إيران تساير تحولات القاعدة وتأثيراتها في المشهد الأفغاني

طهران تحرص على توفير المناخ اللازم لتهيئة نفوذها بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان حيث تنسج شبكة روابط مع قوى جهادية استعدادا لتداعيات اتفاق واشنطن وطالبان.
الاثنين 2020/11/23
مثلث المصالح.. القاعدة وطالبان وإيران

لم يغب ملفان رئيسيان عن التطورات الأخيرة التي شهدها تنظيم القاعدة وهما إيران وأفغانستان، ومستقبل التعاطي الأميركي معهما، نظرا لعلاقة هاتين الدولتين المباشرة وغير المباشرة بالتنظيم المتطرف. ومع تساقط بعض القطع على رقعة الصراع، يتبين أن جولة من جولاته توشك على نهايتها لتبدأ جولة أخرى بوجوه جديدة في السلطة، خاصة مع تغيرات المشهد في أفغانستان، وهي الساحة الأهم لعدد كبير من اللاعبين الدوليين والإقليميين.

القاهرة- تجهز إيران أوراقها سواء التقليدية أو البديلة في مواجهة الإدارة الأميركية استخباراتيا وعملياتيا، التي تجتهد لحرمان “عدوها” من أوراق لعبه، ولا يهمها أين تكون الضربة حتى لو نُفذت في قلب طهران، بينما طالبان والقاعدة يناوران بالخشونة حينا والمرونة حينا آخر، ويلعبان على المتناقضات وعلى كل الحبال.

وبرز اسم تنظيم القاعدة على شريط الأحداث مؤخرا في ما يتعلق بالحديث عن وفاة زعيمه أيمن الظواهري، وتصفية قادته المرشحين لخلافته في إيران وأفغانستان، مع اقتراب انتقال السلطة في الولايات المتحدة للحزب الديمقراطي وما يعنيه من توجس بعض القوى الإقليمية من احتمال تغيير تعاطي واشنطن مع طهران.

وهذه الوضعية تتقاطع مع حرص واشنطن، بصرف النظر عن انتماء ساكن البيت الأبيض الجديد، على تأمين جبهة أفغانستان عبر الفصل بين طالبان والقاعدة الأم، قبل الانتقال إلى المراحل النهائية من اتفاق السلام بين واشنطن وطالبان.

وتريد بعض القوى استباق تولي جو بايدن الرئاسة للحيلولة دون إحداث تغيير في استراتيجية التعاطي الأميركي مع إيران بخلاف ما كان معمولا به خلال مرحلة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، ما دفع إلى تثبيت صورة طهران كحليف رئيسي للقاعدة عدو واشنطن الأول والتأكيد لبايدن والديمقراطيين بشكل عملي أنها ملاذ لكبار قادته.

ويفسر هذا الاتجاه مغزى اشتراك الاستخبارات الإسرائيلية في عملية تصفية الذراع اليمنى للظواهري في طهران، عبدالله أحمد عبدالله المعروف بأبي محمد المصري، فقد تلاقى هذا الهدف مع حرص الاستخبارات الأميركية على التعجيل بالتخلص من كبار قادة تنظيم القاعدة المركزي تمهيدًا لمرحلة جديدة بأفغانستان عنوانها قطع الخيوط المتبقية الرابطة بين القاعدة وطالبان.

استعادة الحضور والنفوذ

إيران تراهن على العلاقات التي تربطها بالقاعدة وطالبان
إيران تراهن على العلاقات التي تربطها بالقاعدة وطالبان

التصميم من قبل الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة على الخروج من أفغانستان وما يعنيه من إحداث فراغ على مختلف المستويات تعجز الحكومة الأفغانية الضعيفة عن ملئه، تجده قوى إقليمية في مقدمتها إيران، فرصة سانحة لاستعادة الحضور والنفوذ مع تجهز العديد من التنظيمات المتشددة لإعادة الانتشار في الساحة الأفغانية عقب الخروج الأميركي.

وتراهن طهران على العلاقات التي تربطها بتلك التنظيمات، وفي مقدمتها القاعدة وطالبان، علاوة على الحدود المفتوحة بين أفغانستان وباكستان، ما يسمح لحرية الإعداد لمرحلة تتجاوز فيها تقمص دور الملاذ المحتضن والمُنكر في الوقت نفسه لدعم وإيواء الإرهابيين إلى مساحة الحليف المعلن لتكتل إقليمي أيديولوجي معترف به دوليا بفضاء جيوسياسي فائق الأهمية وبغطاء طالباني.

