إيران.. مغالطة العالم في مراسم تنصيب الرئيس

حاولت طهران مغالطة الرأي العام الدولي خلال مراسم تنصيب حسن روحاني خلال ولاية رئاسية جديدة من خلال حرصها على مشاركة دولية لمراسم التنصيب خاصة من الجانب الغربي، لكن الوعي الإقليمي بخطر الدور الإيراني في المنطقة من خلال إصرار إيران على التمدد بفرض نهج الطائفية والحروب بالوكالة، جعل المجتمع الدولي حذرا من الممارسات الإيرانية.
الاثنين 2017/08/07
العالم بات على وعي بخطر الدور الإيراني

سعت حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى تسجيل مشاركة إقليمية ودولية بارزة في مراسم أدائه اليمين الدستورية لفترة رئاسية جديدة، التي نظمت في 5 أغسطس الجاري، بهدف توجيه رسائل عديدة إلى الداخل والخارج.

ودعت طهران مسؤولين من 100 دولة حول العالم، بينهم 8 رؤساء دول و19 رئيس برلمان و9 مساعدين لرؤساء جمهوريات و برلمانات و11 وزير خارجية و35 مبعوثا خاصا، وهو ما يتجاوز ضعف الوفود التي حضرت عام 2013.

وحاولت القيادة الإيرانية استغلال ذلك لتأكيد أن السياسة التي تبنتها خلال الأعوام الأربعة الماضية ساهمت في تحسن العلاقات مع الخارج، وأن الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية كانا المدخل الرئيسي لهذا التحسن، بعد أن أثبتت طهران أنها قادرة على الانخراط في التزامات دولية وتسعى إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة، عكس السياسة التي تبناها الرئيس السابق أحمدي نجاد.

وسعت إلى الإيحاء بأن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأميركية على مستوى فرض المزيد من العقوبات أو محاولة التركيز على بعض ملفات أخرى (دعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط) لم تنجح في استقطاب دعم القوى الدولية، بدليل حرص بعض المسؤولين الغربيين على المشاركة في المراسم، وفي مقدمتهم منسقة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني.

هذه الادعاءات لا تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، لاعتبارين رئيسيين: الأول، بعض الدول الغربية بدأت بالفعل في تبني سياسة مختلفة والاقتراب نسبيا من الموقف الأميركي حيال إيران، خاصة في ما يتعلق بالتعامل مع برنامجها للصواريخ الباليستية المثير للجدل، وهو ما بدا جليا في الرسالة التي وجهتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى مجلس الأمن في 2 أغسطس الحالي، حيث قالت إن “إيران اتخذت خطوة تهديدية واستفزازية من خلال تجربة صـاروخ قادر على حمل أقمار صناعية”.

وينصرف الاعتبار الثاني إلى أن التوتر أصبح سمة رئيسية في علاقات إيران مع الكثير من الدول، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، خلال فترة رئاسة روحاني الأولى، وقطعت بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، فيما قررت دول أخرى (الكويت مثلا) تخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي، بسبب تدخل طهران في شؤونها الداخلية واستمرارها في تهديد أمنها واستقرارها.

وهنا فإن مزاعم روحاني، خلال كلمته بعد أداء اليمين، بأن “إيران تمد يد الصداقة لبناء أفضل العلاقات مع دول الجوار” تتناقض مع سياسات بلاده الفعلية، التي أوصلت تلك العلاقات إلى أدنى مستوياتها خلال فترته الرئاسية الأولى، والسبب في ذلك يكمن في حرص المؤسسات الأخرى في النظام، مثل الحرس الثوري، على مزاحمته في تحديد اتجاهات السياسة الإيرانية، وعدم قدرته على ترجمة تصريحاته إلى خطوات إجرائية على الأرض.

إشارات متوازية

بدا ذلك جليا في ثبوت تورط إيران في دعم “خلية العبدلي” في الكويت، والإصرار على مواصلة دعم قطر في أزمتها مع دول المقاطعة، وهو ما انعكس خلال تلك المراسم.

وتعمدت الدوحة وأنقرة اختيار وزيري الاقتصاد في الدولتين للمشاركة فيها بالتنسيق مع طهران بهدف توفير فرصة لعقد اجتماع مع وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، للاتفاق على تأسيس لجنة ثلاثية مشتركة لتدشين ممر لنقل الصادرات التركية إلى قطر عبر إيران.

وأبدت إيران اهتماما خاصا بمشاركة فيديريكا موغيريني في المراسم، تأكيدا على أن علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي تتطور بشكل مستمر رغم الضغوط الأميركية، بل تعمدت التمسك بموقفها من برنامج الصواريخ في حضور الأخيرة، وهي إشارة لها مغزاها توحي بأنها لن تقدم تنازلات في هذا الملف، حتى بعد الرسالة الأخيرة التي وجهتها الدول الغربية الأربع إلى مجلس الأمن.

