إيران تكمل احتلالها للعراق بالأحزاب الاسلامية!

الأربعاء 2013/07/24
زيارة نجاد للعراق مثيرة للجدل ولا تحتمل تأويلات بريئة

بغداد- أثارت الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد إلى العراق، ردود فعل متباينة من قبل الحساسيات السياسية العراقية، ففي الوقت الذي عبرت فيه كتل سياسية عن ضرورة وقف إيران لتدخلاتها بالشأن العراقي، رحبت كتل أخرى محسوبة على الحكومة بهذه الزيارة.

أقل ما يقال عن السبب الذي قدمته إيران عن زيارة الرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد إلى العراق أنه عذر أقبح من فعل. فأحمدي نجاد كان تلقى دعوة سابقة من الرئيس العراقي المغيب في المستشفى بألمانيا بسبب "موته السريري"، ونفذها في فترة تصريف الأعمال غير الملزمة للرئيس الجديد حسن روحاني، بينما طالباني مرسل الدعوة وهي بروتوكولية بحكم منصب الرئيس البروتوكولي، غائب عن الساحة، ولكن أحمدي نجاد الذي استقبله نائب الرئيس خضير الخزاعي الذي يرتبط بعلاقة تنظيمية مباشرة مع وزارة الاستخبارات، أصر عليها لإرسال رسالة لها أكثر من دلالة وستظل تربك المعنيين بالشأن العراقي وبتعقيدات العلاقة مع إيران التي بات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات يسيطران على الكثير من مفاصلها (وكلاهما خارج نطاق سيطرة الرئيس).

هاجس الغزو الإيراني للعراق

ترافقت مع زيارة أحمدي نجاد للعراق تدشين شبان عراقيين عدة صفحات على الفيسبوك ترفض حكم الأحزاب الإسلامية المدعومة مباشرة من إيران وهم يطرحون في العلن تساؤلات جدية عن مدى استقلالية القرار العراقي وأحمدي نجاد يستقبل من خضير الخزاعي الذي كون حزبه المنشق عن حزب الدعوة الرسمي بدعم مباشر من وزارة الاستخبارات وفيلق القدس قبل سقوط نظام صدام، لينشئ مع رفيقه أبو رياض المهندس (عبد الكريم العنزي) ما أصبح يعرف بـ"حزب الدعوة (تنظيم العراق)، المشارك مع باقي الأحزاب الإسلامية في منح الأميركيين الغطاء "الشعبي" لغزو العراق وتقسيم شعبه إلى مكونات وحصص وطوائف ومذاهب وعرقيات بشعار "تحرير العراق من نظام صدام".

ربما لم يخطر على بال أي عراقي أن نتيجة الغزو الانجلو أميركي للعراق ربيع عام 2003، ستكون احتلالا إيرانيا بكامل المقاييس برغم أن الغالبية العظمى من العراقيين باتوا مقتنعين حاليا أن بلادهم "محتلة" بالكامل من قبل الجمهورية الإسلامية التي حاربوها ثماني سنوات.

وينقسم العراقيون في رؤية هذه النقطة إلى ثلاث فئات، وكان التساؤل حول هذا الأمر قد قفز إلى الواجهة بقوة بين العراقيين عام 2007، عندما أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي، استعداد إيران (لسد الفراغ في العراق – مؤتمر صحفي بطهران 28-8-2007) في حال انسحاب القوات الأميركية، ما يجدد هاجس الغزو الإيراني للعراق، وبصورة أقوى مما كان عليه عام 2007، عندما تحدث به أحمدي نجاد بكل وضوح، ولا يغيب عن بال الجميع أن عدد نفوس إيران أكثر من 74 مليون نسمة، وأنها تعيش استقرارا سياسيا معقولا قياسا بأوضاع العراق الذي يبلغ عدد سكانه في حدود الثلاثين مليونا (خمس هؤلاء مهجرون داخل وخارج العراق)، كما أن مساحة إيران تزيد أربعة أضعاف مساحة العراق وتبلغ مليون وستمائة وأربعين كيلو متر مربع، أما مساحة العراق فلا تتجاوز الأربعمائة ألف كيلومتر مربع، ناهيك عن انعدام القدرات العسكرية الدفاعية في العراق، وقد يكون الدولة الأضعف في العالم في مجال القدرات الدفاعية.

