إيران من اقتصاد المقاومة إلى اقتصاد المافيا

لا توجد مؤشرات حقيقية على أن إيران سوف تكون ذلك الجار الذي يهتم بشؤونه ويحاول بناء علاقة طيّبة مع جيرانه. فجل التقارير تؤكد أن النشاطات الدبلوماسية الإيرانية تسعى إلى كسب ود الغرب في مسائل رفع الحصار عن بنوكها المورطة في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، كما تسعى طهران إلى المزيد من التوسع في دائرة نشاطها النووي والاستمرار في استفزاز جيرانها العرب عبر إثارة النعرات الطائفية، مما يفترض حتما اتخاذ جملة من الاحتياطات.
الخميس 2016/09/29
تجسيد لواقع إيراني

واشنطن – أكد الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ماثيو ليفيت، أن البنوك الإيرانية تسعى إلى فك الحصار عليها والدخول في السياق الدولي للمنظومات البنكية، بالرغم من أن جل تلك البنوك لا تزال تحوم حولها شبهات فساد متعلقة أساسا بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال والقيام بتحويلات مشبوهة إلى بنوك أخرى.

وقد أكد الباحث ليفيت، في مقاله بعنوان “اقتصاد المقاومة في إيران وجهود الإصلاح المتعثرة”، أن “الدورة واضحة، فالبنوك تخشى من التعامل مع إيران لأنه مازال على طهران الحد من السلوك غير المشروع الذي يجعل منها خطرا ماليا. وفي الوقت نفسه لا تزال على المسؤولين الإيرانيين معالجة المسألة التكنوقراطية الخاصة بالامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب”.

ويضيف ليفيت أنه بدلا من الامتثال للمعايير الدولية، فقد تشير إيران إلى مؤسستين بنكيتين بارزتين هما “بانك سبه” و”بانك ملت” كملاذات آمنة محتملة للتعامل مع الغرب. ويبدو أن البعض من الرسائل التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية تظهر أن هاتين المؤسستين (اللتين يشهد تاريخهما على أنهما الأكثر مخالفة للعقوبات الدولية) ترفضان إجراء معاملات صرف أجنبية مع شركة مشبوهة هي “خاتم الأنبياء”، وهي شركة هندسة وبناء كبيرة تابعة لقوات الحرس الثوري، وتذكر الرسائل إدراج هذه الشركة ضمن قوائم العقوبات الأميركية.

كما أن الغموض الذي لا يزال يحيط بالاتفاق النووي الإيراني وكيفية تطبيقه والتسريبات التي تخرج بين الحين والآخر حول مواصلة طهران لنشاطها النووي المشكوك فيه أصلا، هي من الأمور التي تعد من أبرز المخاطر الحقيقية المهددة للسلم والأمن الدوليين وليس فقط منطقة الشرق الأوسط وباقي المجال العربي.

وبالتوازي مع ذلك، فإن سياسة “التقرّب” من صناع القرار في الغرب لرفع العقوبات عن البنوك الإيرانية بالرغم من وقوعها في شبهات تبييض أموال وتمويل الإرهاب، تعد مراكمة أخرى لأسباب القوة الموجهة ضد جيران طهران وخاصة العرب منهم.

الدول التي تقوم على تعدد إثني داخلها ولا تحترم ذلك التعدد، هي حتما مسكونة بهاجس التمدد على حساب جيرانها

استغلال الفراغ

ينتظر العالم في الأشهر المقبلة نتائج الانتخابات الأميركية التي ستدور بين الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون، وذلك لحسم كل الاحتمالات التي ستترتب عن صعود أحدهما باعتبار الاختلاف بين المرشحين في مستوى السياسة الخارجية بالأساس.

وتستغل إيران هذا الفراغ للقيام بعدد من النشاطات، خاصة المالية منها، وتكثيف الزيارات الدبلوماسية والتدريبات المشتركة في بحر الخليج مثل المناورة الأخيرة التي جرت بين الجيش الإيراني والجيش الإيطالي قبالة سواحل إيران شرق الخليج العربي لتدعيم قدراتها البحرية.

وقد دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني في سياق العمل الدولي الإيراني إلى عقد اجتماعات رفيعة المستوى في نيويورك للتعبير عن الشكاوى الإيرانية بأن العقوبات المسلطة على البنوك لم يتم رفعها بالكامل، فهو يريد من الغرب التساهل من جانب واحد فيما يعتبرها العديد من الإيرانيين “عقبات” مصرفية غير مبررة. وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على طهران باعتبار أن الجهاز السياسي الإيراني لا يفكر إلا بطريقة الانصياع لرغبة المجتمع الدولي في الحد من انتشار السلاح النووي من ناحية (كل التقارير تؤكد أن إيران تبحث عن قوة اقتصادية دون التنازل عن استراتيجيات أيديولوجية في الهيمنة على المنطقة)، ومن ناحية ثانية تعمل إيران بشكل متواز على مراكمة قوتها الداخلية وتضييق الخناق على جيرانها واستفزازهم.

