إيران تنقض وعودها لسوريا بتوفير النفط بخصم كبير

الثلاثاء 2013/08/13
الأزمة الاقتصادية السورية مرشحة للتفاقم إذا ابتعدت طهران عن دمشق

طهران- كشفت مصادر إيرانية مطلعة لـ"العرب" أن إيران تراجعت عن وعودها بتوفير النفط لسوريا بسعر يقل عن 30 بالمئة عن الأسعار التي تبيع بها نفطها للزبائن الآخرين. وقرأ المحللون في ذلك تحولا في سياسة طهران في وقت يستعد فيه البرلمان الإيراني لمنح الثقة للحكومة الجديدة.

قالت مصادر إيرانية مطلعة لـ"العرب" إن طهران نقضت وعودها لدمشق بتوفير النفط والمشتقات بأسعار تفضيلية، في تحول كبير يكشف عمق الأزمة الاقتصادية التي تعانيها إيران بسبب العقوبات.

الوقوف في الطوابير.. «عمل» جديد للفقراء السوريين
دمشق- في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية السورية وخاصة طول الطوابير للحصول إلى السلع الأساسية، ظهرت وظيفة جديدة للفقراء السوريين هي الوقوف في الطوابير نيابة عن الآخرين مقابل بعض الأموال القليلة. فقد أدت البطالة والفقر وتفاقم الحاجة لمصادر الدخل الى انتشار مهن جديدة، يلجأ اليها الفقراء للحصول على نقود قليلة لتأمين مستلزمات حياتهم، وتجنب البطالة والتسول. من المهن الجديدة مهنة بيع الدور بعد أن أصبحت الطوابير صفة ملازمة للكثير من ضروريات الحياة، كالخبر والوقود وأسطوانات الغاز وحتى لدفع فواتير الكهرباء والهاتف.

وتصل طوابير المصطفين أمام المخابز أحياناً لمائة متر، وقد ينتظر المواطن لساعات ليحصل على الخبز، بعد أن تم تدمير نسبة كبيرة من الأفران في ريف دمشق، أو أن القوات العسكرية منعت عنها الطحين كعقوبة لسكان بعض المناطق التي تحتضن المعارضة المسلحة المناوئة للنظام، وتحوّل الطلب إلى مخابز دمشق، وبدأت أزمة انتظار الوصول إلى كوة الشراء. لكنك إن كنت مستعداً للدفع لآخرين، فإنك ستجد أطفالاً أو شباناً جاهزين لبيع دورهم في الطوابير. ويرتفع السعر كلما كان صاحب الدور أقرب لكوة الشراء، ويمكن أن تطلب من آخرين امتهنوا هذا العمل أن يقفوا بدلاً عنك بالدور وتعود بعد ساعة أو ساعتين لتأخذ مكانه بعد أن يكون قد اقترب من "طاقة الفرج".

ويبدو الوضع أكثر سوءا في حلب، حيث تطول الطوابير للحصول على الخبز والسلع الأساسية، وما يصاحبها من مخاطر تنتج أحيانا عن تدخل عناصر الشرطة التي تقوم بتنظيم الدور. وتقوم أحيانا بإطلاق النار في الهواء على خلفية عراك بعض المواطنين، أو لردع اعتراضات البعض أخذهم كميات كبيرة دون الوقوف بالطابور. ويمكن للمستعدين لدفع ثلاثة أو أربعة أضعاف ثمن الخبز أن يجدوا من يقف بدلا عنهم لعدة ساعات أو حتى ايصال الخبز إلى منازلهم. تأمين اسطوانات الغاز لا يقل صعوبة عن تأمين الخبز، ويقف المواطنون في طوابير انتظار الغاز قبل طلوع الشمس لحجز دور لهم، ويطول الانتظار أحياناً عشر ساعات، دون الحصول على الغاز أحيانا. لكن هناك الكثير من الشباب الجاهز للوقوف في الطابور مقابل نحو 5 دولارات عن كل أسطوانة ثمناً للوقوف لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة. البنزين مشكلة أخرى، فلا يمكن ترك السيارة أمام محطة الوقود مع غريب لينتظر الدور، ومن الصعب إيجاد من يمكن الوثوق به لهذا الحد. لكن يمكن إيجاد من يقف بدلا عنك ليحمل الوعاء الفارغ سعة 20 ليترا، ليملأه لك وأنت تقف بسيارتك في مكان آخر مقابل 5 دولارات إضافية. لا يختلف الأمر عند الوقوف لدفع فاتورة الهاتف، الذي يتطلب الانتظار لعدة ساعات، ليأتي دور المنقذ، بائع الدور، الذي "يعمل" في دفع فواتير الآخرين.