وتصفية واشنطن لقادة القاعدة، الذين يشكلون حلقة مهمة في علاقة طالبان بإيران، بالنظر للمصالح المتشابكة بين الأطراف الثلاثة، هدفها تقليص فرص طهران في لعب أدوار تخطط لها في مشهد أفغانستان وجوارها المستقبلي، معتمدة على حظوظ الإسلاميين المرتفعة في أن يشكلوا قوة رئيسية بالبلاد بعد إتمام السلام والتسوية السياسية بين الحكومة الأفغانية وطالبان.

بعض القوى تستبق تولي بايدن الرئاسة للحيلولة دون تغيير استراتيجية التعاطي الأميركي مع إيران كونها داعمة للقاعدة

ويظل الضغط الذي تمارسه واشنطن على طهران عبر استهداف أدواتها الموظفة لإبقاء القاعدة على خطوط الجهاد العالمي وتهديد المصالح الأميركية والتأثير في الساحة الأفغانية، محل تساؤلات كثيرة بشأن نجاعته.

ولا تعول طهران في المقام الأول على التنظيم الذي بات ضعيفا، إنما على مستقبل طالبان في حكم أفغانستان، وهيمنتها المحتملة على مقاليد السلطة بالبلاد، ما يمنح مختلف الجماعات المتطرفة قوة متزايدة في المنطقة، ويفتح المجال لتجديد دماء القاعدة المفككة وغيرها من التنظيمات خلال أقل من عقد، بالنظر إلى فشل السياسات الغربية والأميركية في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف والإرهاب.

وإيران أول من يدرك ضعف وقرب انهيار تنظيم القاعدة المركزي وانكشاف قادته، وليس من المستبعد، كما يرى البعض، ضلوعها في صفقة سرية تخلت بموجبها عن حماية بعض أوراق القاعدة المحروقة على أراضيها في سياق تجهيزها هي الأخرى لفترة رئاسة جو بايدن، ما تؤشر له ملابسات تصفية الرجل الثاني بالقاعدة في أشهر شوارع طهران.

مفتاح مرحلة جديدة

إيران تعول على مستقبل طالبان في حكم أفغانستان
إيران تعول على مستقبل طالبان في حكم أفغانستان

تراهن إيران على طالبان كمفتاح مرحلة جديدة تحتوي خلالها الحركة الأفغانية شتات الجماعات المدعومة منها بعد الانسحاب الأميركي، مبقية – انطلاقا من أفغانستان الجديدة – على أدوارها السابقة في تشكيل وهندسة مهام الفصائل الجهادية السنية وتوجيهها حول العالم.

وحتى لا تفقد ورقة طالبان بعد إبرامها الاتفاق مع واشنطن، أسست إيران تحالفا موازيا يجمع بين قيادات متشددة وغير معروفة بالقاعدة وفصيل منشق عن حركة طالبان، يُطلق عليه اسم “حزب الولاية الإسلامي”، وقوامه متشددون منشقون عن طالبان يقيمون خارج أفغانستان برعاية ودعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وبقيادة حجي نجيب الله.

ويعكس دعم فصيل طالباني منشق وثيق الصلة بالحرس الثوري وبالقاعدة، استعداد طهران لمختلف السيناريوهات داخل المشهد الأفغاني حتى تلك البعيدة، إذا ما اضطرت للدفع باتجاه إفشال اتفاق السلام وتعزيز نفوذ قوى مناهضة له وفي حال حدوث تغير في سلوك طالبان عبر تعاطي مختلف مع إيران والقاعدة بناء على الالتزام الحرفي ببنود اتفاق السلام مع واشنطن.

ورغم ذلك لا يبدو هذا السيناريو مرجحا بالنظر إلى أن العوامل داخل البيئة الأفغانية ومحيطها الآسيوي تجعل مجرد تصفية واشنطن لبعض قادة الفريق صاحب العلاقات القوية بطالبان داخل القاعدة غير مؤثر في تغيير موازين المشهد المستقبلي في أفغانستان وغير كاف لقطع روابط الوصال القوية بين الحركة والتنظيم، ما يعني الكثير لطهران بشأن خططها.