عداء مجاني

قالت الإمارات إن اعتراف إيران بتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة يمثل “نصف الحل”، واعتبرت أن الإنكار الإيراني أصبح “مسخا” وسط إجماع إقليمي على أن سياسة طهران تعد أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في العالم العربي.

واعترضت إيران على كلمة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في الجلسة العامة، التي أكد فيها على أن التعنت الإيراني واستمرارها في احتلال الجزر الإماراتية الثلاث يقوضان أمن المنطقة.

وشدد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش على أن الاعتراض الإيراني على كلمة الشيخ عبدالله بن زايد “لا يغيّر الحقائق”.

وقال قرقاش في حسابه على تويتر “إن نظام الشاه احتل جزر الإمارات الثلاث، والاحتلال مازال قائما” مضيفا أن “دول المنطقة مجمعة على أن السياسة الإقليمية الإيرانية هي أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في العالم العربي فيما طهران يتيمة ووحيدة في الاعتقاد بغير ذلك”.

وهذه التصريحات تؤكد لمتابعي الشأن العربي أن طرفي القضية واضحين، طرف يحتل جزرا ويقوم باستفزازات طائفية ويتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وطرف آخر يلتجأ إلى القانون الدولي والقنوات الدبلوماسية للدفاع عن نفسه.

الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: ازلنا نسمع عن صدور دعوات طائفية من إيران وجهودنا معها لم تجد تجاوبا

وفي السياق تأتي تصريحات وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن بلاده لا تزال تواجه محاولات إيران العبث بأمنها وسلمها الأهلي، مشيرا إلى أن طهران تواصل تدخلها في المنطقة عبر ميليشيات وجماعات إرهابية.

وقال وزير خارجية البحرين “مازلنا نسمع عن صدور دعوات طائفية من إيران”، مضيفا أن “الجهود العربية لم تجد تجاوبا من طهران”. وأوضح آل خليفة أن دول الخليج والدول العربية لطالما عاملت إيران وفق مبدأ حسن الجوار.

ويقول الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الجيوسياسية جاك روبرت “إن الدول التي تقوم على تعدد إثني داخلها ولا تحترم ذلك التعدد وفق آليات حكمها القائمة إما على التيوقراطية وإما على الدكتاتورية الأحادية وإما على نظام أيديولوجي كلياني (أو فاشي)، فإنها حتما مسكونة بهاجس التمدد على حساب جيرانها لإيجاد مساحة أوسع من الناحية الجغرافية، وبالتالي إبعاد الإثنيات التي تحكمها بالقوة عن مراكز القرار وهي إما مدن سياسية وإما مدن دينية وإما عواصم اقتصادية كبرى”.

هاجس التمدد

يبدو أن تحليل روبرت ينطبق إلى حد بعيد على إيران. فهي الدولة التي تعيش داخلها العديد من العرقيات والشعوب والانتماءات القومية المختلفة، وعبر التاريخ الحديث لإيران، شهدت تلك الشعوب تحركات تحررية تريد من خلالها إما إصلاح وضعيتها داخل الدولة الكبرى وإما الانفصال، وقد زادت معاناة تلك الشعوب بعد ثورة الخميني الإسلامية التي حولت البلاد إلى كيان ديني يحكمه مرشد أعلى باسم الدين.

ولعل ما يقوم به الأكراد في العقود الأخيرة (إعادة فتح الجبهات مع الحرس الثوري مؤخرا)، يؤكد أن النظام الإيراني يقمع فعلا الأقليات لصالح القومية الفارسية التي تحتمي بغطاء طائفي.

وبالتالي، فإن رأي جاك روبرت في أن الأنظمة التي تفرض نفسها بالقوة على شعوبها تبحث دائما على أعداء خارجيين لها كي تقوم بالتعبئة الدائمة لصالح “عدو” خارجي لأن الدولة التي تحوي براكين داخلية هادئة عليها دائما أن تغذي تلك البراكين بمسكنات.

وبهذا الوضع المتوتر، الذي أراده نظام طهران أن يكون، فإن ردود أفعال دول الخليج العربي تعتبر ردودا في مستوى الشرعية وتأتي في إطار أسس ومبادئ القانون الدولي في الدعوة إلى التهدئة والسلم وتسوية الخلافات وفق منظور المجتمع الدولي. لكن تصريحات المسؤولين الخليجيين تعكس وجود تهديدات حقيقية تقوم بها إيران خاصة وأن نشاطها المالي والنووي والعسكري والطائفي لا يظهر أن المستقبل سيتضمن تحسّنا لسياستها الاستفزازية بالقدر الذي يشي به هذا المستقبل بأنه على دول الخليج والدول العربية ككل اتخاذ كل الاحتياطات.

6