حشدت إيران معظم حلفائها للمشاركة في مراسم تنصيب روحاني، في إشارة إلى أن تمددها في المنطقة مستمر

وربما تسعى طهران لممارسة ضغوط على الاتحاد الأوروبي لبذل جهود أكبر لإقناع الإدارة الأميركية بتغيير موقفها من الاتفاق، وهو ما عكسته تهديدات روحاني، في حضور موغيريني، بإمكانية انسحاب طهران من الاتفاق في حالة ما إذا اتجهت واشنطن إلى اتخاذ هذا القرار.

في المقابل، حرصت موغيريني على المشاركة لتأكيد استمرار دعم الاتحاد الأوروبي للاتفاق النووي، وأنها مازالت تعول عليه لتعزيز الاستقرار في المنطقة. وحشدت إيران معظم حلفائها للمشاركة في مراسم تنصيب روحاني، في إشارة إلى أن تمددها في المنطقة مستمر، رغم الضغوط والعقبات العديدة التي تواجهها في هذا الصدد.

وكانت حركة حماس الفلسطينية في مقدمة المشاركين، وضم وفدها شخصيات أثارت جدلا واسعا، على غرار صالح العاروري الذي انتقل من قطر إلى لبنان على خلفية الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي فرضت على الأولى، وربما يستقر في إيران، بتنسيق مع كل من الدوحة وأنقرة.

وتعمدت طهران دعوة ممثلين لدول انخرطت في أزمات متعددة مع المجتمع الدولي، على غرار كوريا الشمالية وكوبا وزيمبابوي، وهي سياسة حرصت على مواصلة اتباعها منذ عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد، الذي قام بتأسيس علاقات مع خصوم واشنطن كانت عنوانا رئيسيا لسياسته الخارجية.

وجاءت مشاركة عمار الحكيم زعيم تيار “الحكمة الوطني” الذي تشكل مؤخرا في العراق، كرسالة تفيد حرصه على الاحتفاظ بعلاقاته مع طهران، والتي ربما تتأثر سواء بخطوته الأخيرة التي خرج عبرها من المجلس الأعلى الإسلامي، أو بسبب اتجاهه إلى فتح قنوات تواصل مع البعض من الدول العربية، على غرار مصر التي زارها في 18 أبريل الماضي، وربما السعودية في مرحلة لاحقة.

كانت المشاركة التي حازت زخما من جانب الكويت التي ترأس وفدها المستشار بالديوان الأميري الدكتور يوسف حمد، ما أوحى أنها حريصة على وضع حد لمستوى التوتر في علاقاتها مع طهران، ربما نتيجة لتوازناتها الداخلية، رغم أن تلك المشاركة توازت مع استمرار الجدل حول اتهام إيران بإيواء عناصر “خلية العبدلي” التي قالت السلطات الكويتية أنهم متوارون عن الأنظار.

التحديات مستمرة

لم تسجل مشاركات بارزة لدول عربية كثيرة من المنطقة، بشكل يؤشر إلى مدى تراجع علاقاتها مع إيران في الأعوام الأخيرة، بعد أن تفاقمت تدخلات طهران في شؤونها الداخلية وتهديد أمنها واستقرارها.

لم تسجل مشاركات بارزة لدول عربية كثيرة من المنطقة في مراسم التنصيب، بشكل يؤشر إلى مدى تراجع علاقاتها مع إيران في الأعوام الأخيرة

كما أن حضور بعض ممثلي الدول الغربية، ولا سيما الدول الأوروبية، لم يكن على مستوى يتوافق مع جهود وطموحات إيران، ربما باستثناء مشاركة موغيريني، وهو ما يمثل رسالة لطهران تشي بأن سياستها قد تدفع تلك الدول إلى تقليص مساحة خلافاتها مع واشنطن حول الاتفاق النووي مع طهران. واعتذر بعض المسؤولين العراقيين عن المشاركة، على غرار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس البرلمان سليم الجبوري، واكتسب قرار الأخير تحديدا اهتماما من جانب اتجاهات عديدة كانت حريصة على الربط بينه والتطورات الأخيرة التي تشهدها علاقات العراق الخارجية، خاصة مع السعودية التي استقبلت، في 29 يوليو الماضي زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وقبله رئيس الوزراء حيدر العبادي، وربما تستقبل شخصيات سياسية أخرى مستقبلا مثل عمار الحكيم رئيس تيار “الحكمة الوطني” وإياد علاوي نائب الرئيس العراقي.

ومن الصعوبة فصل غياب رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، بالتوازي مع مشاركة رئيس البرلمان نبيه بري ونائب أمين عام حزب الله نعيم قاسم، عن الجدل الدائر حاليا حول دور حزب الله، سواء بسبب مشاركته في الصراع السوري أو محاولته الترويج لـ”انتصاره” في معركة جرود عرسال ضد “جبهة النصرة”، وهو الجدل الذي تصاعد عقب التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه بالحريري في واشنطن في 25 يوليو الماضي والتي قال فيها إن “حزب الله يشكل تهديدا للمنطقة برمتها”.

رسائل مضادة من الحاضرين والغائبين كلها تعني أن جهود حكومة روحاني لتوسيع نطاق علاقاتها مع القوى الدولية وتقليص حدة التوتر مع دول المنطقة سوف تواجه عقبات لا تبدو هينة خلال الأعوام الأربعة القادمة.

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

6