إيران حين تعزل شعبا كاملا عن العالم.. ما هي الدروس لأنظمة دكتاتورية أخرى

النظام الإيراني يقطع الأنترنت ويطلق يد الحرس الثوري ضدّ المتظاهرين عوض أن يسمع مطالبهم.
السبت 2019/11/23
النظام الإيراني عجز عن إسكات صوت المحتجين فقطع الإنترنت

فرانك باجاك

عزل النظام الإيراني شعبه عن العالم، بقطع شبكة الإنترنت والاتصالات على مدى أربعة أيام. أغلقت الحكومة النافذة التي يطلّ العالم منها على الإيرانيين الذين خرجوا للشوارع احتجاجا على إعلان الحكومة المفاجئ الرفع في أسعار الوقود بنسبة 50 بالمئة على الاستهلاك الشهري.

لكن، في سياق مشابه لما حدث في نهاية سنة 2017، تطورت المظالم المعلنة للمحتجين من عدم الرضا الاقتصادي إلى دعوات صريحة ضد الحكومة والنظام برمته. وأعلن المحتجون رفضهم لإنفاق الأموال العامة على تدخلات النظام الإقليمية وتحويله لأموال الإيرانيين لدعم الميليشيات في العراق ولبنان واليمن. 

وعوض أن يسمع النظام أصوات الغاضبين، وتحاول الحكومة تقديم تنازلات، استعمل النظام نفس أساليبه في التعامل مع غضب الشارع. وتم إغلاق شبكات الإنترنت وأطلقت يد الحرس الثوري. واعتبر محللون حجب الإنترنت في البلاد التي يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة علامة فارقة في الجهود التي تبذلها الحكومات الاستبدادية لفرض رقابة على شبكة الاتصال العالمية.

وفرضت حكومات أخرى مثل إثيوبيا هذه العزلة على مواطنيها لفترة أطول. وتسلط روسيا المزيد من السيطرة على الإنترنت. لكن، يرى الخبراء أن هذه التدابير لا تساوي التعقيد اللوجستي في إيران. وقال مدير الأبحاث في مجال التكنولوجيا والديمقراطية في مجموعة فريدوم هاوس لحقوق الإنسان، أدريان شهباز، إن حكومة طهران تتبع خطوة يائسة للسيطرة على شبكات الاتصال والتواصل في البلاد لضمان احتكارها للمعلومات المتدفقة.

حاولت إيران وضع حد للمظاهرات في 100 مدينة وبلدة. بعد زيادة أسعار البنزين، هجر المتظاهرون السيارات على طول الطرق السريعة الرئيسية وانضموا إلى الاحتجاجات الشعبية في طهران وغيرها من المدن الإيرانية. وتطورت بعض الاحتجاجات إلى أعمال عنف.

يمكن للحكومة الإيرانية أن تعطل الوصول إلى الشبكة أو تمنعه ​​لأن هناك بوابتين رئيسيتين فقط، وتعرف باسم التبادلات. وتربط البوابتان الشبكة المحلية بالإنترنت العالمي، وتسيطر الحكومة على كليهما.

وعلى عكس الصين، التي فرضت سيطرة مركزية على الإنترنت منذ فترة طويلة، نجح الإيرانيون في تكوين شبكة إنترنت لا مركزية، لكن السلطات نجحت في السيطرة عليها تدريجيا في أعقاب الاحتجاجات على الانتخابات الرئاسية سنة 2009 التي شكك المعارضون في نزاهتها.

 ووفقا لمجموعة نت بلوكس المستقلة التي تراقب الوصول إلى الإنترنت في جميع أنحاء العالم، وصل اتصال إيران بشبكة الإنترنت العالمية إلى 15 بالمئة. وحدّدت نت بلوكس خسائر قدرها 300 مليون دولار بسبب حجب الإنترنت في إيران، معتمدة حصة قطاع تكنولوجيا المعلومات الإيرانية من الناتج المحلي الإجمالي في حساباتها.

وضع مخيف للنظام
وضع مخيف للنظام

ومع بعض الثغرات، بقيت شبكة المعلومات الوطنية مفتوحة، حيث استثمرت السلطات فيها بكثافة في السنوات الأخيرة. وتعدّ هذه الشبكة بمثابة إنترنت محلية مغلقة يمكن عزلها عن بقية العالم. ويسمح هذا النظام للبنوك والهيئات الحكومية والجامعات بمواصلة عملها. وحافظت بعض المؤسسات، مثل البنك المركزي، على قدرتها على الوصول إلى الإنترنت العالمي حتى مع حجب الشبكة عن المواطنين العاديين.

كان الضرر الاقتصادي ليبرز أكثر لو لم تكن إيران مشلولة بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها. وقالت الطالبة في معهد أكسفورد للإنترنت والناشطة في مجموعة “المادة 19” الحقوقية، ماشا اليمردني، إن جهود الحكومة الهادفة لتطوير بدائل محلية لخدمات الإنترنت الغربية لم تكن ناجحة.

وشملت البدائل إصدارا محليا لتطبيق ويز للمواقع التابع لغوغل وتطبيق سروش للتواصل الاجتماعي. لكن، يميل الإيرانيون إلى تجنب مثل هذه التطبيقات، حيث يشكّون في أن الشرطة والمخابرات تراقبها. ولا ينطبق الأمر نفسه في الصين أين ازدهرت التطبيقات المحلية مثل وي تشات للمراسلة الحرة والتجارة وخدمات الدفع.

وانتقلت الحكومة الإيرانية إلى محاولة حجب تطبيق تيليغرام في سنة 2018، لكنّ الإيرانيين وجدوا طرقا للتحايل على هذه الرقابة، وحدث الأمر نفسه في روسيا. وتستخدم برامج الشبكات الخاصة الافتراضية لمحاولة إحباط الرقابة الحكومية، لكنها لا تنجح دائما.

لذلك، يتوقع الخبراء أن تبذل الحكومات مزيدا من الجهود للسيطرة على الإنترنت، مما سيؤدي إلى تدمير الشبكة التي صممت لتكون مفتوحة. وتتحرك روسيا نحو ما يسميه الكرملين قانون “سيادة الإنترنت”. فبموجب القانون الجديد، تعمل موسكو على وضع قائمة سوداء تجمع المواقع والخدمات التي لا تريد الحكومة من مواطنيها أن يستعملوها.

ويقول باحثون من جامعة ميشيغان إن النموذج يعد سهل التصدير، مما يتحدى فكرة منع خدمة الإنترنت اللامركزية للرقابة على نطاق واسع. وتضمنت الحجج التي أدرجتها موسكو مزاعم بأن هذه الخطوة تهدف لتحصين البلاد من أي هجمات إلكترونية محتملة من الخارج.

6