إيران- غيت الجديدة

الخميس 2013/10/31

كيف أجاز العالم لنفسه أن يفكر، مجرد تفكير، في أن السوريين يمكن لهم أن يقبلوا بمؤتمر يقرّر مصيرهم في حضور قتلة الشعب السوري، مشاركين أو مراقبين، وعلى رأس هؤلاء إيران التي ترسل حرسها الثوري ومعه عصاباتها الدموية، لبنانية وعراقية لقتل السوريين وقمع ثورتهم؟

هذا هو السؤال الاستنكاري الذي يتداوله السوريون، اليوم، في كل مكان.

كيف قيض لزعماء العالم طرح مثل هذه الفكرة اللا أخلاقية على السوريين، وهم بالكاد يطيقون فكرة الجلوس، إلى طاولة واحدة، للتفاوض على رحيل النظام، مع ممثلين عن العصابة الحاكمة التي أعملت فيهم القتل مع أول هتاف لأجل الحرية والكرامة تردد في هواء دمشق.

مثل هذا الجنون العالمي باسم الواقعية السياسية، الذي روجت لها منذ البداية روسيا، وما لبثت أن تردد، مؤخرا، على لسان غير زعيم من زعماء العالم الغربي، لهي وصفة خرافية لحرب تتواصل بلا نهاية.

أذاقت إيران السوريين من الأذى فنونا، عندما أمدَّتْ النظام الطائفي بكل أسباب البقاء والاستمرار على أشلاء الضحايا وحطام البلاد، قبل أن تزج بحرسها الثوري نفسه لينتهك، علنا وعلى رؤوس الأشهاد، حرمة الحدود الدولية لسوريا.

السوريون، الذين ثاروا على الطغيان والإذلال، لا يمكن لهم، أن يقبلوا الوصي الإيراني على النظام في مقعد مجاور إلى طاولة مفاوضات، لا في جنيف ولا في غيرها. وكل ما يمكن أن تعود به على سوريا هذه الدعوات الإقليمية والدولية لإشراك إيران في الحل، هو إضافة تعقيد جديد على الوضع السوري، وعلى وضع المعارضة السورية، وفتح باب التطرف على أوسعه. بعد كل ما جرى، لا مكان لإيران في خيال الشعب السوري. على العالم أن يعي هذه الحقيقة.

لكن هذه القراءة، التي تبدوا أخلاقية أكثر منها سياسية، تصطدم بحقيقة مريعة، تتمثل في جبل الجليد الدولي الذي اصطدمت به السفينة السورية، «تايتانك» الثورات العربية عالقة اليوم، في شبكة المصالح الدولية وتقاطعاتها، التي لم تبق من الهوية الأصلية للصراع في سوريا سوى سوريين اجتمعوا في محيط دموي أكول وقاع يتأهب لابتلاعهم هم وسفينتهم، لتكتمل بذلك الكارثة السورية، وتطوى هذه التراجيديا المعاصرة صفحاتها.

وعليه فإن العقل البارد لابد له أن يقرأ فكرة حضور إيران، إلى طاولة التفاوض، بإرادة اللاعبين الكبار، بوصفها شرطا قهريا مفروضا على السوريين، لكونه، ربما، الشرط الوحيد الذي يمكِّن الأطراف الإقليمية والدولية من حسم صراعاتها السورية في سياق عملية مقايضة تاريخية بين الغرب وإيران، فرض على الشعب السوري تسديد ثمنها كاملا من دماء أبنائه ومن مستقبل كيانه الوطني الجامع، مقابل خاتمة للثورة السورية لا يمكن أن تكون إلا إضافة مأسوية، لا تنقذ السوريين، ولكنها تمكِّن المجتمع الدولي من سوق تايتانيك السورية المخطوفة من قبل إيران إلى مرسى يجرى التوافق عليه بين القرصان الإيراني و»القرصان الأكبر».

