إيران تقطف مجددا ثمار أخطاء السياسة الأميركية في العراق

السبت 2014/11/15
طهران لها ميليشياتها في العراق

بغداد - تحقيق إيران المزيد من التغلغل داخل المشهد العراقي، ليس كلّه نتيجة «شطارة» إيرانية، بقدر ما هو ثمرة أخطاء كبيرة في السياسات الأميركية تجاه العراق.. ذلك ما تفضي إليه تحليلات الخبراء للأحداث منذ سيطرة تنظيم داعش في يونيو الماضي على جزء كبير من الأراضي العراقية.

تصاعد الحديث خلال الأيام الماضية بشكل كبير بشأن الحضور الميداني الإيراني على أرض العراق، وذلك بالتزامن مع تسجيل تقدّم ملحوظ في الحرب على تنظيم داعش لا يتردّد موالون لطهران في نسبة «الفضل» فيه إلى الانخراط الإيراني الكبير ومتعدّد الطرق والمظاهر في تلك الحرب.

ويذهب البعض في التعبير عن اتساع الدور الإيراني في العراق حدّ القول إنّ إيران تتولّى فعليا قيادة القوات المسلّحة العراقية عن طريق مجموعة كبيرة من الضباط والخبراء العسكريين يشرف عليهم الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الإيراني، وهو الأمر الذي يفسّر حضوره بالعراق وظهوره على جبهات القتال هناك، بشكل توثّقه صور تنشرها وسائط إعلامية إيرانية.

ويتخّذ الحديث عن تزايد التدخّل الإيراني في الشأن العراقي، أو ما يسمّيه البعض التورط الميداني الإيراني في العراق، منحيين؛ منحى التحذير من استغلال طهران الحرب على داعش لاستكمال مسيرة إحكام قبضتها على العراق والتي بدأتها سنة 2003 مع الغزو الأميركي للبلد، ومنحى البحث عن خلفيات النجاح الإيراني في ذلك وأسبابه.

ولا تكاد الولايات المتحدة تغيب عند الحديث عن تغلغل إيران في تفاصيل المشهد العراقي سواء منه السياسي أو العسكري، بين من يذهب إلى القول بوجود وفاق والتقاء مصالح بين طهران وواشنطن في العراق رغم اختلافهما في ملفات أخرى. ومن يرى أن إيران تحسن في كل مرّة قطف ثمار الأخطاء الأميركية وتردّدها وتذبذب سياساتها تجاه العراق.

تحرير بيجي يحدث منعرجا في الحرب على داعش
كركوك - تمكنت القوات العراقية أمس من السيطرة على مدينة بيجي الاستراتيجية شمال بغداد والقريبة من كبرى مصافي النفط بعد أشهر من سيطرة تنظيم داعش عليها.

ونظرا لأهمية المدينة كحلقة وصل بين مدينتي تكريت والموصل اللتين يسطر عليهما التنظيم، وأيضا لموقعها قرب المصفاة الأكبر للنفط في البلاد، فقد وصف تحريرها بالاستراتيجي، وأحد أبرز النجاحات العسكرية في الحملة ضد التنظيم والتي قد تشكل منعرجا في الحرب عليه.

وشرح أحمد الكريم رئيس مجلس محافظة صلاح الدين حيث تقع بيجي لوكالة فرانس برس أنّ القوات العراقية تمكّنت من استعادة السيطرة بالكامل على المدينة بعد أن فرّ مسلحو داعش.

وأوضح أن العملية العسكرية التي انطلقت منذ أكثر من أربعة أسابيع، تشارك فيها قوات من الجيش والشرطة وأبناء العشائر و«الحشد الشعبي».

وينطبق هذا الطرح الأخير كأفضل ما يكون على الوضع القائم حاليا في العراق حيث تقدّمت إيران بشكل لافت إلى واجهة الحرب على داعش، قياسا بالدور الأميركي. وعاد تقرير لصحيفة فايننشال تايمز اشترك في كتابته بورزو داراجاهي وإريكا سولومون ونجمة بزرجمير وجيف داير، إلى الظروف التي حفّت بزحف داعش في يونيو الماضي، بشكل مفاجئ على مناطق شاسعة في العراق، مذكّرا بتلكؤ الولايات المتحدة آنذاك في تسليم أسلحة ومعدات كانت الحكومة العراقية ألّحت في طلبها.

وورد بالتقرير أنّه فيما كان مستشار الأمن القومي العراقي فالح فياض في واشنطن يكافح لترتيب تسليم مقاتلات أميركية لبلاده، للمساعدة في المعركة ضد التمرد المتزايد، بدأت تفيض التقارير الصادمة بشأن اجتياح داعش لثاني أكبر مدينة في البلاد، أي الموصل، واندفاعها باتجاه بغداد.

