إيران وأزمة الدولة والهوية

الأربعاء 2013/09/04
أحد شعارات الأحوازيين المناهضة للإحتلال الإيراني

هذا ما يُلغي مشروعيّة الدولة المحتلّة خاصّة أن التقادم لا يمنحها حقاً قانونيّاً لإستمرار هيمنتها على الشعوب، كذلك هي الحال بالنسبة للدولة الفارسيّة لأنها تقوم على مبدأ إحتلال الشعوب كشعب الأحواز العربي والشعب البلوشي والآذري والكردي والتركماني.

لا هويّة لدولة تقوم على إلغاء هويّة غالبيّة المواطنين ضمن جغرافيتها القائمة على الإحتلال وإعتبارهم مواطنين من الفئة الثانية والثالثة وحتى العاشرة فتعاملهم معاملة الأعداء وتفرض عليهم لغة الأقليّة الحاكمة وثقافتها وعقيدتها، وتسعى لمحو ذاكرتهم التاريخيّة الوطنيّة وفرض ذاكرة جديدة وُلدت تدريجياً بعد إحتلال أقاليمهم بموجب حروب عدوانيّة محرّمة شرعاً وقانوناً؛ كذلك هي الحال بالنسبة لإيران التي يُختزل فيها الحُكم لصالح الأقليّة الفارسيّة على حساب أبناء الشعوب غير الفارسيّة ضمن ما تسمّى بخارطتها السياسيّة، رغم أن هذه الشعوب مجتمعة تشكّل نحو 75 بالمئة من إجمالي تعداد السكّان.

ولا تستجيب تسمية "إيران" إلا لتحديد هويّة الشعب الفارسي كونها متأتية من تسميات قديمة أطلقت على فارس كـ"إيرانويتش" و"آرين" ومردّها تصنيف الشعب الفارسي ضمن الشعوب الهندو أوربيّة شرقيّة وإنحدار الفُرس من العرق الآري على حد إدعائهم. وجاءت هذه التسمية بعد استكمال إحتلال الدولة الفارسيّة لدولة الأحواز العربيّة عام 1925 وإلغاء مركزها القانوني كدولة، إثر حرب عدوانيّة يحرّمها المرجع القانوني السائد آنذاك والمتمثل بِعَهد "عُصْبَة الأمم" وعضويّة الدولة الفارسيّة فيها. فبعد مقتل آخر حكّام دولة الأحواز الأمير "خزعل الكعبي" عام 1936 في الأسر بطهران وإحتلال الدولة الفارسيّة لإقليم "بلوشستان" جنوب شرق الخليج العربي، تمّ الإعلان عن تسمية "إيران" لجغرافية باطلة أقيمت على الإحتلال وإراقة الدماء.

ومنذ تاريخ الإحتلال، لم تشهد الأحواز العربيّة الهدوء، إذ فجّر شعبها البالغ عدده أكثر من 10 ملايين نسمة 17 ثورة وإنتفاضة مؤكّداً رفضه التواجد الأجنبي الفارسي ورافعاً شعار التحرير وإستعادة سيادته العربيّة على أرضه، كما يطالب شعب بلوشستان (خمسة ملايين نسمة) بالإنفصال عن إيران والباكستان وإعلان دولة بلوشستان المستقلة، وكذلك هي الحال بالنسبة لشعب "آذرابايجان" البالغ تعداده نحو 25 مليون نسمة بالإنفصال عن إيران والإعلان عن "جمهوريّة آذربايجان الكُبرى" وتشمل إقليم آذربايجان الجنوبي المحتل من قبل الدولة الفارسيّة وجمهوريّة آذربايجان المستقلّة من الإتحاد السوفيتي حديثاً. أما الشعب الكُردي (عشرة ملايين نسمة) ضمن خارطة إيران السياسيّة، فتخوض أحزابه المسلّحة كحزب "كوموله" و"بيجاك" حرباَ ضروس منذ عشرات السنين للتخلّص من هيمنية الدولة الفارسيّة.

