إيران على طريق السياسة الدعائية الروسية للتدخل في الولايات المتحدة

طهران تعي أن حرب المعلومات عملة سياسية صعبة، والحرس الثوري يستخدم وسائل الإعلام لتقويض المعارضة.
الاثنين 2018/08/27
طهران تتبع نهج التضليل

أعلنت شركتا فيسبوك وتويتر، الثلاثاء، أن كلا منهما حذفت نحو 300 حساب تقع مصادر أغلبها في إيران، بعدما تبين أنها تقوم “بسلوك مضلل”. وتحركت الشركتان بناء على معلومة من شركة “فاير آي” للأمن الإلكتروني، التي قالت إن الحسابات تروج لدعاية إيرانية، وتكشف محاولات إيران نشر الأخبار الزائفة وتضليل الرأي العام حجم ارتباكها مع فرض الإدارة الأميركية عقوبات قاسية عليها والتجائها إلى حرب المعلومات لإنقاذ نظامها المتشدد من براثن أزمة عميقة.

لندن – تنتظر وسائل الإعلام الأميركية والاستراتيجيون ووكالات الاستخبارات الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر أمام مخاوف من تجدد تدخل روسي، لكن تقارير جديدة تشير إلى أن الكرملين ليس الوحيد الذي خرق تشكيل المشهد المعلوماتي المحلي في الولايات المتحدة، بل تسير إيران على خطواته.

وقام موقعا التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر في الأيام القليلة الماضية بحذف المئات من حسابات المستخدمين المشتبه بها، والتي قالت الشركتان إنها مرتبطة بحملة تضليل إيرانية منظمة في الخارج.

ووفقا لشركة “فاير آي”، وهي شركة الأمن السيبراني، غالبا ما كانت المجموعات المرتبطة بالحملة تقدم نفسها كمنافذ إخبارية مستقلة، ولكنها كانت في الواقع مرتبطة بالإعلام الحكومي الإيراني. وتم تصميم محتواها لدفع القضايا والأحداث بما يتماشى مع أهداف السياسة الخارجية الإيرانية، “كتعزيز المواضيع المعادية لخصومها والقوى الإقليمية المنافسة لها، في حين تدعم التوجهات التي تأتي في صالحها، مثل الصفقة النووية المبرمة مع الدول الكبرى صيف 2015”.

هذه الفضائح عملت على إثارة العديد من التصريحات الأخيرة لمستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي وصف التدخل الإيراني بأنه “مسألة تتعلق بالأمن القومي”، لكن لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاَ لواشنطن؛ حيث على الرغم من أن جهود التضليل الإيرانية في الخارج كانت محدودة إلى حد ما ولا يوجد دليل على أن الحسابات التي تم حذفها مؤخرا تم تصميمها خصيصا للتأثير على نتائج الانتخابات النصفية، إلا أنه لا يمكن اعتبار طهران غريبة على حرب المعلومات.

ومثل العديد من الأنظمة الاستبدادية الأخرى، لطالما أدركت الجمهورية الإسلامية أن حرب المعلومات عملة سياسية صعبة.

وفي الواقع فإن تكتيكات التضليل التي اتبعتها الجمهورية الإسلامية قديمة قدم النظام نفسه، ففي السبعينات من القرن الماضي، كان الثوار الإيرانيون الذين يقاتلون للإطاحة بالملك محمد رضا بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة، والمعروف باسم الشاه، يفتقرون إلى تكنولوجيا الإنترنت الحالية، لكنهم عملوا جاهدين على استخدام جميع القنوات المتاحة لتضخيم صوت زعيمهم، آية الله روح الله الخميني.

تكتيكات التضليل

أكد الخميني، وهو رجل دين منشق في المنفى، نفسه كقائد للثورة وأصبح أول زعيم أعلى للنظام الجديد في تاريخ الثيوقراطية بعد الإطاحة بالشاه عام 1979. وساعده مستشاروه، الذين تلقى معظمهم تعليمهم في الغرب، في تنظيم وتصميم رسالة جذابة تصل إلى عدة جماهير في آن واحد: الإيرانيون في الداخل والخارج، والشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع، والغرب.

أما للجمهور الغربي، فقد صدر مستشارو الخميني رسالة تعاطف في سبيل الحرية سعيا لتحقيق الرخاء والحرية في بلاده. وغالبا ما ينطوي ذلك على حذف أو تعديل كلمات للمرشد الأعلى لجعل رسالته أكثر جاذبية للجمهور الغربي. وقد نجحت الاستراتيجية بالفعل، جزئيا لأن الصحافيين الغربيين الذين يغطون الثورة وصعود الخميني غالبا ما كانوا يعتمدون على المعلومات والترجمات التي تم تقديمها لهم من قبل رجاله، ممن قاموا ببث رسالتهم إلى العالم في الإذاعة والتلفزيون وفي الصحف.

