إيران تستثمر الفهم المغلوط للوهابية في تصعيدها ضد السعودية

في خضم التصعيد الإيراني ضد السعودية، كتب وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، مؤخرا، مقالة في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، شن من خلالها هجوما على المملكة عن طريق الربط بين الوهابية وانتشار الجماعات المتشددة في العالم، دون مراعاة الفرق بين السعودية الدولة والوهابية باعتبارها حركة لها خصوصياتها وحدودها التاريخية.
الجمعة 2016/09/16
بيته من زجاج ويرمي الناس بالمواعظ

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالة لمحمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران، بعنوان “فلنخلص العالم من الوهابية”. حين قرأت المقالة تساءلت، هل يدرك ظريف معنى ما يقول أم لا يدرك؟ والحقيقة أن الإجابة غير مهمة لأنه أيا تكن ستفضي إلى نتيجة واحدة: ظريف يقصد السعودية لا الوهابية.

ربما ظريف جهل أن هناك فرقا بين السلفية وبين الوهابية، فالسلفية نظرية دينية لها تشعباتها، أما الوهابية فهي حركة سياسية لا شأن لها بالإسلام مطلقا، وإن كان خطابها دينيا، هي مجرّد ظرف تاريخي أمّن سببا مباشرا لقيام الدولة السعودية.

كانت السلفية موجودة قبل الوهابية واستمرت بعدها، أما الوهابية، ولأنها حركة سياسية، فقد انتهت بقيام الدولة السعودية الحديثة، أي الدولة السعودية الثالثة التي أسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فالوهابية مثّلت ثورة بالنسبة إلى شبه الجزيرة العربية، وتنتهي الثورة فور لحظة قيام الدولة.

كانت الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية من المحطات التي بلورت نظرة السعوديين إلى أنفسهم وإلى العالم. وبرزت النتائج يوم أعلن الملك عبدالعزيز عن عزمه على استعادة ملك آبائه وأجداده. وخاض معارك توحيد البلاد فدانت له من أقصاها إلى أقصاها حربا وصلحا.

لم يقل عبدالعزيز إنه يريد تطبيق الوهابية بل يريد استعادة الدولة. وهذه التجربة جعلته بطلا عربيا من المحيط إلى الخليج. فلم يعرف العرب إلا رجلين أنجزا وحدة سياسية في القرن العشرين، عبدالعزيز آل سعود؛ وحّد المملكة العربية السعودية، وزايد آل نهيان؛ أسس دولة الاتحاد الإماراتية.

الحديث عن ارتباط العنف بالوهابية في محله شكلا لكنه متهافت مضمونا، فحين ننظر إلى الوهابية كثورة سياسية يأتي العنف في سياق طبيعي؛ هكذا تنشأ الدول والإمبراطوريات -وربما الأديان والطوائف أيضا- كما قال ماركس، هذا عنف الوهابية وذاك عنف الثورة الفرنسية. وقامت الولايات المتحدة على إبادة الهنود الحمر وبضع حروب أهلية.

ويستطيع جواد ظريف نفسه أن يحدّثنا عن عنف مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، روح الله الخميني، ضدّ أنصار الشاه وضدّ رفاق ثورة 1979 من العلمانيين ومن اليساريين، ونلجأ إلى منظمة العفو الدولية التي أعطتنا رقما تقديريا يصل إلى 11 ألف حالة إعدام حتى سبتمبر 1983.