إن جنيف سورية بحضور إيراني ستضع السوريين وجها لوجه، وللمرة الأولى، أمام من جعل من نفسه عدوا مذهبيا شرسا لغالبيتهم السنية، وقد تكشَّف لهم تماما، ولكن هذه المرة، في صورة المرجع الإقليمي الضامن لنظام الأسد الأقلوي المرعي من جانبهم، وقبول نتائج ما يمكن أن يكون واحدة من أغرب عمليات التفاوض على الانتقال المزيف من الاستبداد إلى الديمقراطية في المنطقة والعالم؛ يفوز معها الشعب السوري بنتيجة لا علاقة لها بحلمه الديمقراطي، ولكنها نتيجة تَطْمَئِنُّ من خلالها القوى الغربية، التي استثمرتْ، على نحو لم يعد خفياً، في الصراع السني الشيعي الذي فضحه دم الضحايا السوريين، في حين يفوز الغرب وشريكاه الإيراني والإسرائيلي بفرض معادلة جديدة في الشرق العربي تقوم على قاعدة لا غالب ولا مغلوب بين «غنم السنّة وذئب الشيعة».

معادلة دولية تحتقر التطلعات المدنية والديمقراطية للحراك الديمقراطي في سوريا والمنطقة، وحق الشعوب التي تدين غالبيتها بالإسلام في الانفكاك عن ماضي الصراعات المذهبية بين مكوناتها المختلفة، وتحتقر، أيضا، حلم المكونات الدينية والإثنية المختلفة في إعادة تشكيل الهويات الوطنية والتعاقدات الاجتماعية في أوطانها على أسس مدنية معاصرة وحديثة تقطع مع أسباب النكوص الحضاري، وبدلا من أن تتيح لها القوى الكبرى من دخول العصر شريكا ناميا وغنياً لأوروبا المتقدمة على الجهة الأخرى من المتوسط، تتصرف بها كآخر أدنى تعيد من خلاله إلى التداول ماضي النظرة الاستعمارية عن الشرق بوصفه ممثلا لغريزة الدم والموت والدمار الذاتي، وبالتالي لابد من محاصرته ولجمه والهيمنة عليه وتسييره. والواقع إخضاعه بوصفه عالما لا يستحق لا ثروات المصادفة التي وجدها في أرضه، ولا أن يكون صاحب نظرة وقرار وإرادة.

إن إيران الثيوقراطية، لاعتبارات شتى تاريخية وجغرافية وسياسية، هي عدو كامل الأوصاف للعرب. وهي بالتالي، وبعيدا عن الشعارات الموسمية المراوغة المستهلكة لإيران القائلة مرة بتدمير إسرائيل ومرة بتهنئتها بسَنَتِها العبرية، حليف طبيعي للكيان الإسرائيلي، كانت كذلك في زمن الشاه، واستمرت خلال محطات من الحرب العراقية الإيرانية الأولى عندما تزودت من إسرائيل بالسلاح (إيران غيت). وها هي اليوم كذلك شريكا لإسرائيل في النتيجة النهائية للعدوان على ثورة الشعب السوري، دمار شامل للبلاد، ومذبحة كبرى ومأساة إنسانية لن تمحو نتائجها عقود مقبلة في واحد من أعرق بلدان المشرق العربي. ولا يعني هذا التوصيف للشراكة الإسرائيلية الإيرانية في تحطيم حاضر العرب وتهديد وجودهم المستقبلي، عدم وجود شريحة إيرانية معادية لإسرائيل لأسباب دينية. لكن القدر الذي يجعل من الدم السوري اليوم عدوا وجوديا لإيران، لابد أن يجعل منها حليفا طبيعيا لإسرائيل.

نعود إلى الغرب، فإن صدمة 11 سبتمبر التي قلبت المزاج العالمي طوال العقد الماضي وحتى اليوم، جعلت من الممكن لدى الغرب هضم إيران الشيعية والقبول بذراعيها المتقيحين اللبناني والعراقي، بل وربما يبدو هذا الدور الإقليمي لإيران ضروريا للإبقاء على (وإدارة) صراعات شيعية سنية لا تنتهي، وحماية وجود حكومات أقلوية تلجم «المارد السني» ، وتشل الأكثرية البشرية في المنطقة.

