إيران في مواجهة العقوبات: تهريب النفط مقابل العملات الرقمية

المواطنون الإيرانيون يطاردون أي أثر للعملات الأجنبية ومستعدون لدفع أكثر من 120 ألف ريال للدولار الواحد.
الخميس 2018/08/09
لا أثر للعملات الأجنبية

دفعت الآفاق القاتمة للاختناق الوشيك للاقتصاد الإيراني إلى البحث عن حلول يائسة لمواصلة تصدير النفط. وأعلنت طهران أنها تدرس استخدام العملات الرقمية الخارجة عن رقابة النظام المصرفي، لكن محللين استبعدوا أن تغامر الشركات الكبرى بشراء النفط الإيراني بأي وسيلة خشية التعرض للعقوبات الأميركية.

لندن – لجأت السلطات الإيرانية إلى حلول يائسة لاستمرار شريان الحياة الأخير لاقتصاد البلاد في ظل سباق دولي للالتزام بالعقوبات الأميركية، وصل إلى حد أن العراق سيلتزم بتلك العقوبات رغم النفوذ الإيراني الواسع في بغداد.

وقال محمد جهرمي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات الإيراني أمس إن رئيس الجمهورية حسن روحاني، أوعز بعقد اجتماع مشترك بين البنك المركزي ووزارة الاتصالات، بشأن بحث إمكانية استخدام العملات الرقمية، وتقديم اقتراحات جديدة لتداولها.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) عن الوزير قوله على هامش اجتماع لمجلس الوزراء إن طهران تبحث إمكانية تبادل وتداول العملات الرقمية عبر المصارف المحلية.

وأوضح أن الوزارة أجرت دراسات في هذا الشأن، لكن تفعيل الخطة لم يتم بعد “لأن هذا النوع من التبادل محظور حتى الآن من جانب البنك المركزي الإيراني”.

ويتزامن هذا التحرك الإيراني مع بدء سريان الحزمة الأولى من العقوبات الأميركية يوم الثلاثاء، والتي تحظر على طهران شراء الدولار وتجارة الذهب والمعادن الثمينة، والمعادن الصناعية مثل الألمنيوم والحديد والفحم، إضافة إلى البرمجيات الصناعية، وجميع النشاطات المتعلقة بصناعتي السيارات والطيران.

ويقول محللون إن استخدام العملات الرقمية المشفرة ينطوي على مخاطر وصعوبات كبيرة رغم صعوبة تتبعها من قبل السلطات المالية العالمية، وخاصة بعد شيوع حالات القرصنة التي أدت لانهيار عدد من بورصات العملات الرقمية مثل البتكوين.

محمد جهرمي: طهران تبحث إمكانية استخدام العملات الرقمية وتقديم اقتراحات جديدة
محمد جهرمي: طهران تبحث إمكانية استخدام العملات الرقمية وتقديم اقتراحات جديدة

كما أن شركات النفط والتكرير العالمية من المستبعد أن تغامر بشراء النفط الإيراني في ظل تطور برامج الذكاء الصناعي التي يمكن أن تتعقب الصفقات مهما كانت أساليب إخفائها عن السلطات الأميركية.

ويرجح محللون أن يكون تطبيق العقوبات هذه المرة أكثر قسوة من جميع العقوبات السابقة بسبب تزايد مخاوف الشركات من التعرض للغرامات الأميركية الباهظة.

ويمكن لاستخدام العملات الرقمية أن يجد بعض المشترين الصغار، المرتبطين بالعصابات ونشاطات غسيل الأموال، لكنها من الصعب أن تستوعب عمليات تصدير كبيرة.

ويرى محللون أن ذلك يكشف عن يأس الحكومة الإيرانية من إمكانية استمرار تصدير النفط بعد دخول المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية في 5 نوفمبر المقبل والتي ستمتد إلى صادرات النفط ونشاط الشحن البحري، في ظل تسابق الدول والشركات للالتزام بتلك العقوبات.

ويتضح حجم الاختناق الاقتصادي الوشيك في إشارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الثلاثاء إلى أن بلاده ستلتزم بالعقوبات الأميركية رغم أنها لا تتعاطف معها.

وقال العبادي إن الحكومة العراقية لا تتعاطف مع العقوبات ولا تتفاعل معها ولا تعتبرها صحيحة “بل نعتبرها خطأ جوهريا واستراتيجيا لكننا سنلتزم بها لحماية مصالح شعبنا”.

وتعاني العملة المحلية الإيرانية من تراجع حاد، وتسجيلها أدنى مستوياتها التاريخية عند نحو 120 ألف ريال للدولار أي أنها فقدت ثلثي قيمتها منذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي في 8 مايو الماضي.

