعاده عن مخطط يسعى إلى إغراق المنطقة في الفوضى.

لا أحد ينكر أن إيران تملك أجندة سياسية لدورها وأهدافها في المنطقة، ولا أحد ينكر أنها صاحبة أعلى معدل في البراغماتية الإقليمية، أمّا العامل الجديد فيتمثّل في أنّ إتقانها لهذين الجانبين، استلزم منها الإقدام على إتيان تصرفات، داست بها على الكثير من القيم والمعايير والأعراف والتقاليد، فهي الدولة الوحيدة في العالم (تقريبا) التي توفر حماية رسمية لعدد كبير من الميليشيات المسلحة، ظهرت بصماتها في العراق، ثم لبنان، وأخيرا في سوريا واليمن.

الغريب أن طهران التي تشرف على رعاية مجموعة من الميليشيات الشيعية في الدول المذكورة سالفا، وربما في دول أخرى غيرها، هي أيضا التي وفرت ولا تزال توفر حماية مادية ومعنوية، لعدد من الجماعات المسلحة السنية، سواء كانت تحت ستار المقاومة المشروعة أو إيواء عدد من الإرهابيين والمطلوبين للعدالة في دولهم، لكن الفرق بين الرعاية والحماية كبير، فمع الحالة الأولى قامت إيران بتكوين ميليشيات لتحقيق أغراض مباشرة، وتثبيت أقدامها ونفوذها إقليميا، وأفلحت إلى حد كبير في ذلك، رغم الخسائر البشرية التي تسبّبت فيها الميليشيات التي تعرف بـ”كتائب الموت الشيعية”، أمّا مع الحالة الثانية فقد جرى استخدام الميليشيات السنية كأوراق سياسية، تسعى من خلالها إلى تجنب إثارة نعرات طائفية مباشرة، وتخفيف بعض الاحتقانات التاريخية.


كيف صنعت إيران حلفاء من السنة؟


لعل الرعاية التي قدمتها إيران لعدد كبير من قيادات الجماعة الإسلامية الذين فروا من مصر في وقت مبكر، تمثل دليلا على صحّة ما سبق، خاصة أن طهران رفضت الاستجابة لطلبات القاهرة بتسليم عدد من هؤلاء المطلوبين، وبقيت هذه المشكلة واحدة من المنغصات التي تعكر العلاقات بين البلدين. كما فتحت طهران قنوات مع قيادات في تنظيم القاعدة، واستقبلت أيضا عددا منهم على أراضيها، ناهيك عن العلاقة الوثيقة التي تربط إيران بحركتي الجهاد الإسلامي وحماس في الأراضي الفلسطينية، فقد درجت على مد يدها للكثير من العناصر الإسلامية السنية.

الفرق الشيعية المسلحة تشبه الشبكات العنكبوتية، ينفذ كل منها عمليات تطهير عرقي وتهجير طائفي دون أن يعرف الآخرون طبيعة الدور الذي تقوم به كل فرقة

هذه الشبكة المحكمة من العلاقات جنبت طهران (مؤقتا) تحويل هذه الحركات إلى أعداء، وساهمت بقوة في التغطية على ممارساتها المشبوهة، عن طريق أدواتها الشيعية المسلحة، وبدت هذه الدولة في نظر البعض “داعمة للمقاومة والمظلومين”، الذين لم تتورع في قتلهم وسفك دمائهم متى سمحت الفرصة، عبر أذرعها وكتائبها التي انتشرت في أكثر من بلد عربي.


من هي فرق الموت الشيعية؟


في إطار حديثه عن أذرع إيران المسلّحة، قال محمود الشناوي، الباحث في شؤون الميليشيات المسلحة ومؤلف كتاب “فرق الموت الشيعية”، في تصريح لـ”العرب”: “إنّ هذه الفرق نفذت الكثير من العمليات المسلحة ضد الجيش العراقي في المناطق المحاذية لإيران، بعد سقوط نظام صدام حسين، وشكلت طهران في الوقت نفسه قوة أخرى كانت بمثابة اليد الطولى لها والأكثر نفوذا متمثلة في جيش المهدي، وهو الجناح العسكري للتيار الصدري الذي يقوده مقتدى الصدر”.