وتوقعت المصادر أن يكون لذلك تبعات كبيرة على مستقبل العلاقات بين الحليفين وعلى قدرة سوريا على الصمود بوجه أزمة اقتصادية طاحنة وعلى مستقبل الصراع في سوريا المستمر منذ نحو عامين ونصف.

وكشفت المصادر لـ "العرب" أن طهران أبلغت دمشق أنه يمكنها مواصلة شراء النفط الإيراني بخصم قيمته 10 بالمئة فقط عن الأسعار التي تبيع بها نفطها للزبائن الآخرين، منسحبة بذلك من وعود سابقة بمنحها خصما يبلغ 30 بالمئة. ويعني ذلك أن على سوريا أن تدفع أسعارا قريبة جدا من الأسعار التي تتقاضاها طهران من زبائنها الآخرين.

ورأى محللون في ذلك تحولا في السياسة الايرانية في وقت يصوت فيه البرلمان على الحكومة التي أعلن عنها الرئيس المنتخب حسن روحاني ويغلب عليها المعتدلون والكوادر المتخصصة البعيدة عن التيار المتشدد في طهران الذي يميل إلى تأييد نظام الرئيس بشار الأسد بأي ثمن.

وكشفت المصادر أن المسؤولين السوريين قدموا احتجاجات لشركة النفط الوطنية الايرانية على عدم استقطاع الخصم المتفق عليه والذي يبلغ 30 بالمئة عن احتساب أسعار الشحنات الأخيرة التي تم توريدها إلى سوريا، لكن طهران لم تعر اهتماما للاحتجاجات السورية.

وتؤكد المصادر أن دمشق لا تبدو قادرة على التأثير على القرار الإيراني، وأن علاقات الصداقة بين الجانبين بدأت تتحطم تحت ضغط العقوبات الاقتصادية التي يرزح تحتها البلدان.

ويرى مراقبون أن الحكومة الايرانية الجديدة وضعت ضمن أولوياتها تحسين الوضع الاقتصادي الداخلي ومعالجة قضية الحصار والعقوبات الدولية المفروضة عليها، وأن إيران تبدو منقسمة بعد تسلم روحاني مقاليد الرئاسية بين معسكرين.

وهناك إشارة إلى أن الرئيس الجديد يميل لإنقاذ الاقتصاد الايراني المتداعي والتوصل إلى إتفاق مع القوى الغربية لتخفيف العقوبات، في حين يميل المعسكر المتشدد الى ارتباط مستقبل النظامين في دمشق وطهران ويصرون على مواصلة دعم النظام السوري.

ويعاني الاقتصاد السوري من أزمة خانقة بسبب تداعيات الحرب الأهلية، التي أدت إلى فقدات العملة المحلية لنحو 80 بالمئة من قيمتها. كما يعاني من نقص شديد في الوقود بسبب سيطرة المعارضة على معظم المناطق التي تضم حقول النفط السورية.

ويرى مراقبون أن نقض طهران لوعودها لدمشق سيقطع الشريان الوحيد الذي يزودها بأسباب الحياة في ظل تلاشي احتياطات الحكومة السورية من العملات الأجنبية. ومن المتوقع أن يقلب التحول الإيراني موازين القوى في الحرب الأهلية السورية.

10