إيران تسارع الخطى نحو المستنقع العراقي بضوء أخضر أميركي

فتح الولايات المتحدة الطريق أمام المزيد من التدخل الإيراني في العراق يكاد يكون محل إجماع الملاحظين، لكن الجدل يدور حول ما إذا كان الأمر يتعلّق بصفقة ما بين الطرفين، أو بعملية استدراج أميركية لإيران نحو مستنقع تدرك واشنطن صعوبة الخروج منه.
الاثنين 2015/05/25
الميليشيات منتشية بدخولها مستنقعا قد لا تخرج منه أبدا

بغداد - يرصد متابعون للشأن العراقي تراجعا أميركيا تدريجيا ملحوظا في التدخّل في الوضع في العراق، في مقابل تصاعد الدور الإيراني، مثيرين الشكوك في أنّ واشنطن بصدد التنازل طوعا عن الملف العراقي لطهران في إطار اتفاق غير معلن بين الطرفين.

وكان التغير الفجئي في موقف الولايات المتّحدة من مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة إيرانيا في الحرب ضد تنظيم داعش في محافظة الأنبار السنية العراقية، مثار تكهّنات بأن واشنطن بصدد التسليم بدور طهران في العراق، بعد سقوط مدينة الرمادي مركز المحافظة بيد تنظيم داعش، وهو ما اعتبر فشلا ذريعا للخطط الأميركية في محاربة التنظيم.

ويجادل عراقيون بأنّ الولايات المتحدة استنادا إلى معرفتها الواسعة ومعلوماتها الدقيقة عن الوضع الأمني في العراق ودرايتها بميزان القوى على الأرض تتوقّع أسوأ السيناريوهات وتنتظر المزيد من سيطرة تنظيم داعش على مناطق عراقية أخرى بما فيها العاصمة بغداد وتتوقّع عجز القوات العراقية المدعومة بالميليشيات عن مواجهة التنظيم، وتفتح من ثم الباب لإيران لدخول المستنقع العراقي والتورّط فيه.

وتدعم التطورات على الأرض تلك التوقّعات حيث يواصل تنظيم داعش قضم المزيد من الأراضي العراقية وآخرها سيطرته أمس على منفذ الوليد الحدودي العراقي مع سوريا، ضامنا بذلك تواصل مقاتليه الموجودين على جانبي الحدود ونقل الإمدادات بين البلدين.

ويشوب الاستراتيجية الأميركية لمحاربة داعش في العراق غموض وتردّد يلمس لدى كبار صنّاع القرار في واشنطن.

وألقى وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر أمس تبعة سقوط الرّمادي بيد التنظيم على القوات العراقية بالكامل، بينما توجّه اتهامات لطيران بلاده بغض الطرف عن داعش حين كان يهاجم المدينة برتل طويل من الآليات.

وقال كارتر في تصريح لشبكة سي أن أن الإخبارية إن “القوات العراقية لم تظهر أي رغبة في القتال. كانوا يفوقون القوة المقابلة عددا لكنهم انسحبوا من المكان”، متابعا “إذا جاء وقت احتجنا فيه إلى تغيير شكل الدعم الذي نقدمه للقوات العراقية فسنوصي بذلك”.

وكان النائب بالبرلمان العراقي موفق الربيعي تحدّث عن خطة أميركية للانسحاب من العراق، قائلا في بيان إن “واشنطن أوعزت لمستشاريها العسكريين بإعداد خطة انسحاب جزئي من كل العراق في حال سقوط قاعدة الحبانية بيد داعش”.

أشتون كارتر: إذا احتجنا إلى تغيير شكل الدعم الذي نقدمه للقوات العراقية فسنوصي بذلك

وجاء ذلك بعد أن شن التنظيم هجوما واسعا على بلدة الخالدية قرب قاعدة الحبانية الجوية على بعد 30 كلم شرق مدينة الرمادي التي كان التنظيم سيطر عليها الأسبوع الماضي. وتعكس الخطة، التي تحدث عنها المسؤول العراقي، مخاوف واشنطن على سلامة جنودها البالغ عددهم 3 آلاف والذين يدربون القوات العراقية ويقدمون لها المشورة في عدة قواعد عسكرية بالبلاد.