وفي ذات السياق، أوضح الشناوي، وهو صحفي مصري عاش لفترة طويلة في العراق كمراسل عسكري، أنّ الفرق المسلحة تشبه الشبكات العنكبوتية، حيث ينفذ كل منها عمليات تطهير عرقي وتهجير طائفي، دون أن يعرف الآخرون طبيعة الدور الذي تقوم به كل فرقة، وبالتوازي مع ذلك، تشكلت مجموعات أقل عددا وتأثيرا مثل كتائب “ثأر الله” وبعض الميليشيات التي تمثل أجنحة عسكرية لـ”حزب الدعوة” و”حزب الدعوة تنظيم العراق” وباقي الأحزاب الشيعية التي اشتركت في العملية السياسية بعد إقرار دستور 2005.

وقد بدأت تلك الميليشيات تتكاثر شيئا فشيئا، وظهر الفصيل الأكثر تطرفا عندما استشعر أتباع مقتدى الصدر وعلى رأسهم قيس الخزعلي بالخطر، حيث تمّ تشكيل ما عرف بـ”عصائب أهل الحق”، وهو التنظيم الأكثر عددا وتسليحا، والذي يحتفظ حتى الآن ببنائه الهرمي العسكري، وينسب إلى ذلك التنظيم أنّه هو من “تصدّى” لعناصر “داعش” في عدد من البلدات الشيعية مثل بلدة “واد جيلو”، التي شهدت محاولة اغتيال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.


كيف أسهم المالكي في ظهور "داعش"؟


يبدو أنّ الدور الذي لعبته حكومة المالكي كان داعما ومساهما في انتشار هذه الميليشيات في العراق، حسب رأي صبرة القاسمي، منسق الجبهة الوسطية لنبذ العنف في مصر، الذي قال في تصريح لـ”العرب”: “إنّ حكومة نوري المالكي السابقة ساهمت بقوة في انتشار الميليشيات الإسلامية المتطرفة في العراق، من الشيعة والسنة”، مشيرا إلى “أنّ المالكي التجأ إلى فكرة تكوين ميليشيات ‘الصحوات الشيعية’ لمواجهة مواطنيه السنيّين، الذين سبق لهم أن نظموا اعتصامات ضدّه احتجاجا على الانتهاكات التي قام بها مسؤولون في حكومته في حقّهم، بشكل بدا منظّما”.

علي كليدار: "ما يحدث اليوم في المنطقة يخدم الأجندة الإيرانية لا محالة"

كما أنّ المالكي لم يستجب للشكاوى التي قدمت إليه، ومضى في نهجه الطائفي، واستمرت المجازر التي طالت قطاعات واسعة من السنة، والتي أسهمت بشكل أو بآخر في فتح أبواب جهنم بظهور تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف إعلاميا باسم “داعش”، الذي انشق غالبية أعضائه عن تنظيم القاعدة، وسلكوا نهجا أكثر تشددا نتيجة لحرب الإبادة التي تعرضت لها فئات من السنة على أيدي الميليشيات الشيعة، التي كانت مدعومة من جهات رسمية، في كل من إيران والعراق.


هل من مواقف مدينة؟


جون بايس، أحد مسؤولي حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في بغداد، كان قد اتهم صراحة ميليشيات تابعة لوزير الداخلية العراقي الأسبق بيان جبر صولاغ، عضو المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، بالتورط في قيادة “فرق القتل”، وهي جماعات كانت مسؤولة عن عمليات قتل جماعي شهدها العراق، عقب فترة قصيرة من سقوط نظام صدام حسين.

