إيران من دولة منبوذة إلى قوة إقليمية.. تحول ممكن لكن بشروط صعبة

لا يوفر رفع العقوبات على الاقتصاد الإيراني مثالا مرحبا به في العمل الدولي المنسق فحسب، ولكن يؤكد أيضا أن الدبلوماسية يمكنها حل المشاكل العالمية المستعصية، الأمر الذي يعطي اللاعبين الدوليين أملا في التوصل إلى إيجاد صيغة للتقارب الأمني بين طهران، التي لم تعد في نظرهم دولة مارقة، والسعودية، التي لن تبقى مكتوفة الأيدي فيما تترءى لها ملامح حصار قد يهدد نفوذها التقليدي في المنطقة وتحالفها مع الغرب، بعد إعادة تأهيل إيران كقوّة إقليمية وريثة لجزء من الهيمنة الأميركية في المنطقة.
الثلاثاء 2016/01/19
أيهما الأبقى: الاتفاق أم هذا الشعار

بيروت - يمثّل رفع العقوبات المفروضة على إيران شهادة على "علاقتها الجديدة" مع الولايات المتحدة، التي ستكفل لها التحوّل من دولة منبوذة إلى دولة ذات نفوذ إقليمي، وهو وضع قد يتحقق على حساب المملكة العربية السعودية حليف واشنطن الرئيسي والقوة الإقليمية التقليدية في المنطقة.

وتفرض التغيرات الجديدة، على الأعداء قبل الحلفاء، التكيّف مع تحول إيران إلى دولة ذات نفوذ تتصرف في الشرق الأوسط، وقد تحررت من القيود بعد اتفاقها النووي مع القوى العالمية وخطوة رفع العقوبات، التي ترفعها إلى مصاف اللاعبين الرئيسيين في السياسة الدولية؛ وقد بدت إيران تستميل لاعبيها الكبار عبر مجموعة من التصريحات والممارسات، من قبيل الإفراج السريع والمفاجئ عن البحارة الأميركيين الذين دخلوا المياه الإقليمية الإيرانية، في الأسبوع الماضي.

وبعد الثورة الإسلامية عام 1979، التي وصلت برجال الدين الشيعة إلى مقاعد السلطة، استغلت إيران احتجاز الرهائن أكثر من مرة لانتزاع تنازلات من خصومها الغربيين. ففي أوائل عهد الثورة احتجزت 52 رهينة من العاملين في السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما. وكان ذلك الحدث على مستوى حوادث التفجيرات الانتحارية المدعومة من إيران والتي استهدفت السفارات والقوات الغربية في لبنان وخطف الطائرات واحتجاز الرهائن الغربيين.

وترك ذلك ندوبا عميقة وأثار عداء تجاه إيران كدولة خارجة على الإجماع في المنطقة وفي العالم. ومع ذلك، فقد تباين حادث احتجاز البحارة الأسبوع الماضي تباينا شديدا مع ما حدث عام 2007 عندما أسرت إيران بحارة بريطانيين في ظروف مشابهة لكنها اتهمتهم بالتجسس واحتجزتهم لمدة أسبوعين. أما حادث البحارة الأميركيين فتم احتواؤه بسهولة من خلال التقارب الجديد، الذي يقول عنه فواز جرجس، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بكلية الاقتصاد في جامعة لندن إنه “يلخص ظهور علاقة جديدة بين واشنطن وطهران“.

مازالت واشنطن أبعد ما تكون عن الوقوع في غرام الملالي الذين يحكمون في طهران كما أنها ملتزمة رسميا بعلاقاتها مع السعودية؛ لكن عوامل الجذب لدى إيران سياسية واقتصادية على حد سواء، حيث يقول فواز جرجس إن إيران “لديها إمكانيات يمكن أن تجعل منها قوة جذب دولية وسوقا ناشئة ضخمة على غرار تركيا“.

ويضيف “هناك علاقة جديدة تقوم على فهم جديد لدور إيران المحوري في المنطقة. وأن إيران باقية، لذا فإن طهران بالنسبة إلى واشنطن لم تعد دولة مخربة بل دولة يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في تحقيق الاستقرار في المنطقة وتسهم في إطفاء الحرائق”، على حد وصف جرجس.

