إيران تكثف نشاطها على الجبهات من العراق إلى سوريا

الخميس 2015/03/12
إيران تستثمر في كل المجالات لتحقيق أهدافها، بدءا من المساعدات العسكرية وليس انتهاء بالمساعادت الإنسانية

واشنطن - مع تعقّد الوضع أكثر في العراق وسوريا، تحوّل الحديث عن الدور الإيراني في هذين البلدين من التكهّنات والتوقّعات الاستخباراتية إلى واقع ملموس، بل واحتلال معلن لهما، بمباركة نظامي الدولتين، وحتى الولايات المتّحدة. وكانت صحيفة “العرب” رصدت في(العدد: 9853، ص(7)، بتاريخ 11/03 /2015) كيف أن معركة تكريت تقدّم صورة عن المستقبل المنتظر للمدينة العراقية، وللبلاد، بل وللمنطقة ككلّ.

وتواصل “العرب”، في هذا العدد، رصد العلاقة بين معركة تكريت في العراق، ومعركة أخرى يخطّط لها في سوريا، وهي “معركة الرقة”، حيث تقول معلومات سريّة كشفت عنها مجموعة الشرق الاستشارية إن قوات نظام الأسد وحزب الله بالإضافة إلى عناصر من الأكراد تخطّط لشن هجوم لإعادة السيطرة على الرقة، بدعم من إيران التي تستغلّ الوضع الأمني الهشّ وخوف الأهالي من داعش وتقدم دعمها اللامحدود للنظام في سوريا وأيضا في العراق، ضمن محاولات جاهدة لإحياء مشروع الهلال الشيعي، الذي يتوقّع المحللون ألا يتحقّق يوما.

كشفت مجموعة الشرق الاستشارية الأميركية أن القوات السورية التابعة لنظام الأسد ومجموعة مقاتلين من حزب الله، اللبناني، بالإضافة إلى وحدات من الحرس الثوري الإيراني وعناصر من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري تخطّط لشن هجوم يتمّ بمقتضاه إعادة السيطرة على منطقة الرقة، التي تعتبر “عاصمة” تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

واستندت المجموعة، التي تستفيد بشكل واسع من قانون حرية المعلومة الأميركي، في خبرها، على معلومات قالت إنها حصلت عليها، عبر مسودّة للمخطّط تفسّر تفاصيل هذه العملية التي من المتوقع أن تؤدي إلى تعقيد الوضع الطائفي في سوريا وربما اندلاع حرب أهلية في المنطقة، خاصة إذا ما تمّ ربطها بالأحداث في العراق.

ويفيد المخطط التمهيدي، وفق مجموعة الشرق الاستشارية، أن القواّت التابعة للنظام السوري والميليشيات التي يقودها العقيد، سهيل الحسن، الملقب بـ”النمر”، والذي يعدّ بطلا لدى العلويين باعتباره تمكّن من رفع الحصار عن الأحياء الموالية للنظام في حلب واستعادة الضواحي الشمالية شرق المدينة، بشنّ هجوم على الرقة انطلاقا من قريتي النبل والزهراء؛ وهما قريتان شيعيتان قريبتان من حلب، في حين ستقوم القوات الكردية السورية بالتقدّم باتجاه المدينة من الشمال الشرقي. كما ستقوم قوات أخرى بالهجوم من الجنوب على المدينة التي تخضع لسيطرة داعش.

هجوم إيران وحلفائها على الرقة بالتوازي مع هجوم تكريت قد يؤدي إلى هزيمة هذه القوات لنفسها بنفسها

من ناحية أخرى سيتمركز الجنرالات الإيرانيون في قرية باشكوي للتنسيق بين القوّات المهاجمة للمدينة. ويفيد المخطّط أن الهجوم سينطلق بمجرّد شن الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي غارات جوية واستنادا إلى معلومات استخباراتية تقدّر حجم الإرباك الذي أحدثته الغارات في صفوف مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

من بين النقاط المثيرة في المخطّط الذي نشرته المجموعة الأميركية، هي الإجابة التي يقدّمها لكل من تساءل لماذا يقبل الأسد مبادرة وقف إطلاق النار في حلب ، وفي هذا الوقت بالذات؟. في هذا السياق، يشير التقرير إلى أن خطّة استعادة الرقّة مرتبطة بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة حلب.

