إيران تستثمر إعدام النمر لقطع طريق مصالحة العراق مع محيطه العربي

الضجيج الحاد الذي تثيره الدوائر السياسية والإعلامية الشيعية في العراق حول إعدام نمر النمر يغطّي العجز الإيراني عن الردّ بشكل عملي على السياسة الجسورة التي تتّبعها السعودية في عدّة ملفات، وهي سياسة ما تفتأ تحرج طهران وتعرّي تراجع قدرتها على الفعل في المنطقة.
الاثنين 2016/01/04
متظاهرون تحت الطلب

بغداد - خضع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للضغوط الهائلة المسلّطة عليه من قبل عائلته السياسية الشيعية ومن قادة الميليشيات المسلّحة، وانضم للمعترضين على تنفيذ السعودية حكمَ الإعدام في نمر النمر بعد إدانته بعدة تهم من بينها السعي إلى إشعال الفتنة الطائفية، وذلك في بيان لمكتبه عبّر من خلاله عن “الأسف والصدمة”، مصنّفا حكم القضاء السعودي على النمر ضمن خانة “سياسة تكميم الأفواه وتصفية المناوئين”.

ويحسب ما يصدر عن رئيس الوزراء العراقي من مواقف على الدولة العراقية ككل، ما يعني أن تعليق مكتب العبادي على قرار قضائي سعودي بشأن مواطن يحمل جنسية المملكة، توريط للعراق في تدخل بشأن داخلي لدولة جارة ذات سيادة.

وما يزيد الموقف تعقيدا أن احتجاج رئيس السلطة التنفيذية في العراق على إعدام النمر، مبني على اعتبارات طائفية، فيما المفروض -نظريا- أن يكون من يتولّى منصب رئاسة الوزراء قائدا للعراق بكل أعراقه وطوائفه.

وتغلب على العراق المحكوم من قبل الأحزاب الشيعية الموالية لإيران الاعتبارات الطائفية في مقابل تراجع الاعتبارات الوطنية، وهو ما يفسّر الصدى الكبير الذي أخذته قضية إعدام رجل دين شيعي سعودي، فيما العراقيون أنفسهم يقتلون بالعشرات يوميا بفعل الأوضاع الأمنية القائمة في البلاد.

ويتماهى العبادي بهذا الموقف مع صقور الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق في تبني الموقف الإيراني من القضايا الإقليمية، مخالفا توجهاته المعلنة نحو النأي بالعراق عن سياسة المحاور والعمل على مصالحة البلد مع محيطه العربي، وهو التوجه الذي عملت الرياض على تشجيعه من خلال فتح قنوات التواصل مع بغداد عبر تعيين ثامر السبهان سفيرا جديدا للمملكة في العراق وإرساله منذ أيام لمباشرة مهامه هناك.

ويرى مراقبون أن الضجيج الحاد الذي تثيره الدوائر السياسية والإعلامية الشيعية في العراق حول إعدام النمر يغطّي العجز الإيراني عن الردّ بشكل عملي على السياسة الجسورة التي تتّبعها السعودية في عدّة ملفات، وهي سياسة ما تفتأ تحرج طهران وتعرّي تراجع قدرتها على الفعل في المنطقة.

وتجد طهران مخرجا مناسبا من حرجها بالردّ على الحزم السعودي عن طريق وكلائها العرب ومن بينهم أيضا جماعة الحوثي في اليمن، والتي وصفت في بيان إعدام النمر بـ“الجريمة البشعة”.

حيدر الملا: الاهتمام بالنازحين أولى من التدخل في شؤون دول الجوار إرضاء لإيران

وفي ردودها على إعدام النمر هاجمت الأحزاب الشيعية العراقية بشكل مباشر إعادة فتح السفارة السعودية في العراق، مطالبة بطرد السفير ثامر السبهان المعيّن حديثا.

وتلك الأحزاب كانت معترضة في الأصل على إعادة فتح السفارة باعتبارها مظهرا لعودة السعودية للعب دور على الساحة العراقية، يكون منافسا للدور الإيراني.

وطالب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر حكومة العبادي بالإحجام عن فتح السفارة السعودية في العراق ردا على إعدام نمر النمر، داعيا شيعة السعودية للخروج في تظاهرات، وقائلا في بيان إنّ “القوى تكالبت لتطفئ نورا آخر من أنوار المذهب وعلما من أعلامه وقائدا من قادته”.

ومن جهته دعا حزب الدعوة الإسلامية الذي يقوده رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الحكومة إلى إغلاق السفارة السعودية في بغداد التي افتتحت مؤخرا وإعدام الإرهابيين السعوديين الموجودين في السجون العراقية. وردّد القيادي في الحزب خلف عبدالصمد تهديدات القيادة الإيرانية للسعودية قائلا إنّ إعدام النمر “سيخلف عواقب وخيمة”، و“سيجلب النقمة” على المملكة. كما ردّدت كتلة بدر الشيعية في البرلمان العراقي، على لسان رئيسها قاسم الأعرجي، التهديدات ذاتها، قائلة إن إقدام السعودية على إعدام نمر النمر “جريمة كبرى لن تمر دون عقاب”.

وطالب الأعرجي حكومة حيدر العبادي بـ”قطع العلاقات الدبلوماسية مع السعودية فورا وعدم استيراد أي بضاعة من صنع سعودي”.

ويبدو هذا الطلب الأخير بمثابة حث على “معاقبة” السعودية اقتصاديا، وهو ما لا يبدو أمرا قابلا للتطبيق نظرا لكون العراق في حالة ضعف اقتصادي شديد لا يقارن بالقوة الاقتصادية التي ما تزال السعودية تتمتع بها رغم تراجع أسعار النفط.

واعتبر حيدر المولى النائب عن ائتلاف دولة القانون الذي يتألف من أحزاب شيعية، أمس، أن “طرد السفير السعودي من بغداد ووقف أي تعامل مع الرياض “سيكون رد اعتبار مناسبا على إعدام النمر”.

ويبدي ساسة عراقيون معتدلون مخاوفهم من أن تساهم الحملة الشرسة لقادة الأحزاب والميليشيات الشيعية على السعودية في تعميق الشرخ بين العراق ومحيطه العربي، وضرب المحاولات الخجولة لمصالحته مع ذلك المحيط ومساعي الحدّ من العلاقة الأقرب إلى التبعية التي تربط بغداد بطهران منذ مجيء الأحزاب الدينية إلى الحكم سنة 2003.

ورأى عضو المكتب السياسي لتحالف القوى العراقية حيدر المُلا، أن الاهتمام بالنازحين وتوفير الخدمات للمواطنين أولى من التدخل في شؤون دول الجوار إرضاء لإيران.

وقال الملا في بيان “تابعنا باستغراب الهجوم الممنهج من قبل بعض شخصيات التحالف الوطني على قرار القضاء السعودي بإعدام مدانين بالإرهاب.. كون الاهتمام بقضية أربعة ملايين نازح عراقي والارتقاء بالواقع الخدمي لأبناء الجنوب وكشف “السرّاق” والمفسدين وغيرها من القضايا التي تهم المواطن العراقي، يجب أن تكون هي أساس بوصلة حراك الطبقة السياسية وليس إقحام العراق في سياسة المحاور بالمنطقة”.

3