إيران تعود إلى نفس الحيل القديمة.. بساحر مختلف

الأربعاء 2013/08/14
هل سيفي روحاني بوعوده بتحسين العلاقات مع بلدان الجوار؟

«نسأل الله أن يقينا شرهم».. هكذا نقلت برقية من السفارة الأميركية في الرياض سربها موقع ويكيليكس عن العاهل السعودي الملك عبدالله قوله لمسؤولين أميركيين في إشارة إلى إيران. وفي برقية أخرى قال لدبلوماسيين سعوديين إنه يريد أن تقطع واشنطن «رأس الأفعى». وعلى الجانب الآخر من الخليج يظهر أيضا ازدراء إيران للسعودية من خلال تقرير نقله موقع مشرق الإلكتروني المتشدد وجاء به أن الأسرة الحاكمة في السعودية «غارقة في الفساد».

ووسط هذه الأجواء يأتي الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني ويعد بتحسين علاقة قد تكون هي الأسوأ بين بلدين في الشرق الأوسط برمته. والبغضاء بين السعودية وإيران -والتي أججت عنفا دام عشر سنوات في المنطقة- من القوة بحيث يصعب إضفاء أي مبالغة عليها.

في سوريا والعراق ولبنان واليمن تدعم الدولتان قوى بالوكالة في صراعات إما مستترة أو علنية يروح ضحيتها الآلاف شهريا. ففي سوريا تتبادل السعودية وإيران الاتهامات بالمسؤولية عن حمام الدم حيث تدعم إيران الرئيس السوري بشار الأسد وتمول السعودية مقاتلي المعارضة الساعين للإطاحة به. وفي العراق وصل العنف الطائفي إلى أسوأ مستوياته منذ عام 2008 وتتهم السعودية إيران بتأجيج الاضطرابات في البحرين بل وفيها هي نفسها بينما تتهم طهران الرياض بالتآمر مع واشنطن على تدميرها. لكن روحاني -وهو من المعتدلين نسبيا بعد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد- يقول إنه يريد أن يقيم علاقة ودية مع السعودية. لكن لا يرى كثيرون أن بمقدور روحاني أن ينزع السم من الخصومة بينهما.


كوكاكولا وبيبسي


من مصلحة السعودية وإيران التحدث إلى بعضهما البعض. فالسعودية تريد أن تتوقف إيران عما تصفه بالتدخل في شؤون الدول العربية بدعم الشيعة أو حلفائهم في سوريا والعراق ولبنان والبحرين واليمن وفي السعودية نفسها. وفي المقابل تريد طهران أن تكف الرياض عن الحث على شن عمل عسكري على المواقع الذرية الإيرانية وعن تعزيز العقوبات الغربية من خلال زيادة الإمدادات النفطية لتعويض النقص الناجم عن حظر الخام الإيراني. وأبدى روحاني والملك عبدالله استعدادا في الماضي لتحقيق السلام. وعندما كان روحاني رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران في عام 1998 قضى ليلة بأكملها في التفاوض مع الأمير نايف وزير الداخلية السعودي الراحل بشأن اتفاقية أمنية مع المملكة بعد توتر دام سنوات.

وبتوقيع هذه الاتفاقية تغاضى الملك عبدالله عن شكوك سعودية وأميركية في مسؤولية إيران عن تفجير ثكنات أميركية بمدينة الخبر السعودية عام 1996. كما تركت إيران جانبا ذكريات ما حدث في موسم الحج عام 1987 عندما قتل المئات من حجاجها في اشتباكات مع قوات الأمن السعودية. قال روبرت جوردان سفير الولايات المتحدة في الرياض من عام 2001 إلى 2003 «الملك عبدالله يعرف روحاني منذ فترة. أعتقد أن علاقتهما طيبة وأفضل بكثير من علاقته بأحمدي نجاد. يمتلك الإثنان قدرة على التواصل».

لكن رغم أن التاريخ قد يبشر بانفتاح في الجانبين إزاء فكرة التعاون يرى محللون ومسؤولون ودبلوماسيون أن فرصة التقارب محدودة. فالظروف ساءت بكثير عما كانت عليه عند توقيع الاتفاق الأمني قبل 15 عاما مع كثرة الحروب الأهلية والانتفاضات بالمنطقة.

وفي مارس – آذار 2009 زار وزير الخارجية الإيراني السابق منوشهر متكي الرياض في محاولة لتهدئة التوتر بين الدولتين لكن اجتماعه بالملك عبدالله لم يسر على ما يرام. وبعد ذلك بأيام أبلغ الملك عبدالله المستشار الأميركي لمكافحة الإرهاب جون برينان أنه قال للوزير الإيراني «ليس من شأنكم التدخل في أمور العرب». ونقل برينان عن العاهل السعودي قوله «هدف إيران هو إثارة المشاكل.. هناك بلا شك خلل ما لديهم… نسأل الله أن يقينا شرهم».

ويرسم الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي السياسة الخارجية أكثر مما يرسمها رئيس البلاد مما يعني أن انتخاب روحاني للرئاسة لن يغير على الأرجح مواقف طهران تغييرا جذريا.

وقال علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الإيراني المنتهية ولايته في مقابلة مع وكالة مهر للأنباء، «هل يمكن أن يفعل أو يقول أحد شيئا دون رأي الزعيم الأعلى؟» وأضاف أنه منع من زيارة الرياض. ولا تعقد السعودية آمالا. وشبه عبدالله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي الفارق بين روحاني وأحمدي نجاد بالفارق بين «كوكاكولا وبيبسي.» وقال «لا أعتقد أنه سيفعل مثلما فعل أحمدي نجاد ويتحدث بغلظة… لكن عندما يصل الأمر إلى الملفات الرئيسية أعتقد أنه سيعمل داخل إطار يرسمه خامنئي». وقالت صحيفة سعودي جازيت في مقال افتتاحي الأسبوع الماضي «إيران ستعود إلى نفس الحيل القديمة ولكن بساحر مختلف».