وقال الربيعي في بيانه إن “رئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما فقد أدواته التي كان يعول عليها وهي المستشارون العسكريون الذين أثبتوا فشلهم الذريع في حماية الرمادي من السقوط بيد الدواعش لأن أوباما قال إن الأنبار والرمادي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ولن تسقطا بيد داعش طالما نحن موجودون”.

وأضاف الربيعي، وهو قيادي في ائتلاف دولة القانون ضمن التحالف الوطني الشيعي، إن “واشنطن طلبت من مستشاريها العسكريين إعداد خطة الانسحاب الجزئي من العراق في حال سقوط القاعدة”.

ويبدو المسؤولون الأميركيون على دراية بتزايد التدخل الإيراني في العراق. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن اثنين من كبار القادة العسكريين الأميركيين قولهم إن القوات الإيرانية قاتلت بشكل واسع إلى جانب ميليشيات الحشد الشعبي واشتبكت مع عناصر داعش خلال معارك مصفى بيجي.

وذكر أحد المسؤولين أن “إيران استخدمت مدفعية وراجمات 122 ميليمترا وطائرات دون طيار لرصد ومراقبة تحركات داعش لمساعدة القوات العراقية أثناء معارك المصفى.

وحسب ملاحظين فإنّ ذلك ما يفسّر تمكّن القوات العراقية أخيرا من فك الحصار الذي كان يفرضه عناصر داعش على أكبر مصفاة للنفط في البلاد بعد أن تعسّر عليها ذلك في قتال استمر لأسابيع.

ومن جهتها نشرت مواقع إيرانية صورة جديدة للواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الإيراني وهو يقف إلى جانب قيادي في ميليشيات الحشد الشعبي يدعى أيوب الربيعي. وذكرت مصادر أن سليماني متواجد في العراق للإشراف على قوات الحرس الثوري والحشد الشعبي في معاركها ضد تنظيم داعش في محافظة الأنبار. ولم يتردّد قائد القوة البرية للجيش الإيراني في الاعتراف علنا بتدخّل قوّاته في العراق بعمق مئتي كيلومتر بذريعة مواجهة تنظيم داعش. وقال العميد بوردستان في كلمة له خلال حضوره اجتماعا لمجلس الشورى “إننا نواجه اليوم صورة جديدة من التهديدات تختلف عما سبق من حيث النوع والشكل والحجم”. وأضاف أن “الجماعات التكفيرية والإرهابية متواجدة بالقرب من حدودنا”.

وتابع “في مثل هذا الوقت من العام الماضي تم إبلاغنا من قبل الأركان العامة للقوات المسلّحة بأن الإرهابيين متواجدون في جلولاء والسعدية -بمحافظة ديالى شرق العراق على الحدود مع إيران- وأن خطوتهم التالية هي خانقين حيث كانوا ينوون الدخول إلى بلادنا، إلاّ أننا في غضون أقل من ثلاثة أيام أعددنا خمسة ألوية قتالية لمواجهتهم وتوغلت قوات مشاتنا ومروحياتنا داخل الأراضي العراقية ومازالت هناك، كما قامت مدفعيتنا بعملية الإسناد”.

ويؤكّد الخطاب السياسي الأميركي وجود فتور في التعاطي مع الملف العراقي. واستبعدت المرشّحة الديمقراطية لانتخابات الرئاسة الأميركية القادمة هيلاري كلينتون عودة القوات الأميركية إلى العراق قائلة إنها لا ترى أي دور على الإطلاق للقوات البرية لبلادها هناك. ووصفت كلينتون خلال جولتها الانتخابية في ولاية نيوهامبشير السياسة الأميركية الحالية في العراق بأنها مناسبة، وقالت إنه يتعين على الولايات المتحدة أن تواصل سياستها حتى النهاية دون توسع في التدخّل العسكري.

3