الاحتلال الإيراني

لكن كيف ينظر العراقيون إلى الاحتلال الإيراني الحديث والمبرمج للعراق؟، هناك قسم كبير من العراقيين يرون أن الأميركيين الذين "حرروهم" من نظام صدام السابق، قدموا العراق إلى إيران على طبق من ذهب، بعد أن دمروا المؤسسة العسكرية العراقية، وأنهوا سلاح الجو العراقي والدفاعات الجوية وطيران الجيش، وشتتوا قدرات القوات المسلحة العراقية، من خلال اعتقال أو تهجير كبار الضباط والطيارين (واغتيالهم من قبل جماعات مجهولة)، وتبديد القدرات الاستخبارية العراقية المتخصصة بإيران، والتي تمتلك خزينا هائلا من المعلومات، التي لم تبدأ في عام 1980 عند بدء الحرب العراقية الإيرانية، بل تمتد إلى عقود سابقة، بسبب العلاقات المتوترة أصلا مع إيران منذ مجيء البعثيين للحكم الذين ثقفوا العراقيين على أن إيران هي العدو الأول للعرب وليس إسرائيل.

هذه العلاقات شهدت هدوءاً قلقا لمدة خمس سنوات بعد توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 بين الشاه وصدام، لتتردى من جديد مع وصول آية الله الإمام الخميني إلى سدة الحكم عام 1979، ولم تأمن الحكومة العراقية الجانب الإيراني رغم محاولات التقارب بعد عام 1990، حيث أرسل العراق 136 طائرة مقاتلة وعدة طائرات مدنية بقصد حمايتها في إيران، قبيل ساعات من بدء حرب الخليج الثانية التي اندلعت بتاريخ 16يناير 1991، إلا أن حدثين حصلا بعد انتهاء الحرب مطلع مارس؛ الأول اتهام الحكومة العراقية لإيران بدفع عناصر لإحداث اضطرابات بالعراق بعد توقف الحرب باسم الانتفاضة الشعبانية. والثاني رفض إيران إعادة الطائرات المقاتلة والمدنية، الأمر الذي عدته القيادة العراقية آنذاك استمرارا للحرب التي استمرت ثماني سنوات(1980 – 1988)، لذلك فإن الجهد الاستخباري لم يتوقف أو يتراجع حتى اندلاع الحرب الانجلو أمريكية على العراق بتاريخ ليلة (19/20مارس 2003).

ولأن المعلومات الإستخبارية هي الأساس في أي صراع مسلح بين الدول، فإن القناعة الراسخة عند فئة واسعة من العراقيين أن الولايات المتحدة بددت قاعدة البيانات الأستخبارية الخاصة بإيران، يضاف إلى ذلك عمدت أميركا إلى تشكيل القوات المسلحة العراقية على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية(لصالح إيران)، التي لا يمكن لها النهوض بمسؤولية الدفاع عن البلد، وتجد هذه الفئة من العراقيين أن الولايات المتحدة قد مهدت الأجواء للإيرانيين لغزو العراق الذي يفتقر إلى أية قوة عسكرية تدافع عنه من كل النواحي، وخير مثال على ذلك احتلال إيران حقل الفكة النفطي في محافظة العمارة (بتاريخ 18 -12-2009) والقصف الذي تكرر كثيراً على المناطق الحدودية في أربيل والسليمانية، دون أن تتحرك القوات الأميركية في الرد على هذه الاعتداءات.

وهناك قسم من العراقيين يعتقدون أن إيران ليست بحاجة لاحتلال الأراضي العراقية احتلالا عسكريا، بعد أن بسطت سيطرتها على مقدرات العراق الاقتصادية والسياسية من خلال سيطرتها عبر رجالها العراقيين على كامل العملية السياسية الحالية، وإذا كان الأميركيون هم من وضع الإطار العام للعملية السياسية بعد عام 2003، فإن الإيرانيين هم من استحوذ و بقوة على جوهر وأطراف هذه العملية، وأن الرؤوس الكبيرة في الحكومة والبرلمان، لا يتم تعيينها بدون موافقة طهران ، كما أن إيران فرضت رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي فرضاً (كما أعلن ذلك منافسه على رئاسة الوزارة أياد علاوي في مقابلة معه).