مدى التزام إيران ببنود الاتفاق النووي هو الذي سوف يقرر شرعيتها العالمية

لكن السعودية لا تستطيع أن تكون موالية لحليفتها الأميركية في هذا السياق، وتتغاضى عن خلافها مع إيران، التي تسعى إلى تشكيل محور شيعي يمتد من العراق عبر سوريا إلى لبنان حيث يعتبر حزب الله، المدعوم من إيران، من أهم القوى السياسية في البلاد؛ كما لم يعد خافيا الدور الذي تلعبه إيران لإثارة الاضطرابات في البحرين، عن طريق تأليب شيعة المملكة الخليجية، وكذلك دعمها لحركة أنصار الله الحوثية، في اليمن الجاربة الجنوبية للسعودية.

وتعتقد الرياض أيضا أن طهران تثير القلاقل في المنطقة الشرقية من المملكة التي تضم تقريبا جميع احتياطيات السعودية من النفط وأغلب أفراد الأقلية الشيعية؛ وقد وصلت ذروة هذا الاتهام على خلفية ردّ الفعل الرسمي الإيراني على إعدام السلطات السعودية لرجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر.

مع ذلك، ورغم علمهم بالدور الإيراني المتآمر في المنطقة، من المرجح أن يكون احتواء إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين أمرا ذا أهمية كبرى لمصالحهم، وبصفة خاصة قد يصبح لإيران دور حاسم في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق والبحث عن نهاية للحرب الأهلية في سوريا.

موقف دفاعي

يقول فارهانج جاهانبور، من جامعة أوكسفورد، إن السعوديين بحاجة للاتفاق على صيغة أمنية إقليمية مع إيران وكل دول الخليج العربي الأخرى بالإضافة إلى القوتين السنيتين مصر وتركيا. ويضيف “يجب عليهم التعاون لأنه إذا استمرت حالة العداء الحالية فسيكونون هم الخاسرين وسنشهد حروبا لعشرات السنين في المنطقة“.

فواز جرجس: من السابق لأوانه إعلان إيران الطرف الفائز في الاتفاق

ويقول مراقبون سعوديون إنه من الصعب التنبؤ بتحركات الرياض منذ أن تولى الملك سلمان بن عبدالعزيز في العام الماضي مقاليد السلطة ومنح ابنه الشاب الأمير محمد بن سلمان سلطات واسعة؛ لكن الواضح أنها تسعى لتحافظ على مكانتها باعتبارها القوة الإقليمية الرئيسية في المنطقة، وقد كانت تحظى بهذه المكانة، بشكل غير مباشر، من خلال رمزيتها الدينية، وعلاقات التحالف متعدد الأبعاد بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. لكن، تزايد الثقة الإيرانية، و”إحساس السعوديين بأنهم محاصرون”، وفق ما وصفه فواز جرجس، جعلا الرياض تتخذ موقف الدفاع.

معضلات جديدة

ينفي مسؤولون سعوديون الصبغة الطائفية على خلافهم مع إيران، مشيرين إلى أن سياستهم الإقليمية متماسكة ولا تحركها دوافع عقائدية أو دينية؛ لكن ذلك لا ينفي أن الورقة الطائفية أصبحت ورقة رئيسية على طاولة الصراعات ولعبة الأجندات التي أخرجت الفتنة الطائفية التاريخية بين الشيعة والسنة من قمقمها الذي ظلت خامدة فيه لقرون.

وفي العصر الحديث، تحوّلت هذه الفتنة إلى تنافس استراتيجي بين المذهب السني، المعمول به في السعودية، وأغلب دول المنطقة العربية والعامل الإسلامي، ونظام الدولة الدينية الشيعية في إيران. وقد اشتعلت شرارة الصراع الطائفي من خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضدّ العراق وحلول حكومة شيعية محل النظام السنّي تحت النفوذ الإيراني.

ويوضّح فكرة الطائفية السياسية المحلل والباحث اللبناني علي الأمين، مشيرا إلى أنه “في الواقع، البيئة الشيعية وإيران لا تشكلان خطرا وجوديا للسعودي؛ لكن، المناخ السني العام في المنطقة، خاصة في ظل الأزمة السورية وتدهور الوضع في العراق، أدّى إلى زيادة الكراهية لإيران وللشيعة”.