مناصرة الأعداء


أي تحسن في العلاقات سيتوقف بالنسبة إلى السعودية على وقف دعم إيران للأسد الذي وصف وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل هجومه على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية بأنها إبادة جماعية.

ويرجح أن تكون هذه الخطوة خطا أحمر بالنسبة لزعماء إيران الذين يرون في سوريا حلقة مهمة في قدرتهم على ممارسة النفوذ في الشرق الأوسط وصولا إلى لبنان وحدود إسرائيل.

ومما يغضب إيران أكثر من غضبها من سياسة السعودية تجاه سوريا هو قرار اتخذته الرياض العام الماضي بزيادة صادرات الطاقة لتعويض النفط الذي خرج من السوق بعد حظر النفط الخام الإيراني في خطوة تعتبر مشاركة فعلية في العقوبات الأميركية.

وقال ناصر سوداني نائب رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان الإيراني في يناير -كانون الثاني 2012 تعليقا على زيادة إمدادات النفط السعودية «بدلا من أن يهبوا لخدمة المسلمين يناصرون أعداء المسلمين ويقفون بجانبهم.»

وتتهم السعودية إيران بمحاولة تأجيج التوتر داخل أقليتها الشيعية وزرع حلقة تجسس على أراضيها كما اتهمتها بمحاولة اغتيال سفيرها في الولايات المتحدة. وتنفي طهران كل هذه الاتهامات. ويعود تاريخ الخصومة إلى عام 1979 عندما حاولت إيران تصدير ثورتها الإسلامية إلى الشيعة في دول الشرق الأوسط بما فيها السعودية الأمر الذي يخل بتوازن القوى بالمنطقة.

وانحازت السعودية ودول خليجية أخرى إلى ما اعتبرته طهران تحالفا مع الشيطان عندما وقفت إلى جانب صدام حسين الذي غزا إيران عام 1980 حيث مولت حربه لثماني سنوات بينما استخدم هو الأسلحة الكيماوية ضد الجنود والمدنيين الإيرانيين.

وبعد فترة هدوء تدريجية أججت الإطاحة بصدام في عام 2003 صراعا جديدا على النفوذ بين السنة والشيعة في العراق. ودعمت الرياض السنة بينما ساندت طهران الشيعة. وعلت النبرة الطائفية في الصراع بين الدولتين في السنوات القليلة الماضية.

ويؤيد الحكام الإيرانيون الشيعة في العالم العربي بما في ذلك الحكومة العراقية وميليشيات في العراق وحزب الله في لبنان ونشطاء في البحرين إضافة إلى الحوثيين في اليمن. وينتمي الأسد إلى الطائفة العلوية المنبثقة عن الشيعة. وتؤيد السعوية مهد الإسلام الجانب الآخر.

وحاول الملك عبدالله التخفيف من التوتر بين الجانبين، وقال العام الماضي إنه سيؤسس مركزا بالرياض لدراسة الاختلافات بين المذاهب لكن برقية سربها موقع ويكيليكس عام 2006 تسجل له انتقاده الشيعة «لتقديسهم أضرحة وتماثيل وأفرادا».


ضرر غير عادي


ولأنه من غير المرجح أن يعدل روحاني عن السياسات التي تعارضها السعودية بشدة لا يبدو هناك مجال كبير لحدوث تقدم بخلاف وجود نبرة أقل عدائية.

وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ الإيراني في جامعة سانت اندروز البريطانية «إن مستوى الضرر الذي حدث في فترة الثماني إلى العشر سنوات الماضية غير عادي مما يثير سؤالا عما إذا كان الإيرانيون يعتقدون أن بإمكانهم تجميل الأمر وحسب أم أنهم مستعدون لإجراء تغييرات حقيقية».

ومع هذا فإن اتخاذ إيران خطوات مثل استخدام لغة أكثر ميلا للمصالحة في البث الإعلامي المتعلق بالبحرين ودول خليجية أخرى ووقف دعم جماعات يمنية قد تلطف الموقف.

قال جوردان «قد تكون سوريا جسرا بعيدا للغاية لكن من الممكن أن يتوصل الجانبان إلى شكل من أشكال التفاهم المؤقت بشأن وضع الشيعة في البحرين. ولي العهد هناك في موقف يتيح له التفاوض بشكل أفضل وقد يميل إلى المساعدة في التوصل إلى حل».

ولا يتوقع دبلوماسيون في الخليج تحركا يذكر في قضايا هامشية ولا يرون فرصة كبيرة في استجابة الرياض لمبادرات إيران دون حدوث تغيير كبير في السياسة. لكن هذا التشكك لم يمنع الإصلاحيين الإيرانيين من الضغط حتى يقدم روحاني غصن زيتون للسعودية في إطار سياسة انتهجها قبله الرئيسان السابقان أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي.

وقال الإصلاحي الإيراني سعيد هاجريان «أصبح الوضع في سوريا معقدا إلى درجة أن العالم الإسلامي انقسم فعليا إلى قسمين.. لدرجة حدوث حرب بالوكالة.» وأضاف «علينا أن نوضح لهم أن هذه ليست حربا بين السنة والشيعة. وعلينا أن نمنع بكل قوتنا الأطراف».

7