إيران مازالت دولة راعية للإرهاب في عيون الأميركيين

على الرغم من حدّة الخطر الّذي يمثله التمدد الجهادي في الشرق الأوسط بعد ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية”، على المصالح الأميركية والأمن والسلم العالميين، إلاّ أنّ الأميركيين مازالوا لا يقتصرون في تقييمهم لتلك الأخطار على التنظيمات الجهادية فحسب، بل ما تزال إيران وذراعها “حزب الله” من أبرز التهديدات التي تواجهها واشنطن وتصر على صدّها، وفق ورقة بحثية مشتركة للباحثين ماثيو ليفت وكيلسي سيكاوا، صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
الثلاثاء 2015/06/23
حزب الله ما فتئ يمثل تهديدا كبيرا لاستقرار لبنان والمنطقة عموما

واشنطن - عندما أدلى مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، جيمس كلابر، بشهادته أمام الكونغرس الأميركي في مارس الماضي حول جملة التهديدات المحتملة التي يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة، كان من اللافت للانتباه غياب إيران و”حزب الله” عن قائمة التهديدات الإرهابية. وبعد عدّة أسابيع، ردّ كلابر على المخاوف التي أعرب عنها أعضاء مجلس الشيوخ في ما يتعلق بهذا الإغفال في رسالة أقرّ فيها بـ”أنّ إيران وحزب الله يُهددان مباشرةً مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها”، مضيفاً أن الأسرة الدولية ما تزال تعتبر طهران عاصمة “الدولة الرئيسية الراعية للإرهاب”.

وفي 19 يونيو الجاري، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي عن الإرهاب في دول العالم لعام 2014، الذي يشرح كيفية ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” في العام الماضي باعتباره يشكّل التهديد الإرهابي الأبرز للمصالح الأميركية (وهو موضوع ستتم تغطيته في جزء ثان من هذا المرصد السياسي، الذي سيصدر في وقت لاحق). إلاّ أن التقرير، الذي يغطي معظم الإطار الزمني نفسه الذي ارتكزت عليه شهادة كلابر، يُبيّن أيضاً بوضوح أنّ إيران و “حزب الله” نفّذا بصورة نشطة أعمالاً إرهابية وإجرامية وأنشطة قتالية مزعزعة للاستقرار خلال العام 2014.

تهديدات متواصلة

يركّز التقرير الأميركي بصورة خاصة على طهران و”حزب الله” انطلاقاً من الفصل التمهيدي، حيث أوضح منذ البداية “أنّ إيران تواصل رعاية الجماعات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، وبصورة رئيسية من خلال “قوة القدس” التابعة لـ”فيلق الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني. وشملت هذه الجماعات “حزب الله” اللبناني، وعدة جماعات قتالية شيعية عراقية وحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الفلسطينيتين. بالإضافة إلى ذلك، يتهم التقرير إيران بـ”إطالة الحرب الأهلية في سوريا وتقويض أزمة حقوق الإنسان واللاجئين هناك”. ليخلص من ثمّة إلى أنّ رعاية إيران للإرهاب “لم تشهد أيّ تراجع”.

وفي ما يتعلّق بالتهديدات المتعددة التي يشكلها “حزب الله”، أوضح الأميركيون كيف أنّه بقي يمثل “تهديداً كبيراً لاستقرار لبنان والمنطقة الأوسع” في العام 2014. فبصفته وكيل إيران الرئيسي والأكثر نفوذاً، عمد التنظيم إلى “تسريع وتيرة أنشطته العسكرية دعماً للنظام السوري” واستمر في زرع الألغام على طول حدود إسرائيل الشمالية. وقد فاقمت هذه الأنشطة من الوضع الأمني في لبنان وحفّزت قيام “عمليات” انتقام إسرائيلية، من بينها الضربة الجوية في مرتفعات الجولان في يناير 2015 التي أسفرت عن مقتل جنرال إيراني فضلاً عن جهاد مغنية، نجل زعيم عمليات “حزب الله” المتوفى عماد مغنية. إلّا أنّ الضربة لم تلقَ سوى رد متواضع من التنظيم، في محاولة وصفها قادته بـ”المُتأنية” لتجنب المزيد من التصعيد.

