إيران تشهد تحولا اجتماعيا لافتا: علمانية أكثر وتدين أقل

شعور الإيرانيين بخيبة الأمل تجاه الدين المؤسساتي خلق وعيا مجتمعيا بضرورة إيجاد بديل سياسي للنظام الديني القائم الآخذ في التآكل مع استشراء الفساد صلب مؤسساته.
السبت 2020/09/26
سلوكيات الإيرانيين تتغيّر 

يعكس تجرؤ الشباب الإيراني على المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ومطالبتهم بإسقاطه علنا خلال الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة التي عصفت بالبلاد، نقطة تحوّل في الديناميكية المتحكمة في سيرورة تطور المجتمع، إذ تؤشر حسب باحثين على إفلاس نظرية ولاية الفقيه في التعامل مع شريحة اجتماعية واسعة لم تعايش بدايات الثورة الإسلامية ولا تجد مبادئها إليهم سبيلا.

طهران- كشف استطلاع للرأي نشرته شبكة سي.بي.أن نيوز عن تحولات كبيرة في مواقف الإيرانيين بخصوص المعتقدات الدينية وحكومتهم الاستبدادية، فيما يشير مراقبون إلى أن الجمهورية الإسلامية تشهد “انقلابا اجتماعيا” قوامه: علمانية أكثر وتدين أقل.

وأجرى أستاذان هولنديان على امتداد 14 يوما من يونيو الماضي، مقابلات مع أكثر من 50 ألف إيراني عبر الإنترنت لإجراء استطلاع غير مسبوق يغطي مواضيع من العقيدة والحياة الدينية إلى السياسة. وقالا إنهما اكتشفا تحولا كبيرا يجب أن يغير نظرتنا إلى إيران اليوم جذريا.

ومن أبرز ملاحظات الأستاذين بويان تميمي عرب وعمار مالكي أنه على الرغم من الإحصاء الإيراني الذي يزعم أن 99.5 في المئة من السكان هم من أتباع الإسلام الشيعي، إلا أن هذه النسبة لم تتجاوز 32 في المئة في الاستطلاع.

وشكّل الإيرانيون غير المتدينين ثاني أكبر مجموعة بنسبة 22 في المئة، مما دفع الأستاذين إلى استنتاج أن الإيرانيين يتخلون عن الدين ويتبعون العلمانية.

وقال بنهام بن طالبلو، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لموقع سي.بي.أن نيوز، إن هذا الاستطلاع مهم لأنه يضع بيانات واضحة لدعم الحجة التي تقول إن المجتمع الإيراني أصبح أقل تدينا.

إيران

وأفاد ما يقرب من نصف المواطنين بأنهم تخلوا عن دينهم، حيث صرح 60 في المئة منهم بأنهم لا يصلون.

وكان عدم الرضا عن الدين أعلى بين الشباب، كما انتقد عدد كبير من المشاركين في الاستطلاع السلطات التي تعتمد قوانين إسلامية صارمة لتنظيم الحياة اليومية، فعلى سبيل المثال، عارض 72 في المئة ممن شملهم الاستطلاع القانون الذي يلزم جميع النساء بارتداء الحجاب.

وعندما تعمق الأستاذان في الأسئلة الدينية، كان هناك عدد أقل يؤمن بأساسيات الإسلام الشيعي. وكانت نسبة الذين يؤمنون بالحياة بعد الموت 37 في المئة والذين يؤمنون بالجنة والنار 30 في المئة، والذين يؤمنون بقدوم المنقذ المعروف باسم المهدي المنتظر أو الإمام الثاني عشر 25 في المئة.

وأشار بن طالبلو إلى أن كل هذه الاتجاهات (رفض الحجاب، وعدم الإيمان بقدوم المهدي المنتظر، والتراجع عن المذهب الشيعي، والاستعداد لاعتناق أديان أخرى) تبقى نتيجة للسياسات التي شهدها الشعب خلال السنوات الأربعين الماضية من الحكومة الإيرانية. ومع اعتماد السياسيين على الدين لإخفاء قبضتهم الاستبدادية على السلطة، أصبح الإيرانيون معارضين للدين نفسه.

كما كشف الاستطلاع أن التراجع في أعداد معتنقي الإسلام يتزامن مع نمو المسيحية، حيث أكّد 1.5 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع أنهم مسيحيون.

وأفاد مايك أنصاري أن هذه النسبة لم تتجاوز 1 في المئة قبل ثلاثين سنة، مشيرا إلى أن الكثيرين يتوقّعون كونها حوالي 0.5 في المئة. وأضاف الأنصاري الذي يدير قناة “محبت تي.في”، التي تبث الإنجيل في إيران “هذه البيانات مهمة لأنها تشير إلى حقيقة أنه في البلاد، يدير الإيرانيون ظهورهم لعقيدتهم المؤسسية ويتقبلون المسيحية كدين جديد وسط الاضطهاد”.

وتعتبر إيران واحدة من أخطر الأماكن في العالم بالنسبة للمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى. وغالبا ما يتم القبض على غير المسلمين أو تعذيبهم بشدة لممارسة دينهم أو لمشاركته.

ومع ذلك، وفي علامة على تغير الوضع، وجد الاستطلاع أن 41 في المئة من المستطلعين يعتقدون أن جميع الأديان يجب أن يكون لها الحق في التبشير. وقال حوالي 54 في المئة إنهم يساندون فكرة أن يتعلم أطفالهم عن الأديان الأخرى في المدارس.

ومع أن الاستطلاع لم يقم بتحليل النتائج والأسباب التي أفرزتها، إلا أن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، ناقش في دراسة حديثة صادرة عنه تآكل مبادئ الثورة الإسلامية الإيرانية التي رفعت شعار حماية المستضعفين وتمكينهم، إلا أن تلك الشريحة بعد أربعة عقود من قيام الثورة وجدت نفسها “في مواجهة استكبار رجال الدين والدائرة التي تؤيدهم، مع حصول النظام على كثير من المكاسب نتيجة استغلاله للتعبئة”.

ايران

وتناولت فصول الدراسة تمرد المستضعفين وتجليات أزمة الشرعية السياسية في إيران، إلى جانب احتجاجات الأقليات بعد الثورة وإخفاق مشروع الدولة الأمة، والاحتجاجات الشعبية ضد سياسات النظام، والاحتجاجات الفئوية وتعبئة المستضعفين.

ويرى أكاديميون أنه على مدار السنين، أظهرت الأبحاث، وموجات التظاهر، والحملات القمعية ضدها، إحباطا هائلا بين الإيرانيين تجاه نظامهم السياسي، حيث تحول هذا تدريجيا إلى شعور عميق بخيبة الأمل تجاه الدين المؤسساتي.

ويشير هؤلاء إلى أن ذلك خلق وعيا مجتمعيا خاصة لدى الشباب بضرورة إيجاد بديل سياسي للنظام الديني القائم الآخذ في التأكل مع استشراء الفساد والمحسوبية صلب مؤسساته، قد تكون العلمانية أبرز تمظهراته.

5