وتجري مفاوضات مكثّفة لتوقيع هذا الاتفاق، الذي قدّمه في أواخر أكتوبر المبعوث الأممي إلى سوريا، ستافان دي ميستورا، الذي أعلن مؤخّرا أن “دمشق مستعدة للمشاركة في اختبار لوقف إطلاق النار في حلب الواقعة في شمال البلاد”، فيما رفضت المبادرة القوى العسكرية والسياسية المعارضة. وتقع حلب في قلب الاشتباكات بين القوات الموالية لنظام الأسد وعدد من الجماعات المسلحة.

وكان النظام السوري وحلفاؤه حاولوا الصيف الماضي، تحقيق تقدّم في محافظة الرقّة لكن دون جدوى. ويتوقّع التقرير الأميركي أن يكون تعيين توقيت توقيع اتفاق حلب وفقا لسير معركة استرجاع الرقة من أيدي مقاتلي التنظيم.

وبالهجوم على الرقة تكتمل الصورة التي خطّط لها نظام الأسد وحليفته إيران الشهر الماضي. وتتكون هذه الصورة من 4 عناصر رئيسية، وهي إلى جانب الهجوم على الرقّةـ تشمل جبهة جبل القلمون، التي تم تأجيلها حتى يذوب الثلج. وسيلعب الإيرانيون وحزب الله دورا رئيسيا فيها في سياق فهم الأسد وإيران للأحداث. وهو فهم من شأنه أن يمكّن الطرفان من السيطرة الكاملة على الجنوب الغربي للبلاد.

خطة رباعية للأسد وإيران
خطة التحرك نحو الرقة هي تكملة للهجوم العام الذي قادته إيران والأسد، وهو في الواقع المحور الرابع منها وبقية الخطة تقود التحرك نحو:

جبهة جبل القلمون وتم تأجيلها حتى يذوب الثلج. وسيلعب الإيرانيون وحزب الله دورا رئيسيا فيها

العنصر الثاني هو جبهة درعا، أو بتعبير أدق، المثلّث الاستراتيجي درعا-القنيطرة-دمشق

العنصر الثالث جبهة حلب

والعنصر الثاني في الخطة الرباعية التي وضعتها إيران للتغلغل في سوريا هو جبهة درعا، أو بتعبير أدق، المثلّث الاستراتيجي درعا-القنيطرة-دمشق. والعنصر الثالث جبهة حلب.


كل أزمة هي فرصة


على غرار دورهم في معركة تكريت، يضطلع ضبّاط الحرس الثوري الإيراني بدور قيادي في الإعداد لمعركة الرقة السورية. وتثير درجة التدخل الإيراني في المعارك في كل من العراق وسوريا دهشة المتابعين والمحللين، الذين يشكّك بعضهم في قدرة إيران على فتح هاتين الجبهتين معا، وفي وقت قريب، خاصة وأن الوضع في العراق لا يبشّر بنهاية قريبة، بل بالعكس كل المؤشّرات تقول إن الوضع سيزداد تعقيدا، وحرب طائفيّة بدأت تدقّ طبولها، ولن تكون إيران رابحا “أكبر” فيها.

بات معروفا أن إيران حقّقت المقولة التي تقول إن كل أزمة هي فرصة. وها هي تسعى إلى إحياء مشروع الهلال الشيعي الذي يصل إيران بالبحر المتوسط من خلال استغلالها لسيطرة داعش على منطقة كانت بالأساس على خريطة الأفكار الإيرانية المحتملة.