من هذا المنطلق، يقر هذا القسم من العراقيين باحتلال إيران للعراق، لكن بدون قوات مسلحة تزج بها في الأراضي والمدن العراقية، وبدون شك أن هذا النوع من الاحتلالات، قد يكون أخطر وأشرس من الاحتلال العسكري، لأن الأخير قد لا يطول لعقود، إلا أن الاحتلال الحاصل على أرض العراق قد يستمر لعقود، خاصة بعد التوظيف الإيراني الذكي لجميع أقطاب العملية السياسية، ووضعهم تحت عباءتها بصورة مباشرة، وضع البعض الآخر تحت عباءة الذين يقبعون تحت عباءتها، والقلة الباقية عبارة عن اتباع ضعفاء، ومهمة هؤلاء جميعا تتمثل بالعمل بقوة لتجذير طريقة الحكم الحالية في العراق، بأسسها التقسيمية الطائفية والعرقية.

معاداة" الشيطان الأكبر"

لكن توجد فئة من العراقيين يتفقون مع الفئتين السابقتين مئة في المئة، إلا أنهم يراهنون على عاملين اثنين، قد يحولان دون نجاح إيران في احتلالها العراق عسكريا، ولا يرون مستقبلا لغزوها غير المباشر للعراق، من خلال تجييش العملية السياسية بجميع أطرافها لخدمة مشروعها ومخططاتها، وهذان العاملان هما:

أ- الوعي الجمعي عند العراقيين، الذي يتنامى بطريقة سريعة خلال الفترة الأخيرة، إذ يدرك العراقيون أن المنظومة السياسية التي صنعها الأميركيون في العراق، لم تجلب لهم إلا الويلات من تشريد وجوع و قتل وخراب شامل، وأن العملية السياسية ومنظومتها الحكومية لا تخدم العراق، وأن دول الجوار لم تبادر بإنقاذ العراقيين من الجحيم الذي يغرقون به، وإذا كان الحنق العراقي يشمل غالبية دول جوار العراق، فإن الانتقادات الموجهة إلى إيران تقف في المقدمة، لأن العراقيين يدركون سطوة القيادة الإيرانية على المسؤولين العراقيين، إلا أن هذه السطوة لم تتحرك لوقف السرقات اليومية من ثروات العراقيين، التي يقدرها الخبراء بمئات المليارات .

كما أن إيران لم تضغط على الحكومة والبرلمان لتوفير أبسط الخدمات للعراقيين مثل الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، وإذا اعتقد العراقيون أن أميركا صاحبة القول الفصل بالعراق في بداية الغزو، فإن القناعة الآن عند العراقيين، تذهب باتجاه أن إيران هي صاحبة القول الفصل بالنسبة للحكومة والبرلمان في العراق، وإذا يصمت العراقيون ولا يتوجهون باللائمة على أميركا، فثمة أكثر من سبب ودافع، يجعل المجتمع العراقي يتوجه بالانتقاد الحاد للسلوكيات الرسمية الإيرانية إزاء ما يحصل في العراق من مسلسل الجحيم والكوارث المستمرة في هذا البلد، ويقف في المقدمة من هذه الفئة، الذين اعتقدوا أو صور لهم البعض، أن الإيرانيين حريصون عليهم وعلى رفاهيتهم، لكن اتضح أن الإيرانيين يغذون الجحيم العراقي الذي يصلي الجميع وبدون استثناء، مهما كان عنوان هؤلاء وأولئك، أما الأميركيون فهم غزاة محتلون ولا عتب عليهم تحت أي ظرف أو مسمى.

