إيران على منحدر التنازلات

السبت 2014/11/29

قبل الإعلان عن تمديد المفاوضات حول ملف إيران النووي، أظهرت التصريحات الحادة الأميركية والأوروبية التي حذرت إيران من فشل التوصل إلى اتفاق أن المفاوضات قد وصلت إلى لحظة حاسمة لم ترغب “الدولة المارقة” في الوصول إليها في أي يوم. كما أعطت إشارات بأن إيران ليست مستعدة بعد لتقديم التنازل الكبير، ما وضع الأطراف أمام طريق مسدود.

لكن الحال استقر، أخيراً، على تمديد هادئ للمحادثات. فالمفاوضات التي بقيت منها أجزاء قليلة مستعصية، ادّعى الطرفان إمكانية حلها في ربع الساعة الأخير، جرى تمديدها سبعة أشهر كاملة.

قبل ذلك كان هنالك موعد ينص على انتهاء المفاوضات في شهر يوليو من العام الحالي، ليجري التأجيل إلى شهر نوفمبر، ومن ثم عاودت الأطراف التمديد اليوم، فما مؤشرات كل ذلك؟

في حقيقة الأمر، وفيما يبدو ذلك كاستعصاء وكانعكاس لسوء العلاقات بين إيران والغرب، لكنه وفي جوانب عديدة أخرى قد يؤشر على تقدم كبير في العلاقات بين الجانبين. وبالنظر إلى وضع المنطقة المتفجر والحاجة إلى دور إيراني في سوريا والعراق وأفغانستان يكون متسقاً مع جهود التحالف الدولي حديث العهد، ربما نكون أمام تدشين تاريخ جديد من التعاون بين أميركا وطهران.

أي إنه ورغم هيمنة أجواء عدم التوافق بين طهران والغرب، لكن ارتياح الولايات المتحدة لتمديد المفاوضات قد يكون مبنياً على نجاح مفاوضات ربع الساعة الأخير في إرساء اتفاق راسخ لم يعد على إثره من أهمية كبيرة تذكر للوقت الضائع الذي كان يؤرق أميركا وإسرائيل. فبعد ضمان تنازل إيران في أمور جوهرية، يقال أنها حصلت بالفعل، يمكن التمديد بكل رحابة صدر.

ورغم أن المخاتلات والمماطلات هي جزء تقليدي من السلوك السياسي لإيران، لكنها كانت من المرات النادرة التي تدخل فيها إيران مفاوضات سياسية وهي على يقين وموافقة تامة بضرورة تقديم تنازلات مؤلمة. فرفض تقديم تلك التنازلات كان ليكون أشد إيلاماً، بل إن الدولة التي ترزح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية اختبرت تلك الآلام ولا تزال، وقد باتت تتوق إلى التخفف منها. وإن التطور الأخير المتعلق بالهبوط الحاد لأسعار النفط، إذ حققت أول أمس أدنى مستوى في أربع سنوات، يزيد الضغوط على إيران، في ظل رفض منظمة أوبك زيادة الإنتاج.

هكذا انزلقت إيران إلى منحدر التنازلات. ولأنه منحدر زلق للغاية ما قد يؤدي إلى انحدار سريع في لحظة واحدة، يبدو أنها آثرت التقدم بحذر شديد، الأمر الذي يستدعي جولات عديدة من المفاوضات يتخللها إحراز تقدم ملموس. الأهم بالنسبة إلى الغرب، وأميركا تحديداً، أن إيران انتقلت، أخيراً، من موقع إلى آخر، وباتت في منتصف المنحدر حيث لا يمكن العودة إلى الوراء.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن إدارة باراك أوباما تمني نفسها بكل تأكيد بما عجز عنه الرئيس السابق جورج بوش بولايتيه في إيجاد حل للملف النووي الإيراني. رغم كل غطرسة القوة التي تمتعت بها إدارة جورج بوش، ورغم غزو كل من العراق وأفغانستان، بحيث باتت القوات الأميركية تطوق إيران، لكنه عجز عن معالجة الملف النووي الإيراني.

بعد الأزمة المالية العالمية تراجعت قوة الولايات المتحدة بصورة واضحة. وساعد على هذا التراجع بروز الصين وروسيا كقوتين عالميتين من جديد. رغم أنهما برزتا في محيطهما الإقليمي من دون توسيع النفوذ لمناطق أخرى، لكن روسيا شرعت في توسيع نفوذها بالاستناد إلى الصراع في سوريا. وهي تثبت في أوكرانيا ومحيطها أنها عازمة على شق طريقها لمقارعة القوى العالمية.

هذا يجعل أميركا التي كانت تنفرد بقراراتها تميل اليوم للمفاوضات والتسويات في مجمل سلوكها السياسي الخارجي. ويدعى هذا السلوك السياسي الذي ينبع من تآكل الهيمنة الأميركية على العالم بأنه “سياسة أوباما”. فالرئيس الجديد هو من أرسى دعائم تلك السياسة، لكنه لم يخترعها، أغلب الظن أنه انتخب لينفذها. لقد كان انتخابه انطلاقا من أنه سيُخرج أميركا من المستنقعات التي دخلتها، وأنه سيحاول حل المشكلات بطريقة مختلفة عن طريقة جورج بوش. ويشكل ذلك أحد الدوافع الأميركية لعقد تسوية مع إيران. هكذا تتلاقى مصالح الطرفين في ضرورة التوصل إلى تسوية، بل يبدو أنهما باتا محكومين بالتسوية.

ولا مانع من المماطلات ومن تمديد جولات التفاوض ريثما تتضح الصـورة التي قد يستقـر عليها الوضع الإقليمي في الشهور القادمة. فإيران باتت على منحدر التنازلات الصحيح، بانتظار تطورات جديدة في السياق الإقليمي، ربما تساهم في صياغة بنود الصفقة النهائية الأميركية- الإيرانية كما يأمل الجانبان.


كاتب فلسطيني سوري

8