وعند النظر بإمعان إلى مناقشات أعضاء ومنظري القاعدة على حساباتهم الخاصة على تليغرام، في ما يتعلق بالتطورات الأخيرة، نستنتج أن التطور الأهم في نظرهم ويحظى بأولوية، هو مستقبل التنظيم في أفغانستان بعد توقيع طالبان لاتفاق مع واشنطن. ورغم انقسام الآراء ظل الموقف الغالب هو اعتبار ما جرى “نصرا مؤزرا على أميركا الشيطان الأكبر وينبغي استثماره سياسيا لنيل التمكين في الأرض”.

ويعتبر تنظيم القاعدة الذي يقيم أهم قادته في أفغانستان، نفسه شريكا في النصر وفي الإنجاز الضخم الذي أحرزته طالبان، ما يعني التصميم على المشاركة في ثماره. ولعل العلامة على هذا التوجه إصرار الظواهري على مباركة الاتفاق، وإذا تأكد مصرعه، فقد مات وفي عنقه بيعة لأمير طالبان هبة الله أخوندزاده.

إيران أول من يدرك ضعف وقرب انهيار تنظيم القاعدة المركزي وانكشاف قادته، وليس من المستبعد ضلوعها في صفقة سرية تخلت بموجبها عن حماية بعض أوراق القاعدة المحروقة

ويؤثر فشل تنظيم القاعدة في إدارة فروعه والتواصل مع قادة الفروع وانكشاف القادة المعروفين واستهدافهم بالقتل وموت قائد التنظيم المركزي، بالسلب في إدارة التنظيم بشكله التقليدي وفي إمكانية تنفيذ الأهداف خارجيا وتكريس نموذج الجهاد العالمي، لكنها ليست أولويات المرحلة الحالية في نظر قادة القاعدة والقوى الداعمة للتنظيم وفي مقدمتها إيران.

وما يهم الآن بالنسبة إليهم جميعا مساعدة طالبان في العبور من المرحلة الانتقالية الحالية وصولا إلى مرحلة التمكين الكامل التي يعتبرون أنفسهم شركاء فيها، بالنظر إلى أن أفغانستان التي تعتبر في أدبيات القاعدة ساحة تاريخية واستراتيجية بالغة الأهمية، صارت على بعد خطوات قليلة من إتمام الهيمنة عليها.

أما طالبان فقد رضيت بشرط عدم السماح للقاعدة أو أي كيان آخر باستخدام أفغانستان كساحة لاستهداف المصالح الأميركية والغربية، وهذا في مصلحة الحركة، التي تضررت من ممارسات وأنشطة القاعدة على الأراضي الأفغانية، حيث سقط حكم إمارة طالبان الأولى كرد فعل لاعتداءات سبتمبر 2001.

وظلت إشكالية الجهاد المعولم محل خلاف ومثار جدل بين قادة الحركة الباحثة عن استعادة سلطة وطنية محلية وقادة التنظيم الذي تهاوت سمعته، بسبب منافسة داعش له في مضمار الجهاد العالمي، وفي الوقت نفسه لم تتحدث طالبان عن قطع صلاتها بالقاعدة، لأنه من المرجح أن تزداد العلاقة بينهما متانة وقوة بعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان وليس العكس.

إعادة ترتيب الأوراق

تأثر تنظيم القاعدة بمقتل قادته جعله يناضل من أجل المحافظة على موطئ قدم في مستقبل أفغانستان تحت مظلة طالبان
تأثر تنظيم القاعدة بمقتل قادته جعله يناضل من أجل المحافظة على موطئ قدم في مستقبل أفغانستان تحت مظلة طالبان

علاقة طالبان بالقاعدة أعمق من أن تنفصم بسهولة، وإذا كان وقف العمليات الإرهابية الموجهة ضد الأميركيين في أفغانستان والمنطقة هو ما تريده واشنطن لسحب جنودها بنهاية هذا العام، فهذا ما أقنعت طالبان قادة القاعدة به، حيث يرتب الكيانان أوراقهما لمجابهة تحديات المرحلة في مواجهة خصوم مشتركين وفي مقدمتهم داعش وفي نطاق جغرافي واسع يشمل خراسان (أفغانستان وباكستان) فضلًا عن شبه القارة الهندية.