ب – أن المنظومة السياسية وما أنتجت من حكومات فاسدة منذ عام 2003، تثبت كل يوم فشلها وتتسع رقعة رفضها من العراقيين، لذلك فإن الأطراف أو الدول، التي تعول على استمرار هذه المنظومة بالعناوين والأطر، التي تسير عليها، إنما تراهن على حصان خاسر، إذ أن نار هذه المنظومة السياسية لم تترك فئة أو رقعة جغرافية عراقية دون أن تكتوي بها، وبدون شك، فإن انهيار هذه المنظومة، يعني فشل مشاريع دول الجوار، التي دعمت العملية السياسية في العراق بصورة أو بأخرى منذ عام 2003 وحتى الآن، وكان لإيران الحضور الأكبر في هذا الدعم، لدرجة أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وصف المعارضين والمناهضين للعملية السياسية في العراق بـ(الفاسدين والمفسدين).

وفي محاولة لدعم السياسيين الحكوميين ببغداد، تجاوز أحمدي نجاد جميع الانتقادات التي وجهت له، وسافر إلى بغداد ووصل العاصمة بغداد مرة تحت حماية القوات الأميركية وبات ليلته فيها (زيارة أحمدي نجاد إلى بغداد 3 مارس 2008 ، وفي الثانية يوم 19 يوليو 2013 بحماية رجال المخابرات الأميركية المنتشرين في كل العراق)، ولم يبال أحمدي نجاد لانتقادات الذين وجدوا تناقضا صارخا بين شعارات إيران المعادية (للشيطان الأكبر)، والمباركة بقوة واندفاع لمنتج الشيطان الأكبر في العراق إذ قدمت الحكومة الإيرانية التهنئة والتبريكات لمجلس الحكم الذي شكله الحاكم الأميركي بول بريمير في 13 يوليو 2003، وبهذا فإن هذه الفئة من العراقيين تجد في النتائج الكارثية للاحتلال ولعمليته السياسية، نافذة قوية لتعزيز الوعي المجتمعي لردع أي مشروع إيراني لغزو العراق، سواء كان بالقوة المسلحة أو باستمرار تبعية الحكومة وكامل العملية السياسية لسلطات إيران.

كما أن العراقيين بصورة عامة، لا يسقطون خيار الدفاع عن بلدهم، أمام أي غزو خارجي إيراني أو غيره، خاصة بعد سقوط الأقنعة واتضاح الحقائق، وتأكد أبناء الرافدين من وجود طامعين ببلدهم وثرواتهم، ولا يتقدم على المصالح أي اعتبار آخر على الإطلاق، وسقوط جميع الأقنعة خلال سنوات الاحتلال الأميركي للعراق يقف في مقدمة ذلك، ولاشك أن ما جرى في العراق أسقط وإلى الأبد المتاجرة بشعارات معاداة (الشيطان الأكبر).

لا لحكم الأحزاب الإسلامية

وفي هذا الواقع تنتشر على صفحات الفيسبوك دعوات بريئة ترفع بجرأة شعار: لا لحكم الأحزاب الإسلامية.

وكتب شبان على إحدى هذه الصفحات التي أشارت بوضوح إلى عدم إلتقاء الدين بالسياسة ما نصه: ( ما ضلت شهور قليلة على الانتخابات البرلمانية القادمة… حاول تحفظ الأحداث الحالية من تفجير وقتل وإرهاب وكواتم وهروب من السجون وفساد وسرقة مال عام وانعدام خدمات حتى نشوف رح ترجع تنتخب نفس الأحزاب الإسلامية الجاثمة على صدورنا من عشر سنين ؟)

وقالت صفحة فيسبوكية: ( تجاوزنا الألف مدني… سنتجاوز المليون… سننزل إلى الشوارع قريبا… سنكنس عن مدننا وقرانا الخراب والجهل، شبابنا… الأنقياء… الضاحكون… "الحشاشة"… لا تسمحوا بتسلطهم عليكم… يستغلون إيمانكم لسرقتكم… لا يعرفون أن الشاب منكم أكثر إيمانا… من عشرين منهم.

عطلة سعيدة… بانتظار عطل أخرى تقضونها في النوادي والكافتيريات والأسواق كما تريدون… بدون من ينغصها عليكم)، التوقيع: لا لحكم الأحزاب الإســلامية.

12