إيران تضرب داعش في العراق وعينها على لبنان

السبت 2014/12/06

اتهم مستشار الخارجية الإيرانية محمد سبحاني نوري المالكي بأنه سبب ظهور داعش بسبب سياسته التي تعمدت إقصاء السنة عن المشهد السياسي ما سمح للتنظيم بالنمو ورفع راية المظلومية عن أهل السنة. فسّر هذا التصريح، بأنه انعكاس لتحولات عميقة في توجهات السيستاني، المرجع الشيعي الحامل للجنسية الإيرانية.

السيستاني استقبل مؤخرا الرئيس العراقي فؤاد معصوم وخرج بعدها بتصريحات تدعو إلى توثيق العلاقات مع الجوار العربي عامة، والسعودية خاصة. يقال إن تدخله المباشر كان العامل الحاسم الذي حال دون استمرار المالكي في الحكم لولاية ثالثة رغم تأييد إيران له. بعد ذلك جاء المالكي إلى لبنان وهو البلد الذي لازالت إيران تعتبره المسرح الأساسي لنفوذها في المنطقة. استقبل بحفاوة من حزب الله وحركة أمل والتقى السيد نصر الله، وفي هذه الآونة برز الخبر المفاجئ المتعلق بقيام مقاتلات إيرانية بضرب مقرات داعش في محافظة ديالى العراقية دون تنسيق مع الولايات المتحدة.

هذا السلوك الإيراني فاجأ الجميع وتتالت ردود الأفعال عليه. جون كيربي المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية قال “لم يتغير شيء في ما يتعلق بسياستنا القائمة على عدم تنسيق أنشطتنا مع الإيرانيين”. جون كيري أعلن أنه إذا كانت إيران تهاجم “داعش ” في مكان ما، وإذا كان الهجوم محصورا في داعش فإن تأثيره سيكون إيجابيا”. وأكد أن الهجوم تم دون تنسيق مع واشنطن.

لا يمكن تخيل أن إيران تقدم على شيء مجانا. شهادة حسن السيرة التي تسعى إلى انتزاعها من الأميركيين تخفي نزعة تسعى إلى إرباك جهد محاربة الدولة الإسلامية في العراق، المبنيّ على معادلة دعم الجيش والقوى الأمنية العراقية، والاستفادة من تجربة العشائر العراقية في محاربة تنظيم القاعدة، وتشكيل جيش يُقَدّر العدد المتوقع لعناصره بحوالي مئة ألف رجل. تسعى إيران إلى ضرب هذا المسار لأن من شأنه إعادة إنتاج الدولة العراقية، وإعادة استدخال الحضور السني الفاعل في قلب هذه الدولة، وهو الأمر الذي جاهدت من أجل منع حدوثه.

كيري كان واعياً بهذا المسعى الإيراني، فهو لم يحدد البلد الذي قامت فيه إيران بضرب داعش، بل قال بسخرية “مكان ما”. أعلن كذلك أن الإيجابية في هذا السلوك ستكون ممكنة في حال كان الجهد الإيراني منصباً على محاربة داعش بشكل حصري.

بداية إفلات العراق من إيران كانت عبر إقصاء المالكي، ولعل بداية خروج السيستاني على إيران تخفي قصر النظر الإيراني في موضوع الوطنية. هذا الموضوع لا يزال قادرا على تشكيل حالة عراقية فوق طائفية، فكما أن بعض المكونات التي يتألف منها المجتمع الإيراني تشترك في احتقارها للعرب ولو كانوا من النسيج الطائفي الذي ترفع إيران لواءه، فإن جزءا من العراقيين يكرهون الإيرانيين كإيرانيين كذلك. يجب أن لا ننسى أن عددا كبيرا من الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية من الجانب العراقي كانوا من الشيعة، ودافعهم إلى ذلك كان الذود عن العراق كوطن. هذه الوطنية العراقية لا زالت حية. الإيرانيون نجحوا في تفخيخها طائفيا ولكنهم لم ينجحوا في محوها.

من هنا نفهم معنى زيارة المالكي اللبنانية التي تزامنت مع ضرب إيران لداعش، إذ يبدو لبنان البلد الأكثر قابلية لتنفيذ المشروع الإيراني، فهو بلد لم يعد حاملا لصيغة وطنية واضحة الأركان، بل صارت الطائفية فيه بنية “فوق سياسية” و”فوق وطنية” تحكم الولاءات وتحدد الخيارات.

سعت إيران إلى تحديد الإرهاب وحصره في السنة. التطورات الأخيرة في لبنان ودعم تيار المستقبل للجيش اللبناني ضد الإرهابيين نجحت في تأجيل الاستثمار الإيراني في هذا المجال، لذا نقلت إيران استثمارها إلى ملف الجنود الأسرى الذي تحاول أن تجره إلى تعقيدات يتحول فيها إلى عنوان حرب طائفية. أهل الجندي الشيعي علي البزال هددوا في حال إعدامه بأنهم سيقتلون أي شخص يصلون إليه من آل الحجيري في عرسال. عادت إيران بعد أن أفشل قائد الجيش جان قهوجي مشروعها إلى العزف على الوتر نفسه، ولم يكن الاحتفال الشامت الذي أقامه حزب الله بعد نجاحه في استعادة أسير له سوى جزء من هذه اللعبة. لبنان هو ساحة متروكة لكل أنواع العبث. إيران تريد أن تصنع منه بلداً حاضناً لإرهاب لا يستطيع سواها رده. لا يبدو أن إيران ستتورع عن شيء من أجل تحقيق هذا الهدف. وربما سنشهد إحياء لمنطق الاغتيالات، وهو منطق لا تستطيع إيران تنفيذ مشروعها إلا من خلاله.


كاتب لبناني

9