تمتلك قوات الحرس الثوري الإسلامي وحدة استخبارات خاصة تسيطر بشكل غير مباشر على العديد من وسائل الإعلام

وفي الداخل، مهد أتباع الخميني الطريق لصعوده عن طريق قيادة حملة سياسية تخريبية مزجوا من خلالها الدعاية بالمعلومات المضللة، حيث قاموا بتوزيع المنشورات وشرائط الكاسيت التي تحتوي على خطاباته. كانت الأشرطة رخيصة، قابلة للحذف، وكان من السهل إخفاؤها عن وكالة الاستخبارات الخاصة بالشاه آنذاك “سافاك”.

وهكذا، اكتسب صوت الخميني ورسالته نفوذا في شوارع إيران حتى عندما بقي في المنفى في باريس. ومن المفارقات أن الثوار المحتملين أنفسهم تلقوا المساعدة في جهودهم من الشاه نفسه، الذي فشل في البداية في فهم طموحاتهم، بل حتى أنه حاول القضاء على بعض الأصوات الإسلامية ممن حاولوا مواجهة ما اعتبره في البداية التهديد الأكبر لحكمه.

كما فهم الثوريون فائدة الأخبار المزورة، فقد بالغوا في الإفادة بأعداد الإصابات خلال الاحتجاجات المعادية للنظام وألقوا باللوم على الشاه في حوادث مثل حريق سينما ريكس عام 1978، وزعموا أنه أدى إلى وفاة 377 شخصا على الأقل في مدينة عبدان، حتى أنهم زعموا أن زلزال عام 1978 الذي حدث في مدينة تاباس لم يكن حدثا طبيعيا بسيطا، بل كان نتيجة لقيام دول غربية بإلقاء نفايات نووية في صحراء مجاورة لإيران أو بسبب تجارب الولايات المتحدة النووية التي كانت تُجرى تحت الأرض. وفي ما بعد تعارضت الوثائق والبيانات الرسمية للجمهورية الإسلامية مع سرد الثوريين للعديد من هذه الأحداث.

سيطرة إعلامية

بعد سقوط الشاه، أرسى النظام الجديد هذه الآلة الدعائية الثورية، حيث ساعد الجهاز الإعلامي التابع للدولة في السيطرة على الخطابات في الداخل ونشر محتوى ملائم في الخارج. وفي العقود التي تلت ذلك، بدأت جميع المؤسسات الرئيسية التابعة للنظام في بناء وسائل الإعلام الخاصة بها، التي يُبث الكثير منها بعدة لغات.

واليوم، يستخدم المحتوى الذي يتم بثه باللغة الإنكليزية للترويج لخطابات النظام حول قضايا مختلفة في الغرب، في حين أن المحتوى الذي يتم بثه باللغة العربية تم تصميمه خصيصا كعامل لتحفيز العرب المتعاطفين في المنطقة.

وظهرت العديد من المنظمات كوسيط لنقل المعلومات، حيث ظهرت وزارة الاستخبارات والأمن، التي حلت محل “سافاك” بعد الثورة ولعبت دورا رئيسيا في تأطير وتنفيذ حملات الرسائل الخاصة بالنظام. وتمتلك قوات الحرس الثوري الإسلامي وحدة استخبارت خاصة بها تسيطر بشكل غير مباشر على العديد من وسائل الإعلام، بما في ذلك وكالة فارس للأنباء ووكالة تسنيم الجديدة للأنباء الأكثر تشددا.

ويستخدم الحرس الثوري وسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد السياسات التي يرون أنها تتعارض مع الثورة، وتقويض المعارضة الداخلية، والإعلان عن أنشطتهم في الخارج، على سبيل المثال يقومون بنشر صور القادة العسكريين الإيرانيين في العراق وسوريا.

وفي الوقت نفسه، تسمح وسائل الإعلام التابعة للدولة، مثل قناة “برس تي.في” الناطقة باللغة الإنكليزية، لطهران بجذب المشاهدين المتعاطفين في الغرب، وغالبا ما تبث القناة والمنافذ الأخرى التابعة للدولة مشاهد لمعلقين أوروبيين أو أميركيين ممن يعبرون عن دعمهم لخطابات طهران وسياساتها.

وعلى الرغم من أن النظام قد حظر العديد من منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك فيسبوك وتويتر، إلا أن كبار المسؤولين والمنظمات في إيران يستخدمونها لنشر المحتوى بلغات مختلفة لدعم أجندات السياسة الإيرانية في الداخل والخارج متلقين الدعم من خلال شبكة من الحسابات مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالنظام.

ولا يزال تأثير غلق الحسابات المشتبه بها غير واضح، وتبدو إمكانيات إيران محدودة أكثر بكثير من إمكانيات روسيا، لأنها لا تملك الميزانية ولا التكنولوجيا الخاصة بالمخابرات الروسية، ويأتي حذف الحسابات بعد أسابيع من حذف فيسبوك حسابات مصدرها روسيا لمشاركتها في سلوك مضلل.

ومع فرض عقوبات أميركية تهدف إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بحلول نوفمبر المقبل، قد لا تستسلم طهران للأمر بهذه السهولة. وبينما يستعد الأميركيون للعودة إلى مراكز الاقتراع في خريف هذا العام، من الأفضل لواشنطن أن تبدأ بالنظر في قدرات ونوايا التضليل الإيرانية قبل فوات الأوان.

7