إيران تهدد رئيس الوزراء العراقي من وراء ستار "عصبة الثائرين"

اختباء الميليشيات الخاضعة لإيران خلف تشكيل وهمي يمهد لتصعيد جديد ينهي الآمال المعلقة على إمكانية أن تنجز الحكومة العراقية تهدئة مؤقتة بين واشنطن وطهران.
الجمعة 2020/06/19
إخفاء الملامح لا يمحو الهوية

إيران التي تراقب محاولة حكومة بغداد الجديدة للابتعاد بشكل تدريجي عن دائرة نفوذها وهيمنتها، لا تملك الكثير من الوسائل لعرقلة نشوء واقع سياسي مختلف في العراق سوى خلط الأوراق الأمنية وزعزعة الاستقرار الهش في البلد باستخدام الميليشيات الشيعية، وإن استدعى الأمر اختراع غطاء جديد لها لحمايتها من الغضب الأميركي.

بغداد- يوشك ربيع التهدئة بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وجماعات عراقية مسلّحة موالية لإيران على النهاية، مع وصول التصعيد بين الطرفين إلى مستوى غير مسبوق.

ومنذ نهاية الجولة الأولى للحوار بين العراق والولايات المتحدة بشأن تنظيم العلاقات بين البلدين في الحادي عشر من الشهر الجاري، تحولت وسائل الإعلام العراقية الممولة من قبل الحرس الثوري الإيراني، إلى مهاجمة حكومة الكاظمي واتهامها بالعمالة الخارجية.

ويمول الحرس الثوري الإيراني العشرات من المحطات الفضائية العراقية والمواقع الإخبارية ووكالات الأنباء، في محاولة للتأثير على الرأي العام العراقي، من خلال شن حملات منسقة، بقيادة وتوجيه من خبراء لبنانيين على صلة بحزب الله.

وجاءت الحملة الإعلامية الإيرانية الأخيرة ضد الكاظمي بالتزامن مع سلسلة استهدافات صاروخية طالت مواقع على صلة بمصالح الولايات المتحدة في العراق، مثل السفارة الأميركية ببغداد، ومعسكر التاجي شمال العاصمة.

وأكدت خلية الإعلام الأمني، التابعة لقيادة العمليات المشتركة، وهي أرفع تشكيل عسكري في البلاد سقوط أربعة صواريخ من نوع كاتيوشا فجر الخميس داخل المنطقة الخضراء ببغداد دون خسائر بشرية أو مادية.

مصطفى الكاظمي: لا تهاون مع مطلقي الصواريخ ومهددي استقرارنا ومستقبلنا
مصطفى الكاظمي: لا تهاون مع مطلقي الصواريخ ومهددي استقرارنا ومستقبلنا

وقال ساسة ومسؤولون عراقيون يسكنون المنطقة الخضراء إن أحد الصواريخ سقط قرب السفارة الأميركية، فيما أكدوا انطلاق صافرات الإنذار لحظة اقتراب الصواريخ من أهدافها.

وقبل ذلك بأيام تعرضت قاعدة التاجي شمال بغداد، التي تستضيف قوات أميركية، إلى هجومين صاروخين منفصلين، لم يسفرا عن خسائر.

وتبنت جماعة مجهولة، تدعى عصبة الثائرين، سلسلة الهجمات الصاروخية التي استهدفت المنطقة الخضراء ومعسكر التاجي، ونشرت تسجيلات مصورة لها، لكن مختصين تقنيين قالوا إنها مفبركة أو قديمة.

ويقول مراقبون إن “عصبة الثائرين”، هي تشكيل جديد يضم ممثلين عن الميليشيات العراقية الخاضعة لإيران، مثل كتائب حزب الله وحركة عصائب أهل الحق وسرايا الخرساني وكتائب الإمام علي وكتائب سيد الشهداء وغيرها. وخلقت الميليشيات الإيرانية هذا التشكيل الجديد لتتستر خلفه، وتنفذ من خلاله جميع خططها.

ومنذ مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني ومساعده العراقي أبومهدي المهندس مطلع العام في غارة أميركية قرب مطار بغداد توارى زعماء الميليشيات العراقية الخاضعة لطهران عن الأنظار خوفا من استهدافهم.