ويتضح تخبط الحكومة الإيرانية في اتساع الصراع داخل السلطات الإيرانية والتي أصبحت تبحث عن كبش فداء لتخفيف احتقان الشارع الإيراني بسبب الانحدار السريع للأوضاع المعيشية.

وصوّت البرلمان الإيراني أمس لصالح حجب الثقة عن وزير التعاون والعمل والرخاء الاجتماعي الإيراني علي ربيعي بعد أن وجه بعض النواب انتقادات للوزير “بعدم الإيفاء بالواجبات والمسؤوليات”.

وقال إن القضاء الإيراني قد أمر الأسبوع الماضي باعتقال 29 شخصا بتهم تنطوي على عقوبة الإعدام. وذكرت السلطات القضائية أنها اعتقلت سبعة أشخاص آخرين من بينهم نائب سابق لمحافظ البنك المركزي وخمسة متعاملين في العملة.

وتبدو الحكومة مجبرة على بيع الأوهام للشارع الإيراني الذي يقترب من الانفجار في ظل أوضاع اقتصادية كارثية ويأس يعم الأوساط الرسمية والشعبية من إمكانية تفاقمها في الأسابيع المقبلة.

واتخذت طهران خطوات يائسة لمواجهة العقوبات بالتخلي عن دعمها للعملة المحلية، والسماح لمكاتب الصرافة ببيع العملة بأسعار السوق غير الرسمية لأغراض مثل السفر إلى الخارج.

ويرى محللون أن القرار يؤكد عجز طهران عن الدفاع عن عملتها واضطرارها لتترك تحديد سعره لقوى العرض والطلب في أسواق الصرافة، في خطوة تعفيها من الدفاع عن السعر الرسمي غير الواقعي بعد انغلاق أبواب تعاملاتها مع العالم.

وفي محاولة يائسة لتشجيع الإيرانيين على إعادة ضخ سيولتهم من العملة الصعبة في الاقتصاد، سمحت خطة البنك المركزي بإنشاء حسابات ادخارية بالدولار للمواطنين العاديين، وهو أمر يستبعد المحللون أن يحقق أي نتائج في ظل انهيار ثقة الإيرانيين بالحكومة. كما ستسمح الحكومة لمصدري السلع غير النفطية ببيع العملة الصعبة إلى المستوردين، في حين لن يكون هناك سقف لتدفقات العملة أو الذهب الداخلة إلى البلاد.

وحاولت طهران تخفيف احتقان الشارع بالإعلان عن عزمها توفير العملة الصعبة بسعر مدعم لشراء السلع الأساسية والدواء. لكن المراقبين يشككون في ذلك في ظل انغلاق أبواب حصول طهران على العملات الأجنبية.

طهران تبحث استلام العوائد بعملات لا يمكن تتبعها بسهولة
طهران تبحث استلام العوائد بعملات لا يمكن تتبعها بسهولة

وتعلل إيران نفسها بصعوبة تعويض إمداداتها من قبل المنتجين الآخرين وتتوقع أن تضطر الولايات المتحدة إلى منح إعفاءات مثلما كان عليه الحال في العقوبات السابقة.

لكن البيانات أن منتجي النفط يمكنهم ببساطة تعويض الإمدادات الإيرانية من خلال تعليق الالتزام باتفاق خفض الإنتاج حيث تملك دول كثيرة طاقة إنتاج إضافية وخاصة السعودية وروسيا والعراق والإمارات والكويت.

ونقلت صحيفة إيرانية أمس عن محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني قوله إن الولايات المتحدة لن تتمكن من منع إيران من تصدير النفط.

وقال ظريف “إذا أراد الأميركيون الاحتفاظ بهذه الفكرة الساذجة والمستحيلة فعليهم أيضا أن يدركوا عواقبها. فلا يمكنهم التفكير في أن إيران لن تصدر النفط وأن آخرين سيصدرون”.

وتشير تلك التصريحات إلى تهديد مبطن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله أكثر من ربع صادرات النفط العالمية، لكن محللين يقولون إن ذلك في غاية الصعوبة وأن إيران قد تتعرض لضربة عسكرية إذا حاولت ذلك.

ويضع الأفق الاقتصاد القاتم الشارع الإيراني في طريق مسدود وأمام خيار وحيد هو تصعيد المطالب بإجراء تحول سياسي شامل في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية وهو ما يمكن أن يؤدي لانهيار النظام.

وتبدو الحكومة الإيرانية اليوم على منحدر خطير يقود إلى هاوية سحيقة عن اكتمال خنق الاقتصاد الإيراني بحظر صادرات النفط وإغلاق آخر وأكبر شرايين الحياة الاقتصادية في الـ4 من نوفمبر المقبل.

10