رغم انشغال "حزب الله" بشكل كبير في سوريا إلا أن نشاطه الإرهابي في جميع أنحاء العالم بقي مستشريا بلا هوادة

ورغم هذا الانشغال الكبير في سوريا، بقي نشاط “حزب الله” الإرهابي في جميع أنحاء العالم مستشرياً بلا هوادة. ففي أبريل 2014، أُلقي القبض على عنصرين مشتبه بهما (تابعين للحزب) في تايلاند بتهمة التخطيط لهجوم في منطقة من العاصمة التالندية “تعج بالسياح الإسرائيليين”.

كما أنّ عنصراً آخراً، سبق أن اعتُقل في عام 2012 لتخزينه خمسة أطنان من الأسمدة وعشرة غالونات من نترات الأمونيوم على مقربة من بانكوك، قد أُطلق سراحه وجرى ترحيله إلى السويد لاحقا.

وفي الشهر ذاته الذي سُجلت فيه عمليات الاعتقال في تايلاند، قرّرت ألمانيا إغلاق جمعية خيرية تابعة لـ”حزب الله” تُعرف بـ”مشروع الأطفال اللبنانيين اليتامى”، وصادرت مبلغ 80 ألف دولار من أصولها. وتشتبه السلطات الألمانية في قيام الجمعية بنقل أكثر من 4 ملايين دولار إلى “مؤسسة الشهيد” التابعة لـ”حزب الله” منذ عام 2007.

وتمّ تسليط الضوء أيضاً على كيفية استمرار رعايا لبنانيين في أميركا اللاتينية وأفريقيا في تقديم الدعم المادي لـ”حزب الله”، بما في ذلك من خلال غسل عائدات العمليات الإجرامية باستخدام المؤسّسات المالية اللبنانية. وفي الواقع، فإنّ داعمي التنظيم “غالباً ما ينخرطون في عدد من الأنشطة الإجرامية التي تعود بنفع مادي على التنظيم. وقد شملت تلك الأنشطة تهريب البضائع المحظورة، وتزوير جوازات السفر، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، وتزوير بطاقات الائتمان، والهجرة غير الشرعية، والاحتيال المصرفي”.

وفي غضون ذلك، أُلقي القبض على عضو “حزب الله”، محمد أمادار، في بيرو في أكتوبر 2014، وعُثر في شقته على بقايا مواد متفجرة. كما اكتُشفت مواد أخرى لصنع القنابل في سلة مهملات خارج المبنى الذي يقطن فيه. وفي البداية اعترف بانتمائه إلى “حزب الله” ولكنّه سُرعان ما تراجع عن كلامه، زاعماً أنّه قد أُرغم على الاعتراف بذلك. وفي نوفمبر من نفس العام، أمرت محكمة بإبقائه قيد الاعتقال لمدّة تصل إلى ثمانية عشر شهراً بينما يُحقّق المدعون في القضية ويعدّون التّهم الرسمية.

جيمس كلابر: الأسرة الدولية تعتبر طهران عاصمة الدولة الرئيسية الراعية للإرهاب
وفي فنزويلا، شكّلت البيئة المُتساهلة أرضية خصبة لتواجد أفراد مرتبطين بالعديد من الجماعات الإرهابية، بما فيها “حزب الله”.كذلك أيّدت المحكمة العليا في قبرص، في مارس 2014، إدانة حسام طالب يعقوب، الذي يحمل الجنسيتين اللبنانية والسويدية، وهو عنصر في “حزب الله” كان قد اُعتُقل في العام 2012 على خلفية مراقبة أهداف سياحية إسرائيلية لتنفيذ أعمال إرهابية مُحتملة. وتمّ ترحيله إلى السويد بعد أن أكمل فترة عقوبته في نوفمبر الماضي.

وبصورة إجمالية، أفادت وزارة الخارجية الأميركية بأنّ “إيران قد أقرّت علناً بتزويد حزب الله بصواريخ ‘فاتح’ المتطورة البعيدة المدى والإيرانية الصنع”، في انتهاك واضح لقراري مجلس الأمن 1701 و 1747. وفي نوفمبر2014، أقرّ قائد سلاح الجو في “فيلق الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني، العميد أمير علي حاجي زاده، علناً بأن “فيلق الحرس الثوري وحزب الله هما حال واحدة”.