وأقرت وسائل إعلام إيرانية بأنّ عصبة الثائرين هي “تشكيل مقاوم جديد” أعلن مسؤوليته عن “العديد من العمليات المعادية لأميركا في العراق”.

ويقول مراقبون إن اتباع إيران وحلفائها في العراق هذا التكتيك الذي يقوم على الاختباء خلف مسميات وهمية لمشاكسة مصالح الولايات المتحدة، يمهد لمرحلة جديدة من التصعيد وينهي الآمال المعلقة على إمكانية أن تنجز حكومة الكاظمي تهدئة مؤقتة بين واشنطن وطهران.

وعلى الرغم من امتلاك إيران لقوّة في الداخل العراقي مؤلّفة من عشرات الميليشيات الشيعية، إلّا أنّ استخدام تلك الميليشيات بشكل فاعل وعملي ضدّ القوات الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية يبدو بلا أفق، ما يجعل دور تلك الميليشيات مقتصرا في الوقت الحالي على توجيه رسائل التهديد لواشنطن والضغط على الحكومة العراقية الجديدة بقيادة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي كي لا يذهب بعيدا في توطيد العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن التي شرعت بالفعل في إعادة صياغة تلك العلاقة من خلال حوار معمّق مع بغداد بدأ في الحادي عشر من الشهر الجاري.

وتدرك إيران جيّدا أنّ الولايات المتّحدة لا تحاور العراق لتقليص علاقاتها معه والحدّ من حضورها السياسي وتأثيرها الأمني في ساحته، بل لأجل إيجاد صيغة أقل تكلفة للحفاظ على مصالحها بشكل مستدام.

كما تدرك طهران تراجع تأثير الورقة الأمنية التي عملت على تقويتها من خلال إنشائها ما يشبه الجيش الرديف المكوّن من العشرات من الميليشيات، في مقابل تعاظم دور الورقة الاقتصادية والسياسية التي تمتلكها واشنطن في الوقت الحالي، فيما تفتقر إليها طهران بشكل كامل نظرا لأزمتها المالية والاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن شدّة العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتّحدة، وزادها تعقيدا تراجع أسعار النفط وتعطّل دواليب الكثير من الأنشطة الاقتصادية بسبب جائحة كورونا.

وكانت قيادة العمليات العراقية المشتركة قد وصفت بالإرهابية عملية القصف الصاروخي التي طالت معسكر التاجي قبل أيام، وهو ما اعتبره مراقبون تطورا لافتا في الخطاب الحكومي إزاء هذه الجماعات. وتعهدت القيادة بأنها ستطارد الفاعلين، لتعلن بعد يومين أنها أمسكت بعدد منهم.

وأنذر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الخميس، الجهات التي أطلقت صواريخ باتجاه المنطقة الخضراء متوعّدا بعدم التسامح معها، معتبرا أن هدف مطلقي الصواريخ هو
“تهديد استقرارنا ومستقبلنا وهو أمر لا تهاون فيه”. وأكّد في تغريدة عبر تويتر:

ويراهن كثيرون على أن الكاظمي، القادم من خلفية مخابراتية والمتهم بمساعدة الولايات المتحدة في التخطيط لقتل سليماني والمهندس، يمتلك أفضل وصفة لكبح جماح الميليشيات المنفلتة والسيطرة على السلاح السائب لكنه حتى الآن لم يظهر مؤشرات واضحة في هذا الاتجاه.

لكن الفريق الداعم للكاظمي يقول إنه يتفهم استعجال المراقبين للتحول المنشود في سياسة الحكومة العراقية من الخضوع التام لإيران وسياساتها إلى العلاقة الندية بين دولتين تقوم على أساس المصالح المشتركة.

ويرى هذا الفريق أن اختباء الميليشيات الخاضعة لإيران خلف تشكيل وهمي في هذه المرحلة، يكشف عن قلقها الشديد من تصفية نفوذها، أو وضعها ضمن دائرة الخصومة العلنية للدولة ما يقضي على جميع فرصها في التواصل مع الجمهور وتحفيزه لدعمها.

3