إيران تلوح بورقة الإعمار بحثا عن دور في موصل ما بعد داعش

مدينة الموصل بموقعها الاستراتيجي تظل مغرية للقوى الإقليمية المحيطة بالعراق، والتي تريد أن يكون لها دور فيها خلال مرحلة ما بعد داعش، وهو ما شرعت إيران فعليا بالعمل عليه متّخذة من ملف إعادة الإعمار مدخلا لذلك، رغم أنّ طهران نفسها متهمة بالمساهمة في تدمير المدينة.
الاثنين 2017/07/17
إيران تريد البناء على خبرتها الطويلة بالاستثمار في مآسي العراقيين

الموصل (العراق) - استهجنت أوساط سياسية عراقية ما أسمته “المزايدة” الإيرانية بشأن ملف إعادة إعمار مدينة الموصل العراقية التي لحق بها دمار كبير بفعل الحرب على تنظيم داعش والتي دارت على مدار قرابة التسعة أشهر.

وقال نائب بالبرلمان العراقي، إنّ إعلان طهران عن استعدادها المشاركة في جهود إعادة إعمار الموصل “مجرّد مزايدة الهدف منها تهدئة خواطر الموصليين المشحونين بالغضب من إيران ومن الطبقة السياسية العراقية الموالية لها، كون تلك الطبقة هي من سهّلت دخول داعش للمدينة صيف سنة 2014، وهي ذاتها التي قادت حرب استعادتها من التنظيم بذلك الأسلوب التدميري الأقرب إلى الانتقام”.

واعتبر النائب الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنّ أي دور لإيران في الموصل في مرحلة ما بعد داعش سيكون مرفوضا، وأنّ محاولة فرض ذلك الدور من قبل حكومة بغداد سيكون عامل تعطيل لجهود إعادة الأمن والاستقرار للمدينة.

وكان النائب يرد بذلك على إعلان وزير الصناعة والمناجم والتجارة الإيراني محمد رضا نعمت زاده، الأحد، عن استعداد بلاده للمشاركة في إعادة إعمار مدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال العراق.

ويحمّل عدد كبير من العراقيين حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، والذي يعتبر حليفا كبيرا لإيران، المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن دخول داعش إلى الموصل، مذكّرين بأنّ القوات المسلّحة التي انهارت بشكل مريع وانسحبت أمام زحف بضعة مئات من مسلحي داعش تاركة تحت تصرّفهم كما كبيرا من أسلحتها، كانت تحت الإمرة المباشرة للمالكي الذي شغل أيضا منصب القائد العام للقوات المسلّحة.

كما يتهمون المالكي أيضا باتباع سياسة تمييزية على أسس طائفية هيّأت الأرضية للتطرّف وساعدت في ظهور داعش واحتلاله لما يتجاوز ثلث مساحة العراق.

كذلك لا يبدي سكاّن المناطق التي دارت فيها الحرب على تنظيم داعش، ومن بينها الموصل، رضاهم عن طريقة إدارة تلك الحرب والاستعانة خلالها بالميليشيات الشيعية والتعويل على كمّ هائل من الكثافة النارية لا يناسب حرب المدن، ما يفسّر كثرة الضحايا بين المدنيين وهول الدمار الذي لحق بالبنى التحتية والمرافق العامّة والخاصّة.

إعادة إعمار العراق فرصة لتصويب المسار غير السوي الذي اتخذته علاقة البلد بمحيطه العربي وربط بغداد بالعواصم العربية

ويفسّر الموقع الاستراتيجي لمدينة الموصل حدّة التنافس الإقليمي والدولي على القيام بدور فيها خلال فترة الحرب على داعش، والذي سيتواصل بعدها.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” عن الوزير نعمت زاده، قوله، إن “إيران تمتلك خبرات جيدة في مجال الإنشاء، ومستعدة لوضع خبراتها تحت تصرف الجانب العراقي”.

وأشار إلى أن “العراق بحاجة إلى إعادة الإعمار والتطوير لا سيما في القطاعات الهندسية والبناء”.

