إيران تستبعد العبادي من تحالف سنة/شيعة

تسابق شيعي مدعوم من طهران على استقطاب السنة والأكراد لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان.
السبت 2018/08/18
أخرجوني من كركوك وأعود لهم من بغداد

بغداد - يهيمن الموقف من إيران على المشاورات التي تجريها الكتل العراقية لتشكيل تحالف يحوز على الأغلبية البرلمانية، وخاصة في ضوء الغضب الإيراني على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بعد تصريحاته التي أعلن فيها التزامه بالعقوبات الأميركية ضد إيران قبل أن يتراجع عنها.

وتقول مصادر مقربة من هذه المشاورات إن استثناء العبادي من التحالف على رأس أولويات إيران والكتل الحليفة لها.

وتتكشف في الساحة الشيعية ملامح اتجاهين سياسيين متقابلين، يسعى كل منهما إلى استقطاب السنة والأكراد، لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان الجديد، التي تملك حق ترشيح رئيس الوزراء القادم.

ويبدو أن الموقف من إيران ونفوذها في العراق، هو الذي يحدد الفرق التي تنضم إلى كل اتجاه، إذ يضم الأول معظم أنصار طهران بزعامة نوري المالكي، ويضم الثاني جميع خصومها، بزعامة مقتدى الصدر.

وكاد الفريق الأول يربح المواجهة بسهولة عندما تسربت أنباء مساء الثلاثاء تشير إلى “اتفاق 200 نائب في البرلمان الجديد على تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر”.

وتبين أن زعيم ائتلاف الفتح المقرب من إيران هادي العامري استضاف في منزله اجتماعا حضرته أطراف شيعية وسنية وكردية، وأداره المالكي شخصيا، أسفر عن تفاهم أولي بشأن تشكيل الكتلة الأكبر.

وأبلغ مفاوضون حضروا اللقاء “العرب” بأن “ممثلين عن قوى تملك ما يزيد على 200 مقعد، توافقوا على العمل معا في منزل العامري”، فيما أكدوا تأجيل “البت في التفاصيل الأخرى، في ما يتعلق بمرشحي الرئاسات الثلاث، والكابينة الحكومية الجديدة، حتى معرفة موعد انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، التي يفرض القانون خلالها الكشف عن الكتلة الأكبر ومكوناتها”.

وتزايد الاهتمام بمخرجات لقاء منزل العامري، عندما تأكد حضوره من قبل مستشار الأمن الوطني، ورئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، الذي يتزعم حركة عطاء داخل ائتلاف النصر بقيادة العبادي، فضلا عن ممثل لزعيم حزب المؤتمر الوطني، آراس كريم، وهو من الفائزين على لائحة العبادي أيضا.

في غضون ذلك بحث مبعوث الرئيس الأميركي إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب بالعراق، بريت ماكغورك، الخميس، مع قياديين بارزين في تحالف “المشروع العربي” (سُني)، الذي أعلن عنه الثلاثاء الماضي، بشأن تشكيل الحكومة المقبلة.

وقال مكتب نائب رئيس الجمهورية القيادي في التحالف، أسامة النجيفي، في بيان إن “الأخير التقى بريت ماكغورك، وسفير الولايات المتحدة بالعراق دوغلاس سيليمان، ونوقش خلال الاجتماع ملف تشكيل الحكومة العراقية”.

وحسب البيان، فإن ماكغورك أكد “تأييد حكومة بلاده لمحاربة الفساد والمفسدين وإبعادهم عن تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، واختيار أشخاص مشهود لهم بالنزاهة والجدية والخبرة في تحمل المسؤولية لضمان نجاح الحكومة”.

وحتى مساء الخميس، كان واضحا أن لائحة العبادي تتفكك، وأن القائمة التي يرعاها الصدر ستذهب إلى المعارضة، بعد نجاح حلفاء إيران في الحصول على دعم السنة والأكراد لتشكيل الكتلة الأكبر، التي لو بلغ عدد أعضائها 261 من أصل 329 نائبا يكونون البرلمان العراقي، لأمكنها احتلال منصبي رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية، فضلا عن رئاسة الحكومة.

بريت ماكغورك: واشنطن تدعم إبعاد الفاسدين عن تشكيل الحكومة العراقية
بريت ماكغورك: واشنطن تدعم إبعاد الفاسدين عن تشكيل الحكومة العراقية

ويقوم تكتيك حلفاء إيران خلال المفاوضات، على قبول جميع الطلبات السنية والكردية بشكل أولي، ثم المماطلة في تنفيذها لاحقا.

وقالت مصادر سياسية لـ”العرب” إن “خلافا كبيرا تفجر داخل قائمة النصر بين العبادي من جهة، والفياض وكريم من جهة ثانية، ربما تسبب في انشقاق حاسم”.

وأضافت أن “الفياض وكريم يضغطان على العبادي بشدة لتغيير موقف الحكومة العراقية من العقوبات الأميركية على إيران، فيما يرفض الأخير ذلك”.

وتقول المصادر إن “موقف العبادي المضاد لإيران، يهدد مستقبله، بصفته سياسيا شيعيا، ويخرج الحلفاء من دائرته إلى دوائر أخرى مضمونة”.