المتطرفون يريدون الوهابية حركة دينية لا سياسية، ومعنى ذلك أنهم يريدون أن يحولوا لحظة تأسيس الدولة وما رافقها من ظروف استثنائية على صعيد الخطاب السياسي الحديث والعنف العارض إلى فرض ديني دائم

حركة دينية أم سياسية

المتطرفون ينظرون إلى الوهابية كحركة دينية، ولا يتفق معهم في ذلك إلا ملالي الثورة الإيرانية وساستها كمحمد جواد ظريف. يقول ظريف في مقالته إن الوهابيين يقتلون السنة والمسيحيين واليهود والشيعة، وكلامه غير صحيح، فمن يفعل ذلك هم المتطرفون من كل الطوائف، أما الوهابيون (آل سعود تحديدا) فهم مرجعية السنة السياسية في العالم، وقد فاجأتني حقيقة رقة ظريف المستجدة تجاه اليهود، لذلك نتمنى منه مقالة جديدة وحاسمة يتبرأ فيها من قيام إيران في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بتنظيم مؤتمر رسمي ينكر الهولوكوست.

ادعاءات ظريف على السعودية باستهداف الآخر يمكن تفنيدها بمقارنة بسيطة بين سوريا وبين اليمن. في سوريا قامت إيران وحلفاؤها بتهجير أهالي الزبداني وحصار قرية مضايا بسبب الميول السياسية والتصنيف الطائفي للسكان. وفي اليمن تقوم السعودية بإيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق خصومها الحوثيين (حلفاء إيران) مثل غيرهم.

الحوثيون هم جيران السعودية منذ عقود. ولم تحاول السعودية مطلقا تغيير هويتهم الدينية، في حين أن إيران تعمل بجدّ في سوريا على تشييع الطائفة العلوية رغم الحلف بين الطرفين. ومعنى ذلك أن إيران تريد أن تلغي طائفة كاملة بالتبشير الديني وربط مساعداتها الإنسانية بالاستجابة لتبشيرها، والآن تطلق إيران مشروعا مشابها في منطقة السويداء الدرزية.

عموما، تتسلل إيران إلى الدول التي تستهدفها بـ”مراكز ثقافية” هي في حقيقتها مراكز تبشير ديني، ثم يتطور عملها بتحويل نتاج هذه المراكز إلى ميليشيات، وهنا تبدأ المأساة. ومن حسن الحظ أن السعودية تقيم علاقاتها مع الدول لا مع الجماعات والميليشيات وإلا كانت إيران وجوارها المباشر من أوائل المتضررين، لكن هذا هو الفرق بين منطق العصابات ومنطق الدولة.

المتطرفون والإيرانيون يريدون الوهابية حركة دينية لا سياسية، ومعنى ذلك أنهم يريدون أن يحوّلوا لحظة تأسيس الدولة وما رافقها من ظروف استثنائية على صعيد الخطاب السياسي الحديث والعنف العارض إلى فرض ديني دائم يعيق استقرار الدول والإسلام في المنطقة، لأنهم باختصار ضد قيمة الدولة وضد الإسلام.

المدينة المنورة تستقبل وفود الحجاج لزيارتها بعد الانتهاء من أداء مناسك الحج في مكة المكرمة ضمن موسم عدّ من أنجح المواسم رغم ما شابه من محاولات إيرانية لتعكير أجوائه الروحانية. ويتوقع أن يبلغ عدد زوار المدينة من الحجاج 550 ألف حاج، بحسب وكالة الأنباء السعودية.

من يدعم الإرهاب

إيران رغم أعجميتها تريد أن تهيمن على العرب وهذا صعب في ظل دول عربية قوية ومستقرة. والمتطرفون يريدون الهيمنة على الإسلام وهذا مستحيل في وجود دولة مثل السعودية. لذلك من اللافت أن العمليات الإرهابية التي تستهدف المملكة منذ تفجيرات الخبر سنة 1996 إلى الآن تقف خلفها إما إيران من جهة، وإما القاعدة وداعش من جهة أخرى.

وهذا غريب جدا، إذا كانت القاعدة وداعش تعتمدان على تمويل المملكة فلماذا تستهدفان المملكة داخل حدودها وخارجها. وإذا كانت إيران تحارب الإرهاب فعلا لماذا لم يستهدف الإرهاب إيران مطلقا. وإذا كانت إيران على خصومة مع الإرهاب لماذا يتفقان إذن على مهاجمة المملكة.