وأضاف معدّو التقرير قولهم إنّ فياض هرع إلى العاصمة العراقية، حيث بدأ السكان في وضع خطط للفرار من بغداد إلى جنوب البلاد أو السفر إلى الخارج.

وخشي مسؤولو المصارف من أن يتدافع العملاء لسحب أرصدتهم. وناشدت الحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي آنذاك الولايات المتحدة للحصول على المساعدة. إلاّ أن رد واشنطن كان باردا وقال مسؤولوها إنهم يدرسون المسألة، كما يقول فياض، مضيفا «ألمحوا إلى أنهم ليسـوا راضـين عن الحكومـة».

واحتاج الأمر إلى شهرين قبل بدء الولايات المتحدة بشن غارات جوية لدعم القوات العراقية في الدفاع عن العاصمة من تقدم داعش. وفي الوقت نفسه، كانت إيران قد بدأت بالفعل إرسال أسلحة وذخيرة وعناصر استخبارات وكبار مستشارين خلال 48 ساعة من أزمة الموصل.

ويقول الجنرال قاسم عطا، رئيس جهاز المخابرات العراقي «منذ اليوم الأول أرسلنا طلبا للأميركيين للتدريب والأسلحة». وأضاف «كان عذر الولايات المتحدة لعدم إرسالها المساعدة هو الانتظار حتى تستقر الحكومة الجديدة. لم يكن أمامنا خيار، سوى الذهاب إلى إيران. كان علينا أن ندافع عن أنفسنا».

ويجمع كثير من الملاحظين على أن قرار إدارة أوباما الانتظار والإصرار على إزالة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قبل اتخاذ أي إجراء، هو ما عزز موقف إيران في العراق. ففي غضون بضعة أيام أعادت إيران تشكيل البنية التحتية الأمنية العراقية التي انتهت إلى الفشل الذريع، وهو الأمر الذي احتاج من واشنطن نحو تسع سنوات ومليارات الدولارات لبنائها.

ويؤكّد مراقبون أن دور إيران في الحرب على داعش لن يكون من دون تبعات خطرة على مستقبل العراق حيث سيقوي دور الميليشيات الموالية لطهران ويجعل منها ذراعا لاستدامة احتلال البلد، حيث أنّ إعادة تنشيط إيران للميليشيات الشيعية ودورها في تنظيم ما يسمى «الحشد الشعبي» للمتطوعين يعطي طهران المزيد من القوة الأكثر متانة على أرض الواقع.

ويقول أحد المسؤولين العراقيين إن الجنرال قاسم سليماني كان «القائد العام للقوات المسلحة العراقية» خلال الأسبوعين الأولين بعد سقوط الموصل، مضيفا «خلال ذلك الوقت، بينما كانت الولايات المتحدة تتحوط وتتساءل ما يجب عليها فعله، هرع سليماني لمساعدة العراق».

ويقول نبيل يونس محمد، أستاذ العلوم السياسية إن «الولايات المتحدة لم تتحرك بسرعة كافية لمساعدة العراق، بينما كانت داعش تغزو الموصل وتركت دولا أخرى تعمل على تعزيز نفوذها». ويضيف «إيران تصرفت بسرعة للحفاظ على نفوذها».

وبشأن سرعة التحرّك الإيراني عند سقوط الموصل، نُقل عن اللواء محمد عطا أحد كبار ضباط القوات المسلحة العراقية قوله «قال الإيرانيون إذا كنت تريد، نحن مستعدون للمساعدة». وأضاف «حتى إنهم عرضوا إرسال قوات من الأيام الأولى».

ومن جانبه اعترف نائب مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض توني بلينكن بأن إدارة أوباما كانت تسعى لتشكيل حكومة جديدة في بغداد قبل أن تبدأ العمليات العسكرية ضد داعش، مخافة أن «ينظر إليها على أنها القوة الجوية للمالكي، وهو ما يعني تعزيز قبضته على السلطة».

أما الإيرانيون فعلى الرغم من الشكوك حول كفاءة المالكي، فقد أوفدوا قاسم سليماني إلى بغداد خلال يومين من الأزمة. وزار سليماني بشكل مبكر مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق أحد المعترضين علنا على النفوذ الإيراني، لكنه شكر بحرارة طهران لدعمها. ويقول مثنى أمين، العضو الكردي في البرلمان العراقي «كان البارزاني دائما أقرب إلى الولايات المتحدة والغرب، ولكن عندما تخلى عنه الغرب في بداية الأزمة، بطبيعة الحال انتقل بسرعة إلى إيران».

3