ومع تواتر أنباء الانشقاق الكبير في قائمة العبادي، الخميس، كانت الأوساط السياسية تترقب الإعلان عن الكتلة الأكبر، المدعومة إيرانيا، لكن تغييرا جديدا طرأ على الموقف، أربك هذه الحسابات.

وتقول المصادر إن “الكتلة السنية في البرلمان الجديد، المكونة من 53 نائبا، أشعرت المحور الإيراني بأنها بحاجة إلى بعض الوقت للنظر في طلب دخولها في الكتلة الأكبر”.

وفي وقت متأخر من ليل الخميس، سرت أنباء عن اجتماع عقد بين ممثلين عن قائمة “سائرون” التي يرعاها الصدر، و”النصر” التي يقودها العبادي، و”الحكمة”، بزعامة عمار الحكيم، إذ يمثل هؤلاء بشكل عام فضاء السياسة الشيعي الذي لا يتناغم مع إيران.

وتقول مصادر “العرب” إن “هذا الاجتماع ناقش تطورات المفاوضات، بعدما انضم إليه ممثل عن القائمة الوطنية، بزعامة إياد علاوي”، مضيفة أن “الكتلة السنية استقبلت رسائل من هذا الاجتماع بشكل إيجابي، وعبرت عن استعدادها لبدء مفاوضات تتعلق بتشكيل الكتلة الأكبر”.

وقال بيان صادر عن ائتلاف الوطنية إن قادته أكدوا خلال اجتماع انعقد الخميس في بغداد، “رفض الانخراط في أي تفاهمات أو تحالفات تقوم على أسس طائفية أو مذهبية”.

وتضيف المصادر أن “التحالف الشيعي الثلاثي تواصل مع قيادات كردية بارزة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني، وطرح عليها فكرة المشاركة في الكتلة الأكبر”، مؤكدة أن “أجواء التواصل مع الأكراد كانت طيبة”.

ويتوقع متابعون للشأن العراقي أن يتسابق الاتجاهان الشيعيان على استقطاب السنة والأكراد، عبر تقديم عروض مغرية تتمثل بمناصب وصلاحيات واسعة في المرحلة القادمة.

وتقول مصادر سياسية إن الاتجاه الشيعي الأول يتسلح بالدعم الإيراني، وهو أمر سيلعب دورا مهما في تحديد نوعية القوى التي يمكن أن تلتحق به، فيما يتمتع الاتجاه الشيعي الثاني بدعم المرجعية الدينية العليا في النجف، ما يعني أن قاعدة التأييد السياسي لهذا الاتجاه ربما تكون واسعة، نظرا للمقبولية التي تحظى بها مرجعية النجف في الأوساط السياسية السنية والكردية، فضلا عن الشيعية.

ويقول مراقبون إنه ليس من الصعب تخيل وجود رغبة إيرانية أميركية مشتركة في تحويل العراق إلى منطقة تنفيس للأزمة الناشبة بينهما، وإن لدى الطرفين مصالح مشتركة في المنطقة لا يمكن القفز عليها من خلال تغليب الخلاف على الاتفاق النووي.

ويرى مراقب عراقي أن ما يلائم الطرفين أن يلعب العراق دورا إيجابيا في التخفيف عن إيران في مواجهة العقوبات الأميركية مقابل أن تغض واشنطن النظر عن تشكيل حكومة عراقية موالية لطهران.

ويضيف المراقب “سيقال إن إيران في الحالين هي الطرف المستفيد. وذلك ليس صحيحا. ففي الأوقات التي لا تريد فيها الولايات المتحدة أن تختنق إيران يكون العراق هو منفذها الواقع تحت الرقابة الأميركية. حينها ستكون الأمور مسيطرا عليها”.

غير أن هناك مشكلة عراقية خالصة ستنجم عن عودة نجم نوري المالكي إلى الواجهة في وقت تتعالى فيه الاحتجاجات المطالبة بمحاسبته بسبب ما تخلل مرحلة حكمه من شبهات فساد لا تزال تتحكم بحركة الدولة العراقية وتعيقها عن القيام بوظيفتها الخدمية، إضافة إلى الامتيازات الكبيرة التي حصل عليها أعضاء حزب الدعوة وأنصاره.

ويعتقد المراقب أن عودة المالكي إلى الساحة السياسية من خلال تصدره للكتلة البرلمانية الأكبر تعد استهانة لافتة بالاحتجاجات الشبابية التي شهدتها ولا تزال تشهدها مدن الجنوب العراقي وهي مناطق ذات غالبية شيعية.

واعتبر محلل سياسي عراقي أن كل هذه التحركات المتصاعدة تؤكد المخاض الشاق لخروج الحكومة العراقية من قبضة إيران خاصة في ظل الأزمات العميقة التي تعاني منها طهران بسبب العقوبات الأميركية.

واستبعد أن تتشكل في نهاية المطاف حكومة تضم المالكي وقائمة الفتح التي تضم 3 فصائل مدرجة على القائمة الأميركية للجماعات الإرهابية.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن الصعوبة تكمن في أن الأطراف المرتبطة بإيران لن تستسلم بسهولة. لكن في المقابل يمكن لدخولها في الحكومة أن ينقل الاحتجاجات إلى ثورة شعبية واسعة بعد تصاعد المشاعر المناوئة لنفوذ طهران في مناطق وسط وجنوب العراق.

1