إيران.. مرونة بطولية أم تجرع كأس السم

الأربعاء 2013/09/25
كان شعار إيران"الموت لأميركا" لكن اليوم..

أطلق "خامنئي" شعار "تكتيك المرونة البطوليّة" في التعامل مع من كان يسمّيه بالشيطان الأكبر (أميركا)، وجاء هذا الشعار بَعْد أن اصطدم المشروع التوسّعي الفارسي والهلال الصفوي المزعوم بجدار الصدّ السوري، خاصّة أن الثورة السورية أيقظت الأمّة العربيّة من سباتها لتستفيق على كارثة كبرى ستحلّ بها بعد سقوط قناع المقاومة المزعوم من وجه "خامنئي" و"بشّار" و"نصر اللات".. ولم يصح الضمير العالمي أمام هول المجازر وشلال الدم العربي السوري منذ بداية الثورة السورية حتى جاءت مجزرة الغوطتين الشرقيّة والغربيّة بالسلاح الكيميائي، وما تلاها من تصريحات لمسؤولين أميركيين أن "عدم الرد العسكري على بشّار سيساهم في تمرّد إيران في المنطقة".

ووظّفت طهران فرصة "مجزرة الغوطتين" لإبراز نفسها كأحد الأطراف الرئيسة في الأزمة السورية فارتمت في أحضان "الشيطان الأكبر" مع الحفاظ على الشعار الكاذب والمتمثل بمحور المقاومة ضد الطفل المدلّل للشيطان وهو الكيان الصهيوني.

ورغم أن إسرائيل تعتبر جزءً لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي، فإن "منصور حقيقت بور" عضو الهيئة الرئاسيّة للجنة الأمن القومي التابعة للبرلمان الفارسي يؤكد أن "توطيد العلاقات مع أميركا سيقصم ظهر إسرائيل وسيميت حلفاؤها الرجعيين العرب قهراً".

ولا شك أن العقوبات الدوليّة ضد إيران قصمت ظهر اِقتصادها القائم بنسبة تفوق الـ70 بالمئةعلى نفط دولة الأحواز العربيّة المحتلة وغازها وثرواتها.. ويدرك "خامنئي" جيّداً أن حلّ الأزمات الداخليّة والخارجيّة العاصفة ببلاده وكذلك فكّ العزلة الإقليميّة والدوليّة تمرّ عبر بوابة "الشيطان" لرفع العقوبات تدريجيّاً وتخلّي طهران عن تمسكّها بإغلاق مفاعلاتها النوويّة بوجه المراقبين الدوليين والموافقة على تخصيب اليورانيوم بنسبة أقل من الـ20 بالمئة وإبداء التراجع التدريجي عن دعهما لبشّار.

و"تكتيك المرونة البطوليّة" المُعلن من قِبَل "خامنئي"، أثار الكثير من ردود الأفعال الداخليّة، فهناك من شبّهها بصلح الحسن ابن الخليفة الرابع "علي ابن أبي طالب" مع "معاوية ابن أبي سفيان"، ويرى "حسين شيخ الإسلام" المستشار الدولي لرئيس البرلمان الإيراني أن "الأمثلة على المرونة البطوليّة تكمن في صلح الحُديبيّة وصلح الحسن ابن علي وقبول الخميني بقرار 589 لوقف إطلاق النار مع العراق عام 1988 وكذلك موافقة النظام السوري على اتفاق خلع الأسلحة الكيميائيّة". وحديث إيران عن "صلح الحُديبيّة" يقودنا إلى خطاب رئيس وزاء الباكستان "برويز مشرّف" عن الصلح ذاته عام 2001 في كلمة موجّهة إلى الشعب الباكستاني حين وضعته أميركا أمام خيارين لا ثالث لهما وهُما: "إما أن تكون معنا أو عدوّنا" وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر من نفس العام، وجاء هذا الخطاب تمهيداً لتخلّي "إسلام آباد" عن شقيقتها "كابول" وكسب التأييد الشعبي للموافقة على اِستباحة أميركا لأراضيها وأجوائها لقصف أفغانستان واِحتلالها.

وأمام الضغوطات الدوليّة والإقليميّة واِنهيار الاِقتصاد الإيراني والتضخّم المالي غير المسبوق واِنتشار الفقر وتفشّي البطالة واِرتفاع نسبة الجريمة وإدمان الملايين على المخدرّات، تتوخّى طهران اليوم نفس الخطاب لمسايرة الشيطان والتراجع عن شعاراتها الواهية فتضغط على "بشار" لتسليم ترسانته الكيميائيّة تمهيداً لفتح مفاعلاتها النوويّة للمراقبين الغربيّين أو الدوليّين بعد أن كانت تعتبرها خطاً أحمر.

ورغم إدعاءات بعض المسؤولين الإيرانيّين أن "المرونة البطوليّة" لا تعني التراجع وأنها مجرّد مناورة لحلّ الأزمات العاصفة في البلاد الآن، يرى البعض أن تطرّق "خامنئي" إلى "المرونة البطوليّة" ونسبها إلى كتاب سابق ألفه حول صلح "الحسن" مع "معاوية"، يُعد دليلاً قاطعاً على هزيمة قادة إيران في سياساتهم الإقليميّة والدوليّة، وتقهقر المشروع التوسّعي الفارسي وتحطيم الهلال الصفوي الممتد من فارس إلى فلسطين، وبالتالي فأن هذا الشعار سيضع إيران أمام حقيقة لا مفرّ منها وهي "واقعة كربلاء" الدمويّة التي جاءت على أعقاب ذلك الصلح.

ولا ريب أن المراسلات المباشرة بين "أوباما" و"روحاني" والترويج الإيراني المكثف لتوطيد العلاقة بواشنطن، سيساهم في فقدان النظام مصداقيّته وبالتالي تراجع هيبة الدولة الفارسيّة على الصعيدين الداخلي والخارجي. خاصّة أن "خامنئي" قد أكّد العام الماضي أنه "ثوري وليس دبلوماسيّ" بينما يناقض نفسه اليوم برفعه شعار "المرونة البطوليّة المقرونة بالتحرّكات الدبلوماسيّة الذكيّة".

وحفاظاً على ما تبقّى من ماء الوجه، أعلن مساعد قائد الحرس الثوري أن "الرد الإيراني سيجعل من العدو الأميركي نادماً على تهديداته"، وتتزامن هذه التصريحات مع تأكيد "خامنئي" على "المرونة البطوليّة" وإعطاء الضوء الأخضر لكلاً من "روحاني" ووزير خارجيّته "ظريف" للاِرتماء في أحضان العدو المزعوم والسفر لنيويورك لتوطيد العلاقة مع "الشيطان الأكبر" وفقاً للتسميّة الإيرانيّة لأميركا.

ولا يمكن لمثل هذه التصريحات الغريبة تغيير شيء من الأمر الواقع وإعادة الهيبة للدولة الفارسيّة، إذ فَهمَ الجميع الرسالة التي مفادها إقتداء "خامنئي" بسلفه "الخميني" في تجرّع كأس السُمّ حين قادته عنجهيّته إلى الطريق المسدود.

وليس أدلّ من ذلك تخبّط قادة الفرس في خطبهم وتأكيد "محمّد رضا نقدي" قائد قوات الباسيج التابع للحرس الثوري على ضرورة التوجّه لأميركا والتفاوض معها بُغية محو إسرائيل من الوجود.

12