ويدرك قادة طالبان جيدا أن حركتهم لن تقدر على الاضطلاع بمهام ما بعد انسحاب القوات الأميركية وتولي السلطة ومواجهة التحديات في هذا الفضاء الرحب بدون خدمات تنظيم القاعدة الذي يعتبرونه العقل المفكر والمخطط الحركي، فيما تولت الحركة العمليات الميدانية والعسكرية.

ولم يفقد تنظيم القاعدة تماسكه في أفغانستان في أعقاب تحول التنظيم إلى اللامركزية، رغم مقتل العديد من قادته وأسهم بقوة في تمدد نفوذ طالبان في جنوب آسيا عبر نشاطات فرعه بشبه القارة الهندية.

وبعد أن فقد تنظيم القاعدة سيطرته على طالبان باكستان بعد عمليات استهدفت المدنيين ما ألحق بسمعة الحركة الأفغانية والقاعدة أضرارا كبيرة، عاد وكبح جماح استهداف المدنيين وأدار نشاطا أكثر اعتدالا، ضابطا إيقاع عملياته مع استراتيجية طالبان الأم، معززا حالة التعافي السياسي داخل الحركتين على مدى عامين لتأمين انسحاب الأميركيين من أفغانستان.

وفضلا عن نجاح القاعدة في دمج جماعات منشقة وبعض الفصائل البنجابية المتحالفة معه في طالبان باكستان وطد التنظيم علاقاته مع حركة تركستان الشرقية الإسلامية وأقام تحالفات مع جماعات آسيا الوسطى التي تنشط دعويا واجتماعيا في الشمال الأفغاني، علاوة على جهوده لفرض هيمنته على الجماعات المنشقة عن الجهاديين المدعومين من باكستان بجماعة عسكر طيبة وجماعة جيش محمد.

وصبت جهود القاعدة الذي أدخل تطويرا سياسيا وعسكريا على قدراته في تلك المساحات الواسعة في صالح طالبان التي استفادت من جهود القاعدة، حيث ضمنت ولاء العديد من الكيانات الجهادية المهمة داخل أفغانستان وفي جوارها الحيوي في سبيل ضمان المقدرة على إدارة الشأن الأفغاني خلال حقبة ما بعد اتفاق السلام.

حتى لا تفقد إيران ورقة طالبان، ترعى وتدعم تحالفا موازيا يضم قيادات غير معروفة من القاعدة وفصيلا منشقّا عن طالبان

وولاء قيادات القاعدة وعلى رأسهم الظواهري وبيعتهم لزعيم طالبان أفغانستان الملا هبة الله أخوندزاده، هو ما جمع الفضاء الجهادي في جنوب آسيا وشبه القارة الهندية على رؤية طالبان في ما يتعلق باتفاقها مع واشنطن، لذلك تجمع تلك الكيانات الواقعة تحت تأثير التنظيم على ضرورة استثمار الهزيمة المذلة للولايات المتحدة وحلفائها، والالتفاف حول طالبان ومساعدتها في مساعيها لإقامة خلافة إسلامية تحت حكم الشريعة.

الأولوية التي تجمع إيران وطالبان وتنظيم القاعدة المركزي خلال المرحلة الحالية ليست استفزاز الولايات المتحدة، والتلويح بالتحكم في قيادات الجهاد العالمي العابر للحدود، بل مهادنتها والقبول بشروطها الخاصة بعدم استهداف مصالحها لضمان الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وتاليا العمل بدأب خلال أقل من عشر سنوات على الهيمنة الكاملة على مقاليد السلطة في أفغانستان.

إن تأثر تنظيم القاعدة بمقتل قادته فإنه يناضل من أجل المحافظة على موطئ قدم في مستقبل أفغانستان تحت مظلة طالبان حتى لو قدم بعض التنازلات المرحلية تحت بند الضرورات تبيح المحظورات.

وتجميع شتات الإسلاميين والجماعات الجهادية في قوة واحدة بجهود القاعدة وطالبان يعني الكثير بالنسبة إلى إيران، التي لا يقتصر نشاطها في هذا السياق على مجرد توفير الملاذ لبعض قادة القاعدة الهاربين، بل تحرص على توفير المناخ اللازم لتهيئة حضورها ونفوذها المخطط له بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان بتحالفات أكثر عمقًا ومتانة مما هو ظاهر على السطح مع الجماعات الجهادية السنية.

7