كما أكد “استعداد بلاده لدعم العراق في مجال إنشاء البنية التحتية، لا سيما مد شبكات الماء والكهرباء وبناء الأرصفة البحرية والمنشآت العامة والترفيهية وغيرها”.

وستكون عملية إعادة الإعمار وتنشيط الدورة الاقتصادية في المناطق المتضرّرة من الحرب جزءا أساسيا مكمّلا للجهد العسكري في بسط الأمن والاستقرار، لكن العراق المنهك اقتصاديا وماليا جرّاء تراجع أسعار النفط واستشراء الفساد وثقل فاتورة الحرب، سيصطدم بقلّة الإمكانيات الضرورية لذلك، ما يجعل الأنظار تتجه إلى دول عربية غنية للمساهمة بفعالية في إعادة إعمار البلد، الأمر الذي سيكون أفضل بوابة لتصويب المسار غير السوي الذي اتخذته علاقة العراق بمحيطه العربي، حيث سيمثّل فرصة لإعادة ربط البلد بالدول العربية بعد فترة من ارتباطه الكبير بإيران عن طريق الطبقة السياسية الممسكة بمقاليد الحكم في بغداد.

ويجزم الخبراء الاقتصاديون أنّه لن يكون بإمكان إيران التي تعرف بدورها مصاعب اقتصادية ومالية جرّاء العقوبات المفروضة عليها، مجاراة بلدان عربية مثل المملكة العربية السعودية في تقديم دعم مادي للعراق إذا اتجهت الرياض إلى الانخراط بقوّة في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب على داعش.

وتلوح مرحلة ما بعد التنظيم في الموصل صعبة، ومثيرة للقلق نظرا للخلافات العميقة حول الطريقة المثلى لإدارة محافظة نينوى بطريقة تجنّبها الوقوع مجدّدا في مطبّ الانهيار الأمني.

وأبدى شيوخ ووجهاء من مدينة الموصل، مخاوفهم من تدهور الأوضاع الأمنية في المدنية، وأبلغوا نائب الرئيس العراقي إياد علاوي قلقهم من تزايد التدخلات الخارجية وتعدد الجهات الحاملة للسلاح.

وتمّ الكشف عن ذلك في بيان للمكتب الإعلامي لعلاوي بعد لقاء جمع الأخير مع وفد من وجهاء وشيوخ الموصل، وجرى خلاله بحث أوضاع المدينة وسبل إيجاد الحلول الكفيلة بمواجهة المشاكل والتداعيات في مرحلة ما بعد داعش.

وناشد الشيوخ والوجهاء علاوي -بحسب البيان ذاته- “التدخل لدى الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي والأمم المتحدة، لمواجهة تلك التهديدات، وضمان عودة النازحين، وتطبيع أوضاعهم، وبسط الأمن والاستقرار في الموصل”.

ونُقل، الأحد، عن خبير عسكري عراقي قوله إنّ هناك عدم وضوح بالنسبة لإدارة الملف الأمني بالموصل، خلال مرحلة ما بعد استعادتها من داعش، وهذا قد سيعقّد الوضع الأمني لاحقا.

وقال خليل النعيمي العقيد المتقاعد من الجيش العراقي لوكالة الأناضول، إن “قيادة العمليات المشتركة مطالبة بإعلان الخطة الأمنية الخاصة بإدارة الموصل لمرحلة ما بعد داعش، حتى يطمئن الأهالي للوضع الأمني في مدينتهم”.

وأضاف أن “الشرطة المحلية في الموصل، يجب أن تتولى إدارة المسؤوليات الأمنية بشكل سريع، على أن يتم تقليص التواجد العسكري للجيش في داخل المدينة”.

وشدد على ضرورة “عدم السماح بتنفيذ أعمال انتقامية ضد المتهمين بدعم داعش، وضرورة أن تتولى القوات الأمنية دون سواها مهمة الاعتقال والتحقيق”.

3