إيران تعيد بناء قوتها العلمية لتحصين أمتن وتوسع أكبر في المنطقة

المدخل العلمي والتكنولوجي يعد من أبرز المقاربات في فهم العلاقات الدولية ودراستها وكيفية تطور قوانينها، نظرا لما تمثله المقاربة العلمية من أداة معرفية دقيقة حول حجم القوة الداخلية في دولة ما. وينسحب هذا المدخل النظري على ما تعيشه إيران في العقدين الأخيرين من تفطن قادتها إلى ضرورة الانتباه إلى تطوير مجالاتها التكنولوجية والعلمية، الأمر الذي جعلها قوة إقليمية تقترب من القنبلة النووية، مواجهة بذلك تحذيرات العالم من أزمة نووية أخرى لها بعد أخلاقي هذه المرة، وضاربة عرض الحائط بأمن المحيط القريب منها وسلامته.
الأربعاء 2015/09/16
استطاعت الدبلوماسية الإيرانية أن تتخلص من الضغط الغربي وإفساح المجال لتطوير العلوم

واشنطن – تاريخيا، تعد منطقة الهلال الخصيب العربية المكونة أساسا من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر مركز جذب جيوستراتيجي لإيران على مدى قرون من الزمن، الأمر الذي أثبتته المعارك التاريخية التي دارت بين الفرس والعرب خاصة مع ظهور الإسلام. إذ رصد علماء التاريخ حوالي 13 محاولة للمنطقة المسماة اليوم إيران في السيطرة على الهلال الخصيب.

وقد استعملت إيران في العديد من المناسبات طرقا مختلفة للتغلغل في المنطقة، ولكن وبالنظر إلى الموضوع من زاوية داخلية، فإن العامل التكنولوجي والبحث العلمي يعدان السلاحين الأبرزين لها في تقوية نفوذها الإقليمي، وهذا ما ظهر جليا في العقدين الأخيرين، خاصة بعد انتهاء الحرب بينها وبين العراق الذي تفوق فيها وأضاء نقاط ضعف فادحة لدى النظام الإيراني في المجال العسكري والتكنولوجي، وقد أدت الاستفاقة المكثفة لسد الفراغ العلمي الإيراني الحديث إلى تسريع وتيرة البحث العلمي الموجه نحو التسلح، ومن ثمة اقتراب إيران من سلاح نووي وشيك.

وفي سياق تركيز الإيرانيين على المسألة التكنولوجية والبحث العلمي، قالت مجلة “ساينس” الأميركية إن الاتفاق النووي الإيراني سيؤذن ببدء عهد جديد في مجال العلوم من خلال رفع العقوبات وتشجيع البحث العلمي في الجمهورية الإسلامية. وفي إطار العقوبات المفروضة على إيران منذ سنوات بهدف منعها من الحصول على أسلحة نووية، يحظر على العلماء الإيرانيين إنزال برامج معلوماتية معينة، والاشتراك في المجلات العلمية العالمية وشراء المعدات الضرورية من الخارج. ومع ذلك فقد ازدهر العلم في إيران، حسب ما قال آلان غودمان رئيس مجلس التعليم الدولي في نيويورك لمجلة “ساينس”.

مجلة "ساينس" الأميركية تقول إن الاتفاق النووي سيؤذن ببدء عهد جديد في مجال العلوم برفع العقوبات
وسوف يمكن التفاهم في الملف النووي الإيراني مؤخرا النظام من تحرك أوسع و استرجاع أموال مجمدة في البنوك العالمية، الأمر الذي سيسهل أكثر عمليات التطوير والبحوث الأولية حول مشاريع عديدة. وقال غودمان الذي توجه إلى إيران في وقت سابق من هذا العام برفقة مجموعة من المسؤولين من الجامعات الأميركية للبحث في سبل التعاون مع العلماء الإيرانيين “تأكدنا أن العلوم لديهم حية وفي حال جيدة”.
ولم يمنع اغتيال خمسة علماء نوويين إيرانيين خلال العقد الماضي “الجمهورية الإسلامية” من مواصلة برنامجها الذي تقول إنه سلمي ويهدف إلى إنتاج الطاقة، حسب علي أكبر صالحي رئيس المنظمة الدولية للطاقة الذرية في إيران.

وصرح صالحي للمجلة في عددها الخاص حول العلوم في إيران بأن “ذلك لم يكن عائقا أمام نشاطاتنا النووية بل أعطانا في الحقيقة دفعا في هذا المجال، بحيث تحول العديد من الطلاب الذين كانوا يدرسون اختصاصات أخرى، بعد عمليات الاغتيال، إلى اختصاص العلوم النووية”.