دور ميليشياوي خطير

أضحى جليا أنّ طهران استخدمت “قوة القدس” التابعة لـ”فيلق الحرس الثوري الإسلامي” لحشد عدد من المقاتلين الشيعة في العراق وسوريا في وجه تنظيم “الدولة الإسلامية”، بما في ذلك “كتائب حزب الله” التي صُنفت كتنظيم إرهابي. ووفقاً للتقرير، ارتكب هذا التنظيم وغيره من الميليشيات المدعومة من قبل إيران “انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”. وبالإضافة إلى ذلك، زادت إيران من عمليات تدريب الميليشيات وتمويلها في عام 2014، وتزويدها لهم بأسلحة متقدمة.

كما “دفعت مئات الملايين من الدولارات لحزب الله ودربت الآلاف من المقاتلين التابعين له في معسكرات مقامة على أراضيها”.

ولا تتوقع وزارة الخارجية الأميركية أن تغير إيران سلوكها في سوريا عمّا قريب، إذ تؤكّد أنّ “إيران تعتبر سوريا ممراً محورياً في طريق الإمداد التي تعتمده لتسليح حزب الله، الذي يعدّ المستفيد الأساسي، وركناً أساسياً من جبهة ‘المقاومة’ الخاصة بها”. وفي الواقع، استمرت إيران في تزويد الجماعة بـ”التدريب والأسلحة والمتفجرات، بالإضافة إلى الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي والتنظيمي”.

إيران دفعت مئات الملايين من الدولارات لحزب الله ودربت الآلاف من المقاتلين التابعين له في معسكرات مقامة على أراضيها

كما واصلت إيران “تقديم الأسلحة والتمويل والتّدريب وتعبئة شيعة عراقيّين ومقاتلين أفغان بشكل أساسي لدعم القمع الذي يمارسه نظام الأسد، والذي أسفر عن مقتل حوالي 200 ألف شخص على الأقل في سوريا، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة من أغسطس الماضي”. فضلاً عن ذلك، يشير التقرير إلى أن إيران قد أقرّت علناً بإرسال عناصر من “فيلق الحرس الثوري الإسلامي” إلى سوريا للقيام بدور استشاري؛ وتفيد تقارير إعلامية متطابقة بأنّ “بعض هؤلاء العناصر ينتمي إلى قوة القدس وأنه شارك في العمليات القتالية المباشرة”، على الرغم من أن إيران نفت هذا الدور.

هذا وأضحى من الثابت أنّ إيران تلعب دورا ميليشيويا خطيرا في كلّ من العراق وسوريا وكذلك في اليمن (من خلال دعم التمرّد الحوثي)، وبات من الواضح أنّ إنشاء الميليشيات الشيعية ودعمها من أجل خلق الفوضى أولا ثمّ إحكام السيطرة لاحقا، هو أساس من الأسس التي تقوم عليها السياسة الإيرانية والتي لن تتخلى عنها.

خلاصة القول، يُظهر “التقرير السنوي عن الإرهاب في دول العالم” الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، المدى الذي بقيت فيه إيران وحليفها “حزب الله” ملتزمين بدعم الإرهاب الدولي والانخراط فيه في عام 2014.

ومع ذلك، فقد زاد هذا الالتزام في عام 2015، كما يتضح من خلال تصنيفات وزارة الخزانة الأميركية في فبراير الماضي ضد شبكة الدعم التابعة لـ”حزب الله” في مناطق عديدة من العالم. وهو ما يوفّر أسبابا وجيهة جعلت تقرير وزارة الخارجية يشير بشكل واضح وصريح إلى “أنّ تنظيمي داعش والقاعدة لا يشكلان التهديد الخطير الوحيد الذي واجهته ومازالت تواجهه الولايات المتحدة وحلفاؤها، في ظلّ مواصلة إيران لرعاية الجماعات الإرهابية في جميع أنحاء العالم”.

7