ويستدلّ بعض الخبراء، الذين يتوقّعون أن “غرور” إيران سيعود عليها بالسلب، بالتصريح الذي أدلى به مارك بيري، الخبير العسكري ومحلل السياسات الخارجية في وزارة الدفاع الأميركية، حين قال، في تعليقه على موقف بلاده من تحرّك إيران في العراق، إن “الدور الإيراني في العراق يوفر على الولايات المتحدة الكثير من المشاكل، وكلما أطلقنا النار في العراق نصنع المزيد من الأعداء لذا فلندع إيران تفعل ذلك“.

وأضاف بيري أن “ذلك سيلقّن الإيرانيين درسا لن ينسوه، فإذا كانت إيران تريد أن تنفق مواردها الوطنية وشبابها في العراق فسيتعلمون ما تعلمناه نحن، وهو أن هذه المعركة ليست لها نهاية وليست لها حلول حقيقية، سوف تجعلهم يشعرون بالرضا، سيقتلون العديد من مقاتلي داعش، وربما سيتغلبون عليه، لكن ليس للأبد”.

وتسعى القيادات الإيرانية الناشطة في سوريا، كما في العراق، إلى استمالة القبائل العربية السنية، تحت حجة “الاتحاد لمحاربة تنظيم داعش”. وذكر تقرير المجموعة الأميركية، أن قيادات في الحرس الثوري الإيراني وجّهوا الدعوة، مؤخّرا، إلى وجهاء ثماني قبائل عربية وقادة من القوات الكردية للاجتماع في منزل زعيم قبلي عربي هو أحد أبرز المؤيدين لنظام الأسد. وادعى الضباط الإيرانيون في مقابلتهم أن القبائل العربية لن تتعرض لأي انتقام عنيف من قبل الأكراد أو النظام وحلفائه.


تطرف بتطرف


عبّرت القبائل العربية في الرقّة وحلب ودير الزور عن تخوّفها من التحالف القائم بين قوات النظام والأكراد وإيران. ويعتبر الخوف عاملا يحدّ من إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش؛ كما أنه من غير المستبعد أن يتم استنساخ هذا التنظيم من جديد مستقبلا، فيما بعد معركة الرقّة، حيث أنه طالما أن القبائل العربية السنية تشعر بالظلم والقمع، فإن ذلك سيمكّن من إيجاد أرضية خصبة للمتطرفين.

وفي السياق العام، فإن شن هجوم لقوات الأسد وحزب الله والحرس الثوري الإيراني بالتوازي مع هجوم آخر في مدينة تكريت العراقية قد يؤدي إلى هزيمة هذه القوات لنفسها بنفسها.

يجب أن يتمّ وضع هذه الحلقة المتمثلة في معركة الرقة ضمن حلقة أكبر، هي سوريا ككلّ. وحتى لو افترضنا، أنه بعد سنة أو أقل من الآن، أن نظام الأسد وحلفاءه يمكن أن يستعيدوا سيطرتهم على معظم الأراضي والمحافظات السورية التي يعتبرونها “متمردة”، فإن ذلك لن يحقّق الاستقرار لسوريا، ولن يحقق حلم إيران. لذلك، ما يحدث الآن، إذا ما تم وضعه في سياق تاريخي يمكن اعتباره مجرد معركة في حرب أطول من ذلك بكثير. ففي سوريا كما في العراق هناك شعور سائد بأن إيران تخوض حربا ضد العرب السنّة، وقد تعزز هذا الشعور بعد الجرائم التي قامت بارتكابها الميليشيات الشيعية بحقّ المدنيين السنّة في تكريت بالتوازي مع جرائمها في سوريا.

لا شك أن الحراك السياسي والعسكري الحالي يعدّ خطرا حقيقيا وأن هناك توقعات بزوال تنظيم داعش. لكن وكما، يخلص التقرير الاستخباراتي، لن يكون الأسد ولا الميليشيات الشيعية الموالية لإيران من الذين سيوقفون الظلم بحق السنة، وبالتالي، فإن النهاية التي تبحث عنها إيران، التي تعاني أزمات داخلية واقتصادية كبرى، لن تكون كما هو منتظر.

7