إيران.. سياستان لجناح واحد

الجمعة 2014/01/24

أبدت إيران بعد انتخاب حسن روحاني كرئيس للجمهورية الإسلامية مطلع آب 2013، ليونة أكبر في مواقفها السياسية. وبدا للبعض أن انتخاب الرجل “الإصلاحي” كان انتصاراً للجناح المعتدل على ذلك الأكثر تطرفاً، والذي يديره مرشد الجمهورية الإسلامية بنفسه.

روحاني أظهر في برنامجه الانتخابي عزمه انتهاج سياسة خارجية أكثر انفتاحاً. معتبراً أن السياسة الحالية، شديدة العدائية، تجلب على إيران ضغوطاً كبيرة تمنع مواصلة تطورها. وأن بالإمكان تخليصها من الضغوط بشيء من المرونة فحسب، دون التفريط بما يعتبر خطوطا حمراء في السياسة الإيرانية. باختصار، قدّم روحاني برنامجاً انتخابياً يبشر الإيرانيين بـ”التنازل” في قضايا حساسة لطالما اعتبرت من المقدسات. إذ أنه من قبيل الراديكالية العبثية بحسب روحاني أن تواصل طهران وصف أميركا بـ”الشيطان الأكبر”. أكثر من ذلك، فقد أبدى روحاني استعداد حكومته المضي قدماً في التوصل إلى تفاهم مع أميركا بخصوص البرنامج النووي الإيراني.

كانت التنازلات غير المسبوقة التي يقدمها روحاني تطفو على بحر من البؤس غرقت فيه غالبية الإيرانيين. إذ ضربت العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب عصب الاقتصاد الإيراني، فأدت إلى تراجع عائدات النفط. وانحدرت قيمة العملة الإيرانية إلى مستويات سحيقة، فارتفعت الأسعار وانخفضت القدرة الشرائية للإيرانيين، لتضاعف من مستويات نقمتهم على السلطة.

وليس ذلك مما يمكن تجاهله في بلد شهد قبل نحو خمسة أعوام “ثورةً خضراء”، شارك فيها ملايين الإيرانيين، وقد شكلت الفئة الوسطى النازعة نحو الحداثة والديمقراطية النسبة الأكبر منهم، فيما تحفظت وقتها الطبقات الشعبية الإيرانية عن المشاركة بكثافة. لكن الوضع المستجد كان ينذر باندلاع ثورة ثانية أكثر شمولاً وقوة، بحيث يمكن لها أن تطيح بكل النظام السياسي الإيراني. فأمام الفقر المدقع، تغدو أيديولوجيا “الثورة الإسلامية” مبتذلة إلى حد كبير.

كل ذلك سمح ببروز المعتدلين من جديد، بعد أن تلقوا ضربة قاصمة بفشل “الثورة الخضراء”، واعتقال قيادات التيار الإصلاحي. هكذا، نجح روحاني في الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2013، واحتاج الأمر إلى أقل من ثلاثة أشهر للتوصل إلى اتفاق مع الغرب بخصوص الملف النووي. وبدا الأمر كما لو كان انتصاراً لـ”حكمة” التيار الإصلاحي.

غير أن الزمن القياسي الذي استطاع من خلاله روحاني تسوية الملف النووي وتلطيف الأجواء مع واشنطن، يبعث على الاعتقاد بأنه قد انتدب إلى الحكم، أكثر من كونه قد انتخب، لتحقيق ذلك. ففي إيران كما نعرفها، لا حكمة تعلو على حكمة المرشد.

خلف روحاني وإصلاحاته الموعودة، يقبع الرجل الأقوى، الإمام الخامنئي. وهو يشكل رأس هرم الطغمة الإيرانية الحاكمة التي تمسك بمفاصل الدولة على نحو يفرغ نظرية وجود تيارين من أي محتوى، ويظهر التيار الثاني الصاعد بقيادة روحاني، كما لو أنه من صناعة التيار الأول. هكذا، لا يتنازع السياسة الإيرانية جناحان، بقدر ما هما سياستان لهيمنة واحدة. إذ أن البرنامج الإصلاحي للرئيس الجديد، يبدو في جوهره تحقيقاً لحاجات ملحة تتطلبها السلطة الحاكمة في إيران بقيادة الخامنئي. وهي طغمة باتت مثقلة بهالات التقديس على نحو تخشى معه الظهور أمام الجمهور الإيراني بمظهر من يفرط في “الحقوق”. لكنها تدرك في الوقت عينه أن حالة البؤس التي تلف الإيرانيين وصلت إلى مستويات باتت تعصف بهيمنتها، وتحتاج إلى حل سريع يدعم الاستقرار الهش.

من جانبٍ آخر، وكما تسببت العقوبات الاقتصادية في معاناة شديدة للإيرانيين، فقد أحكمت الخناق على المؤسسات الاقتصادية التي تديرها الطغمة الحاكمة، وبات رفع العقوبات ضرورة ملحة تمكّنها من التقاط أنفاسها، والعودة إلى توسيع نطاق أعمالها.

تدير مكتب مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران إمبراطورية مالية، من خلال مؤسسة “ستاد” وهو اختصار لاسم عميق في دلالاته: “ستاد إجرايي فرمان حضرت إمام” ويعني “هيئة تنفيذ أوامر الإمام”. المؤسسة التي أنشئت عام 1989 لمصادرة عقارات الفارين إلى خارج البلاد بعد الثورة الإسلامية، وتحولت في السنوات الأخيرة إلى إمبراطورية اقتصادية تهيمن على كل قطاعات الاقتصاد الإيراني تقريباً.

ويبدو أن مصالح تلك الإمبراطورية، شكلت قوة الدفع الجبارة لتسوية ملف إيران النووي، مقابل رفع جزئي للعقوبات.

سوف تعود الدماء لتجري في عروق الاقتصاد الإيراني، والأهم في عروق الطغمة الحاكمة التي لم تعد تحتمل مزيداً من هدر الأموال الناتج عن راديكالية سياسية، يمكن تجنبها كما يعتقد روحاني ومن ورائه المرشد. وهل لا يزال فتح سفارة أميركية في طهران أمراً مستحيلاً؟ يجيب روحاني عن سؤال التلفزيون السويسري بالقول: ” ليس هناك أمر غير ممكن.. وما من عداءٍ يدوم إلى الأبد”.


كاتب فلسطيني- سوري

9