بايس أكد في شهر مارس سنة 2006 أنّه تمّ الحصول على معلومات حول هذه الجرائم من مصادر أخرى، أبلغت الهيئة الدولية أن بعض الميليشيات “جزء لا يتجزأ من جهاز الشرطة”، وأنّ “رجال الميليشيات كانوا يرتدون أزياء الشرطة”. كما أوضح بايس أنّ “منظمة ‘بدر’ مندمجة داخل جهاز الشرطة”، وحمّلها مسؤولية عمليات قتل كثيرة، اتسمت بالفظاعة الإنسانية.

من جهته، كشف موقع “ويكيليكس”، المختص في تسريب الوثائق، عن معلومات أفادت بأن نوري المالكي “يدير فرقا للقتل والتعذيب في العراق”، ورسمت الوثائق صورة للمالكي بعيون الأميركيّين، فبدا شخصا طائفيا منحازا إلى طائفته الشيعية على حساب مواطنيه السّنة، كما صورت الوثائق وجها خفيا له وهو يقود فرقا عسكرية تنفذ أوامره في الاغتيالات والاعتقالات.

من جهة أخرى، قال علي كليدار، محلل سياسي عراقي مقيم في القاهرة، في تصريح لـ”العرب”: “إنّ الجماعات الشيعية المسلحة مدربة بدعم كامل لوجيستي ومادي من إيران، وبعضها تدرّب على أيدي قيادات حزب الله في لبنان”. وأضاف كليدار أنّ “داعش صناعة سورية – إيرانية، ولازال هناك اتصال وتنسيق لتوظيفها”، مشيرا إلى “أنّ ما يحدث اليوم يخدم الأجندة الإيرانية لا محالة، من خلال تدمير الأهداف السنية في كلّ من العراق وسوريا، فلم نسمع عن تدمير لأهداف شيعية أو حتى إسرائيلية إلى حدّ الآن”.


كيف تجلى الدعم الإيراني؟


كشفت الوثائق العسكرية الأميركية المنشورة على موقع “وكيليكس” أيضا عن “دور إيراني سري في تمويل وتسليح الميليشيات الشيعية”، وأكّدت “أنّ إيران كانت تهرّب على نحو سري السلاح التقليدي لإمداد الأحزاب والمنظمات الشيعية الموالية لها، خاصّة جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، ومنظمة بدر التي كانت الجناح العسكري للمجلس الشيعي العراقي الأعلى بقيادة عائلة الحكيم، قبل أن تتحول تلك المنظمة إلى تنظيم سياسي وفق ما هو معلن”.

وفي ذات السياق، قال حسام عبدالعزيز، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية: “إنّ إيران تعادي في الظاهر الولايات المتحدة، لكنها في الواقع تنفّذ كل ما تطلبه منها واشنطن بشأن مصالحها في المنطقة”، مشيرا إلى عدم تجاهل جهود الولايات المتحدة لتمكين شيعة العراق قبل الخروج منه، بعد أن أضعفت نظام صدام حسين على مدار سنوات، ثم أسقطته تماما سنة 2003.


هل اعترفت إيران بدعمها للميليشيات؟


لفت حسام عبدالعزيز، في معرض حديثه لـ”العرب”، الانتباه إلى طبيعة دور إيران المشبوه في المنطقة، مشددا على التذكير بتصريحات المحلل السياسي الإيراني، المقرب من دوائر صناعة القرار في طهران، محمد صادق الحسيني، والتي أكد فيها “أنّ إيران صارت تحكم سيطرتها على الجزيرة العربية (يقصد اليمن والعراق)”، حيث اعترف الحسيني في التصريحات التي بثتها قناة “الميادين” اللبنانية أواخر شهر سبتمبر الماضي، أن “آل سعود سيكونون الهدف التالي”.

