إيران على سكة التغيير أيضا

السبت 2013/12/14

يعيش العالم لحظة إيرانية بامتياز، حيث تشغل الأخيرة المساحة الأهم في التغطية الإعلامية والانشغال الدبلوماسي. وبالرغم من أن نذر التفاهم مع إيران كانت قد لاحت في أفق العلاقات الدولية منذ شهور سبقت، إلا أن هذا الحدث خلّف صدمة وارتباك واضحين حتى في قلب واشنطن وطهران نفسيهما، وبدا أن كل طرف يسعى إلى جذب راية الانتصار إلى مربعه.

وقد انعكست ظلال هذا المناخ على الأطراف ذات العلاقة في المنطقة، وبين فرح بالنصر المفترض، وخيبة الانكسار المفترضة انطلقت جوقة من التصريحات والتوصيفات التي تميّزت بلغة متوترة غاب عنها التفحص الدقيق لحيثيّات الإتفاق وأبعاده.

فإلى أي درجة تتمتع إيران بتماسك داخلي يتيح لها إدراج تغييرات سياسية “ثورية” في سياق سياستها الراقدة منذ عقود على سخونة شعار “محاربة الشيطان الأكبر”؟ وما قدرة البنى الدستورية والنظامية على تكييف هذا المتغير في أطرها المغلقة؟ وإلى أي درجة تستطيع إيران الكئيبة إدراج كل هذا الفرح بالنصر في سياق المزاج الإيراني المكتئب؟

لفهم خلفيات هذا الاتفاق وأبعاده السياسية يتوجب النظر للحدث من زاويتين: الأولى أن أميركا بصدد إعادة صياغة علاقاتها بالعالم، ومن الطبيعي أن يأتي بمقدمة اهتماماتها مناطق التوتر على اعتبار أن المناطق الأخرى لا تحتاج إلى تعديلات سياسية كبيرة، وبهذا الصدد فإن إيران تشغل جزءاً كبيراً من مجاهيد القوة الأميركية إذ تتطلب مراقبتها وحصارها أكثر من عشر قواعد عسكرية متمركزة حول إيران من كل جانب، وهي منتشرة في سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت وتركيا وأذربيجان وتركمانستان وباكستان وأفغانستان وكلها تتبع القيادة الأميركية الوسطى.

ولذلك فإن رفع حالة الاستنفار أو التوجه من حالة اللاحرب إلى حالة السلم من شأنه خفض عدد العاملين في هذه القواعد دون التخلي عن القواعد نفسها. ومن هنا فإن وجود قوة أصغر تستطيع الحفاظ على مصالح واشنطن في العالم يمثل مصلحة لأميركا في الظروف الراهنة.

زاوية النظر الثانية يمكن رؤيتها من خلال ميل واشنطن إلى إتباع نمط العلاقات الوظيفية، حيث تسعى واشنطن عبر هذه العلاقات إلى التخفف من أعباء سياستها التدخلية مع إبقاء قنوات العلاقات مفتوحة عبر المراكز الكبيرة في كل منطقة، فما هي الوظيفة التي تريد أميركا توكيلها لإيران؟

من البديهي أن “الصفقة الكبرى” التي يميل الإيرانيون لتحقيقها ستتخذ شكلا من أشكال “الهلال مقابل الأسلحة النووية”، بحيث تقبل الولايات المتحدة بالنفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان، مقابل التوصل إلى اتفاق مقبول بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسيجد البيت الأبيض على الأرجح أنه كلما كان أكثر تسامحا مع الطموحات الإيرانية الإقليمية، اتخذت المحادثات النووية مجالا أرحب. لكن تبقى الإشكالية في رؤية واشنطن لطبيعة ومهمة الدور الإيراني، ذلك أن العرف السياسي الأميركي في التعامل مع الأنظمة اللاديمقراطية يقوم على توكيل الأخيرة بالأدوار القذرة، وكان يحصل أن ترضى تلك الأطراف بهذه الجائزة.

يمكن القول إننا لازلنا نتبع السياق التقليدي في تحليل الحدث، وهو السياق الذي استندت إليه معظم التحليلات، أي النظر للحدث من الخارج والوقوف عند تفاعلاته الإقليمية والدولية، وهو ما ينتج عنه إغفال الاستحقاقات التي يتوجب على إيران دفعها، ذلك أن طهران ستكون أمام مهمّة الاستجابة لمثل هذا المتغير وهذا يتطلب بناء مجالات تستطيع من خلالها تنفيذ السياسات الجديدة، ذلك أن أي تغيير باتجاه التقارب مع الغرب عملية ليست سهلة فهي تتطلب تفكيك الأيديولوجيا السائدة، وتتطلب بالمقابل تفكيك كل البنى التي تأسست في ظل ذلك المناخ ومستتبعاته، مقابل السماح لتعبيرات جديدة تساعدها على إدراج هذا المتغير في الوعي الجمعي وتكريسه في الواقع السياسي.

ومثلما تنازلت إيران للخارج، ستضطر للتنازل للداخل وذلك في سبيل إقامة توازن معقول بين سياساتها الداخلية والخارجية، والمعروف أن التنازلات للداخل تأثيرها أكبر على الأنظمة السياسية وخاصة ذات الطبيعة الاستبدادية الثيوقراطية.

أيضاً لابد من الانتباه لظاهرة العولمة الاقتصادية وأثرها في هذا التغيير الإيراني، حيث يدرك سدنة النظام الإيراني أن لا إمكانية لتطوير اقتصاد بلدهم دون الخضوع لمتطلبات الاقتصاد العالمي، وما يستتبع ذلك من تغيير في الأنماط الاستهلاكية والحياتية في مجتمع اخترقته هذه الصيغة حتى وهو في ظل الحصار والتعتيم الشديدين. إستتباعا لذلك، فإن الصفقة ستدفع إيران للاندماج بالنظام الإقليمي اقتصاديا وأمنياً، وهذا سيفرض عليها التعامل مع القضايا الإقليمية بوصفها طرفا وشريكا وهو غير ما تأسست عليه سياساتها السابقة.

يشابه الواقع الإيراني اليوم الواقع السوفيتي عشية تطبيق الغلاسنوست (إصلاح الهياكل الداخلية والعلاقات الخارجية)، حيث مجتمع فسيفسائي لا زال بعيدا عن حالة الاندماج، العلاقات متوترة بين مكوناته، واقتصاده معطل وقوته العسكرية متضخمة وأيديولوجيته فقدت بريقها بعد أن صارت مصدراً للتمييز والاضطهاد، وفوق ذلك تتميز الحالة الإيرانية بوجود قوى ناشطة وحيوية ولديها خبرة في الاعتراض السياسي، سواء من داخل النظام أو من خارجه، ولم تزل ذاكرة الثورة الخضراء طرية في وجدانها.

إيران على سكة التغيير، ويكفي أنها تنجز تفاهمها مع الغرب في وقت بدأت تلوح في أفق البلاد “انتفاضة الجياع والمحرومين” بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يحرمها هوامش المناورة والخيارات المفتوحة، يضاف إلى ذلك إقامتها في موقع الاتهام إقليمياً ودولياً لسلوكها السياسي السابق وهو الأمر الذي سيكلّفها الكثير حتى تثبت عكسه، ثم من قال إن النظم السياسية تستطيع الخروج سالمة من لفح نار المتغيّرات؟ ألم يصف البرلمان الإيراني الاتفاق بمثابة تجريع السمّ لإيران؟


كاتب سوري

9