في المقابل، وفق الأمين، “الإيراني لديه أزمة ليست ببسيطة. فهناك تحول لكن هذا التحول قائم على استراتيجية أنه لا يستطيع أن يكون لديه نفوذ إلا بحالة المواجهة وبحالة الحرب. لكن بحالة السلام، لا يملك الإيراني الاستراتيجية والوسائل التي تمنحه النفوذ السلس والمباشر عبر الدول، لا من خلال اختراقها“.

وقد جاء تدخّلها في بلدان مثل لبنان والعراق وسوريا في وقت كانت هذه الدول ترزح فيه تحت وطأة حرب أو غزو، الأمر الذي أدى إلى تقسيمها في واقع الأمر. وعززت طهران مصالحها بالالتفاف على مؤسسات الدول وذلك ببدائل غير مستقرة مثل الفصائل المسلحة وهو سلاحها لتحقيق النفوذ.

عادل الجبير: السعودية لن تسمح لإيران بزعزعة استقرار المنطقة أو إلحاق الأذى بحلفائها

وفوق كل شيء تحتاج طهران للفوز بالقبول في الشرق الأوسط كقوة إقليمية مشروعة وبناءة، وهو أمر لا يزال صعب المنال؛ وتشكّل صعوبة تحقّقه إحدى نقاط ضعف إيران، التي تواجه، أيضا، معضلة مدى اتجاه التحرر الذي تسير فيه ما إن تعود لربط اقتصادها بالأسواق العالمية وتخلق الاستثمارات جماعات نفوذ جديدة.

ويوضّح الأمين قائلا “دائما كان المشروع الإيراني يحاول أن يكون لديه نفوذ من خلال تصدعات المجتمع وليس من خلال بنية الدولة. ولا يستطيع أن يعيش هذا المشروع إلا في الأزمات وليس عنده فكرة أو خيار الاستقرار ضمن نظام دول وعلاقات دول“.

وأضاف “التغيير في الموقف الإيراني حتما سيحدث تغييرا في داخل إيران بطريقة أو بأخرى. والانفتاح على الغرب ودخول الشركات سوف يفرض مراكز قوى جديدة ونمطا في التعامل وسيضعف الأيديولوجيا قليلا، لكن بتقديري في المدى البعيد إيران تفكر أن تتبع النموذج الصيني“.

ويشير ديفيد غاردنر، المحلل في صحيفة فاينشنل تايمز، إلى أن إعادة إدماج الاقتصاد الإيراني في الاقتصاد العالمي سيخلق منافسين لمراكز القوى التقليدية مثل الحرس الثوري الإيراني، الذي يسيطر على إمبراطورية تجارية؛ والذي ينظر إلى هذا النوع من التغيير على أنه منزلق لتغيير النظام. وهذا الوضع يجعل الإيرانيين المبتهجين بفك عزلتهم ممزقين بين الإصلاحيين وأصحاب المصالح الخاصة الذين ما يزال لديهم الكثير لفعله.

وإذا كان لإيران أن تفوز باعتراف عربي كقوة إقليمية فعليها أن تلجأ للحلول الوسطى، وهذا يشمل قبول دور أقل في أمور العراق ولبنان وسوريا؛ الأمر الذي أكّد عليه المعلق اللبناني سركيس نعوم بقوله “حتى تكون إيران دولة إقليمية معترفا بها يجب أن تحدد دورها بطريقة صحيحة. لا تستطيع أن تحتفظ بسوريا ولبنان والعراق يجب أن تحتفظ بقسم وتخسر قسما“.

وأضاف نعوم “يتصاعد نجم إيران الآن وحتى يكتمل هذا ويصبح الدور فاعلا ويتقبلها المجتمع الدولي يجب أن تحدد ماذا تريد وتفتح الحوار مع الأميركيين حول قضايا المنطقة“. والأمر ذاته عبّر عنه فيصل اليافع، المعلق بصحيفة ذي ناشيونال، قائلا إنه على طهران أن تعيد النظر في دعمها للجماعات المسلحة المختلفة في المنطقة؛ وإذا كانت “إيران تريد حقا أن تكون جزءا من المجتمع الدولي فعليها أن تلتزم بقواعد المجتمع الدولي“. وفي التنافس على الشرق الأوسط، ووفق المعطيات الراهنة، من السابق لأوانه إعلان إيران الطرف الفائز، وفق فوّاز جرجس.

7