طهران ترعى مجموعة من الميليشيات الشيعية وتوفر حماية مادية ومعنوية لعدد من الجماعات المسلحة السنية

وفي ذات السياق، أشار كليدار إلى أنّ ظهور “داعش” والجماعات المسلحة التابعة لها، بغض النظر عن الأسباب الأخرى التي أسهمت في انبعاثها، “يتنزّل في بعد من أبعاده ضمن مخطط لاتهام السنة بأنهم إرهابيون، وهذا يخدم أهداف إيران، ويبرر وجود الجماعات الشيعية المسلحة في المنطقة”، والغريب أنه بعد إقالة حكومة نوري المالكي لم يتغير شيء، فعمليات التطهير العرقي مازالت مستمرة في كل من ديالى وبابل جنوب بغداد ومناطق أخرى عديدة.


ما هو الوضع في سوريا؟


أمّا في سوريا فقد امتدت يد إيران لتدعم الجماعات المسلحة، حيث كان لها الفضل في دعم كتائب “أبو الفضل العباس” التي تحالفت مع عناصر من “جيش المهدي” وعصابات “أهل الحق” للقتال إلى جانب “حزب الله” في مناطق المراقد المقدسة في سوريا مثل السيدة زينب وغيرها، بعد أن حقّق الجيش السوري الحر العديد من الانتصارات على قوات النظام السوري. وفي هذا الإطار أكّد ثائر الناشف، الإعلامي السوري، لـ”العرب” أنّ هناك فصائل وحركات شيعية متعددة تحارب في سوريا، أبرزها “حزب الله” اللبناني، و”كتائب القدس” التي تتولّى تأمين سلامة بشار الأسد، وهي ميليشيات إيرانية الصنع والمنشأ، يقودها الجنرال قاسم سليماني رئيس الحرس الثوري الإيراني شخصيّا، هذا بالإضافة إلى “لواء أبوالفضل العباس”، وهو الأشد خطورة، ويقوده أبوهاجر العراقي، ويعدّ هذا اللواء من أوائل الفصائل الشيعية التي دخلت سوريا بحجة الدفاع عن مقام السيدة زينب بريف دمشق، بتكليف شرعي من بعض رجال الدين الشيعة في النجف الأشرف.


ماهي مناطق التدخل الإيراني الأخرى؟


التدخل الإيراني السافر لم يعد خافيا على أحد، كما أنه لم يعد مقتصرا على العراق وسوريا، بل هو متغلغل في لبنان منذ زمن وبدت ملامحه جليّة في اليمن مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد إبّان التمدّد الحوثي المفزع.

وفي هذا السياق، تحدث محمود الشناوي عن “حزب الله” في لبنان، واصفا إياه بالحلقة المهمة في الهلال الشيعي، الذي يبدأ من طهران ويمتد إلى دمشق حتى بيروت الجنوبية مقر “حزب الله”، حيث نفذ هذا الحزب الخطط المرسومة لفرض النفوذ الإيراني على واجهة مشهد القرار السياسي اللبناني، استنادا إلى مزاعم شعارات المقاومة والقتال ضد إسرائيل.

أمّا في اليمن فقد أدّت حالة عدم الاستقرار التي تلت أحداث انتفاضة 2011 على نظام علي عبدالله صالح، إلى تدهور الأوضاع في هذا البلد وظهور أصوات عديدة تطالب بانفصال الجنوب، وقامت إيران من ثمة بتوظيف الأحداث المتسارعة، من خلال حرب بالوكالة، لعب فيها الحوثيون دورا مؤثرا. وقد أضحى البعد الإيراني، حسب عدد من المراقبين، ظاهرا للعيان في الأزمة اليمنية، وتجلى ذلك من خلال إطلاق سراح ضباط إيرانيين وضباط من “حزب الله” كانوا محتجزين في اليمن، بالإضافة إلى أن التدريبات وأسلوب العمل الذي يتبعه الحوثيون قريب جدا من أسلوب “حزب الله” في لبنان وباقي الميليشيات الشيعية.

7