لا معنى لذلك سوى أن إيران والإرهاب في ضفّة والمملكة في ضفّة أخرى. والطريف أن ظريف يتهم السعودية بالتسويق لجبهة النصرة، بينما الحقيقة أن السعودية تصنفها رسميا تنظيما إرهابيا وتعاقب كل من يدعمها أو يمولها.

وكانت السعودية أصدرت سنة 2014 نظاما حدد الجماعات الإرهابية، وهي: تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان وتنظيم داعش وجبهة النصرة وحزب الله وجماعة الحوثي. وفصلت السعودية عقوبات الانضمام إلى تلك الميليشيات قتالا أو تمويلا أو ترويجا.

وقد تصل العقوبة إلى الإعدام أو إلى السجن المؤبد في بعض الحالات. وبالفعل أعدمت السعودية في يناير 2016 نحو 50 رجلا من كل هذه التنظيمات بلا تمييز طائفي أو سياسي، في حين أن إيران تغطي عملاءها الإرهابيين كقتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في لبنان المطلوبين للمحكمة الدولية.

ودخلت المملكة في حروب مباشرة مع هذه الجماعات. وهناك صراع داخل المملكة مع تنظيم القاعدة منذ نحو عقدين. وفي العامين الأخيرين أجرى تنظيم داعش 16 عملية على الأقل داخل الحدود السعودية ردا على مشاركة السعوديين العسكرية في “التحالف الدولي ضد الإرهاب” الذي يعمل في سوريا وفي العراق. وقامت المملكة بإسقاط نظام جماعة الإخوان في مصر. ونظرا إلى اعتداء الحوثي على الشرعية اليمنية أطلقت عملية عاصفة الحزم وإعادة الأمل، والصراع مع حزب الله مكشوف ومستمر في غير مكان.

المشكلة التي تواجهنا هنا أننا لو رصدنا علاقة إيران بهذه الجماعات -خارج الإعلام- لن نجدها علاقة مواجهة، فهناك ارتباط عضوي مع حزب الله والحوثي، وهناك دعم غير مباشر للإخوان والقاعدة ولداعش والنصرة.

بعد ثورة 30 يونيو، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا تضامن مع الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي. وأوت إيران قادة تنظيم القاعدة بعد أحداث سبتمبر كأبوحفص الموريتاني وسيف العدل المصري وسعد بن أسامة بن لادن وسليمان أبوغيث وأبو سليمان المكي وصالح القرعاوي وماجد الماجد، ولا توجد في سوريا جبهة واحدة مشتعلة بين داعش وبين إيران وحلفائها.

المتطرفون يريدون الوهابية حركة دينية لا سياسية، ومعنى ذلك أنهم يريدون أن يحولوا لحظة تأسيس الدولة وما رافقها من ظروف استثنائية على صعيد الخطاب السياسي الحديث والعنف العارض إلى فرض ديني دائم

كما دعمت إيران في سوريا الرئيس الذي يقتل شعبه، دعمت في اليمن الميليشيا التي تقتل شعبها، وكما أسست ما يسمى بحزب الله في لبنان لتعطيل الدولة واستهداف دول الجوار أرادت نسخة حوثية من هذا المشروع في اليمن.

ليس هذا فحسب، فقد حاولت إيران إدخال دولة البحرين في دائرة نفوذها غير مرة. واستولت على العراق بشكل شبه كلي بعد الدخول الأميركي، ولا ننسى أنها منذ عقود استمرأت احتلال الجزر الإماراتية التي اغتصبها الشاه.

بالنظر إلى السلوكين الإيراني والسعودي في المنطقة، لا يمكن أن نضع دولة تحترم نفسها وتحارب الإرهاب كالمملكة مع دولة لا تحترم نفسها وتدعم الإرهاب كإيران. السعودية تلاحق الإرهابيين حتى لو كانوا سعوديين أو سنة وإيران تحمي الإرهابي إذا كان شيعيا أو إيرانيا أو إذا كان سنيا أو عربيا قتل سنة أو عربا.