ولم يتوقف الأمر فقط عند العلوم النووية أو الصناعية الثقيلة والعسكرية، بل تعد منطقة إيران وموقعها الجغرافي عرضة إلى تقلبات طبيعية عديدة، أهمها الزلازل والأعاصير والارتدادات الأرضية، وعندما تم منع العلماء الإيرانيين من استيراد أجهزة لرصد الزلازل، اخترع الإيرانيون أجهزتهم الخاصة.

وتؤكد العديد من التصريحات الصادرة عن مسؤولين في النظام الإيراني، إن العقوبات التي فرضها الغرب على طهران “لم تؤثر في مواصلة الباحثين في ما يقومون به من أنشطة”، ويعود الأمر حسب مراقبين إلى انتشار بعض العلماء الإيرانيين في مناطق عديدة من العالم ولهم المخابر والأموال البديلة للقيام بأبحاثهم، بطريقة جعلت من الحصار مسألة “رمزية” لهم ولم يؤثر بقوة. وكتب وزير العلوم والأبحاث والتكنولوجيا الإيراني محمد فرهادي في مقال في المجلة إن العقوبات “دفعت بقطاعات العلوم والصناعة والخدمات لدينا إلى التعاون بطرق جديدة ومفيدة وأجبرت علماءنا على العمل بشكل أكثر إبداعا ونشر اقتصاد مبني على المعرفة لأول مرة في تاريخ إيران”.

علي أكبر صالحي: الحصار لم يكن عائقا أمام نشاطاتنا النووية بل أعطانا دفعا في هذا المجال

وأضاف فرهادي متحدثا عن الأفق الجديد الذي سوف تشهده إيران بعد رفع العقوبات عنها، أن بلاده تنظر إلى مدى بعيد في تطوير مجالاتها البحثية والعلمية وتطويعها لصالح المجالات الحياتية التي تنعش الاقتصاد مثل السياحة والصناعات المتوسطة والتكنولوجيا الرقمية وغيرها، مركزا على أن “الصناعات العسكرية تبقى دائما عمود القوة” وقال فرهادي “الآن تتطلع الجمهورية الإسلامية إلى إقامة شراكات وأبحاث دولية”، وأضاف “ندعو العلماء من جميع أنحاء العالم إلى إطلاق برامج تعاون مع علمائنا، فإيران مستعدة”. ويتوقع أن يتم تخفيف العقوبات عن إيران بنهاية العام الجاري.

ويعلق مراقبون على هذا التطور بالقول إن النظام الإيراني يسارع إلى تحصين نفسه بقوة والاستفادة من الأخطاء التي وقع فيها في الماضي، خاصة على المستوى الدبلوماسي، لتتم إعادة تركيب منطق السياسة داخلها وفق صيغة أكثر هدوءا لكنها مستمرة في ما تخطط له.

وتقول تقارير إن العمل على مجالات الطاقة والتجديد في البنى التحتية العسكرية والبحوث المتعلقة بالاتصالات التكنولوجية يعد المحور الرئيسي الذي تركز عليه سلطات الإشراف في مجال البحث العلمي والتكنولوجي. وتؤكد قيادات من النظام أن الحصار الذي ضربته القوى الغربية على إيران ساهم إلى حد ما في عرقلة بعض البحوث الجارية وإيقافها لكنه لم يبطلها بشكل تام. وقالت نائبة رئیس الجمهوریة السابقة في الشؤون العلمیة والتقنیة نسرین سلطانخواه “إن الدوائر البحثية الآن تقوم على العمل على أجهزة تحسس للكشف المبكر عن أي تسرب لمواد كيميائية جرثومية في الهواء لصد أي هجوم كيميائي على إيران”.

وفي سياق اعتراف أميركا ذاتها بالقدرات العلمية، قالت صحيفة “واشنطن بوست”، “يمكن القول بصراحة إن هذا البلد استطاع اجتياز العوائق العلمية والتقنية بنجاح وتشييد شبكة معقدة لتخصيب اليورانيوم وإدارتها، واستطاع أن يقف على أعتاب الاستفادة من جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي ما ينبئ بقوة إيرانية منتظرة في المجال العلمي، الأمر الذي استدعى فتح حوارات عميقة بين مثقفين وعلماء عرب حول مدى تأثير هذا التطور على الأمن القومي العربي خاصة في سياق عام يحدده “رجال متهورون” يقودون النظام الإيراني، حسب قول خبراء.

12