هذا هو في الواقع، ودون عبارات الأسف هذه المرة، ما يجعل لغز وجود إيران وحزب الله، وعصائب الحق، و»كتائب أبو الفضل العباس» وكل المقترحات المليشياوية الشيعية المتوالدة والزاحفة على سوريا والمنطقة، بل وسائر الحزام الشيعي في المشرق العربي، أمرا مطلوبا أميركيا وغربيا، وإسرائيليا.

وفي ظل وجود الحليف الروسي لإيران (ولديه سُنَّتُه الروس الذين يبادلهم العداء والتوقعات) وبينهما شراكة في آسيا الوسطى طرفها الثالث إسرائيل المتفشية حضورا اقتصاديا وسياسيا في روسيا وحظائرها الخلفية، تتكشف الصورة. بشكل أفضل. تبدو الأمور أوضح، وتقدم لنا تفسيرات لغوامض ما يجري في سوريا.

لابد أخيرا أن يكون لنا ضوء يبدد حيرتنا بإزاء الشلل الأميركي-الأوروبي نحو إيران وحزبها اللبناني- العراقي ويقدم لنا، في الوقت نفسه، تفسيرا لتمرّد حكومة المالكي الشيعية المتطرفة على التنبيهات الأميركية المتكررة حول ضرورة وقوف العراق على الحياد من المسألة السورية.

كان الأميركيون يتخفون وراء الجدار الروسي الصيني، ويسمعون السوريين تارة الدعوة إلى رحيل الأسد، وأخرى الحسرة على الدم السوري مقرونة بالعظات الأخلاقية للعالم. وبين جولة وأخرى من جولات التصريح الأميركي حول التراجيديا السورية، كان باراك حسين أوباما يسترخي في مقعده في البيت الأبيض ويمدّ رجليه، ومن حوله المستشارون يعرضون عليه صورة الوضع السوري وتطوراته، ويقدمون الاقتراحات. وبينما هم في حماستهم تارة لعمل عسكري ضد الأسد ونظامه، وأخرى لضغط سياسي على النظام ورعاته، كان «هاملت الأسود في البيت الأبيض» حسب وصف النيويورك تايمز لأوباما، يتابع قراءة الرسائل الإلكترونية في «الآي باد» بين مبتسم ومستغرق. لينهض، بعد ذلك، ويصرفهم بقوله: عُلِمَ.

لم يكن أوباما، منذ البداية، راغبا في عمل شيء، أي شيء ينقذ السوريين. وإذا كان الإسرائيليون اغتاظوا من سرعة وقوع أوباما في غرام روحاني، فوصفوا الأخير بأنه «حمل في لباس ذئب» فإن أوباما كشف ببهجته الإيرانية وغرامه الفارسي في محيط الدم السوري، عن أسنان ذئب متمرس في الخداع، فقد وعد السوريين بكل ما يجعلهم يعتدون بكرامتهم وتضحياتهم ويواصلون ثورتهم على طغيان آل الاسد وحلفائهم، ثم أدار لهم ظهره وذهب في عناق حميم مع الكاهن المعمم لسفاح دمشق. هذه ليست صورة مسرحية، إنها وقائع لا أخلاقية من زمننا الحديث.

وبينما العالم يكذب ويكذب ويكذب، ويواصل خيانته لشعب عظيم ثائر لأجل الحرية والكرامة، يواصل السوريون انتفاضتهم الكبرى متمسكين بالمبادئ التي ثاروا على الطاغية لأجل تحقيقها، والتي تعكس نبل مقصدهم وأصالة انتمائهم إلى الحضارة، مسطرين بدمهم الغزير وشجاعتهم الأسطورية في مواجهة الطغيان ملحمة الحرية لأجل حرية وطنهم، عازمين على أن لا يسمحوا للعالم أن يجعل من سوريا تلك السفينة المخطوفة التي إما أن تتحطم وتهوي في محيط العالم، أو تستسلم وتساق إلى مرفأ الهزيمة.


شاعر سوري

8