قارئ مقالة ظريف لا يمكن أن يصدقه لأربعة أسباب، الأول تاريخ إيران في ممارسة الإرهاب الذي لم يتوقف، بداية من أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران 1979، تفجيرات الكويت 1983، اختطاف طائرة تي دبليو إيه 1984 واختطاف الطائرة الكويتية 1985، تفجيرات الأرجنتين 1992 – 1994، تفجيرات الخبر 1996، تفجيرات بلغاريا والهند 2012، وليس أخيرا الاعتداء على السفارة السعودية في طهران مطلع العام الجاري، وهذا غيض من فيض. في المقابل ليس هناك أي عمل إرهابي في العالم تمت إدانة السعودية كدولة به، فمشاركة الأفراد واردة ولكن لا تدين الدولة، هناك أميركيون وأوروبيون في داعش تماما كما أن هناك عربا.

السبب الثاني لعدم تصديق ظريف، هو نتاج سياسات إيران في المنطقة اليوم، فكلما دخلت إيران دولة عربية انصرف أهلها عن التنمية أو محاربة العدو إلى الاقتتال الداخلي؛ فعلوا ذلك في فلسطين والعراق واليمن والبحرين ولبنان وسوريا.

العراق نموذج لدولة تحت النفوذ الإيراني كليا وانتهت إلى فشل ذريع وطريق مسدود وتنازع العملاء على السلطة. بل إن العراق تفتت فعليا بسبب السياسات الإيرانية إلى “عراقات”. لبنان كان في عهد رفيق الحريري حليف المملكة أيقونة إعمار وحياة وبعد تغول ميليشيا حزب الله أصبح عنوان تعطيل واغتيالات.

السبب الثالث، هو النموذج الإيراني نفسه، لقد احتج الإيرانيون على تزوير الانتخابات سنة 2009 فقام النظام بإطلاق ميليشياته عليهم. وشاهدنا الآلاف يتظاهرون سلميا ضد النظام. وكانت النتيجة قتل واعتقال وتعذيب المئات من المواطنين، وشهادات النشطاء ووثائق المؤسسات الحقوقية بالأرقام مفزعة وبالصوت والصورة أيضا. وحين أطلقت المخابرات الإيرانية ثورة مفبركة ضد السعودية عام 2011 لم يتظاهر معها إلا شخص واحد تم التعامل معه بمنطق القانون والدولة.

رابعا، إيران دولة احترفت الكذب، تزعم أنها دولة إسلامية وهي تقتل المسلمين، تزعم أنها دولة ديمقراطية وتقتل شعبها، تزعم أنها ستحرر فلسطين وهي تحتل أرض العرب تماما مثل إسرائيل، في حين أن السعودية على الأقل لا تكذب؛ لم تزعم السعودية يوما أنها دولة ديمقراطية ولم تزعم يوما أن الملك هو ممثل الله ولم تزعم يوما أنها سترمي إسرائيل في البحر.

يزعم جواد ظريف حرصه على العرب وعلى السنة في مقالته، فليت دولته توقف قتل السنة وقتل العرب في منطقتنا، هذه أرض العرب -من كل الطوائف والأديان- لا أرض الإيرانيين، نحن لم نتطفل على أرضكم وجواركم بينما أنتم تعتدون، وعلى الباغي تدور الدوائر. يتهمنا ظريف بالطائفية وفي الحكومة السعودية وزير إسماعيلي وفي مجلس الشورى أعضاء شيعة، لكن في حكومة روحاني ليس هناك أيّ وزير سني.

عزيزي ظريف، جهنم الوهابية أفضل من جنة إيران، لذلك دعنا نفكر معا كيف نخلص العالم من نظام ولاية الفقيه!

صحافي سعودي

7