ورغم مجابهة الدولة الفارسيّة لمطالب الشعوب المذكورة بالحق في تقرير المصير بالقوّة المسلّحة، فأن هذه الشعوب تواصل تعريض نفسها للخطر عبر الإحتجاجات والثورات والإنتفاضات، ولا ريب أن ذلك يعبّر عن مدى تشبثها بالتحرير والإستقلال وإستيائها من المعاملة العنصريّة التي تميّز العنصر الفارسي على العناصر الأخرى، بعد انتهاك أوطانها ونهب ثرواتها وحرمانها من الدراسة والحديث بلغتها الأصليّة، ففُرضت عليها اللغة الفارسيّة في المناهج التعليميّة والمعاملات الرسميّة في الدوائر والمؤسّسات، كما يُمنع عليها الطباعة والإصدار ودور النشر والصحف والمجلّات والتدريس بلغاتها، خلافاً لما ينصّ عليه الدستور الإيراني.

في حين تحتفل الدولة الفارسيّة (ما تسمّى بالجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة) بمناسباتها وأعيادها كـ"عيد المجوس" طيلة أسبوعين عبر إضرام النيران في مداخل المُدن والقفز من عليها، فإنّها لا زالت تطلق على "عيد الفطر" تسمية "عيد العرب" وغالباً ما تشذّ في الإعلان عنه بعد يومين أو أكثر قياساً ببقيّة الدول الإسلاميّة وتعطّل يوماً واحداً بهذه المناسبة.

ويأتي ذلك بدافع عنصري ضدّ كل ما هو عربي ولا يختلف عن تسمية "إيران" التي تستجيب لهويّة الشعب الفارسي على حساب الشعوب الأخرى، تماماً كما هي الحال بإطلاقها تسمية "الخليج الفارسي" على "الخليج العربي" زوراً وبُهتاناً، رغم أن التاريخ يؤكد التواجد العربي منذ الأزل على شواطئه شمالاً وشرقاً فغرباً، وينفي التواجد الفارسي على سواحله، وليس أدلّ من ذلك كتأكيد المؤرخ الإغريقي "هيرودوت" أسباب هزيمة الفرس أمام الإغريق في معركة "سلامينا" عام 480 ق.م لجهلهم البِحار فَرَسَت سُفنهم ونال منهم الإغريق فقُتل من قُتل من الفرس وغرق من غرق لعدم إتقانه السباحة.

وساهمت بريطانيا في رسم خارطة إيران السياسيّة ضمن تواطؤها الواضح في إحتلال "الأحواز" و"الجزر الإماراتيّة" وحتى "بلوشستان" و"كردستان".

ولا يمكن تحديد الهويّة لما يسمّى بالدولة الإيرانيّة وإعتبارها إسلاميّة، ديمقراطيّة أو قوميّة، فتارة ترى نفسها أقرب لـ"طاجكستان" و"الهند" و"أفغانستان" و"كازخستان" بداوفع قوميّة وعرقيّة وتاريخيّة، وتارة أخرى تزايد على الدول الإسلاميّة بإعتبار نفسها "أم القرى" للعالم الإسلامي، وفي ذات الوقت تعزل نفسها عن هذا العالم بتبنّيها مفهوم "الإسلام الإيراني" ومهاجمتها العرب المسلمين وقولها أنهم "لم يأتوا لفارس فاتحين بل جاءوا محاربين وقتلة وغير كفؤين لحمل راية الإسلام فأنقذوه الفُرس (المجوس) بإعتناقهم هذا الدين". وفي حين ينصّ الدستور الإيراني على أن الدين الرسمي للبلاد هو الدين الإسلامي وتدّعي أنها جمهوريّة إسلاميّة، فأنها تؤكد في دستورها أن المذهب الرسمي هو الأثنى عشري مع إحترام كافة الأديان والمذاهب الأخرى في ممارستها طقوسها وشعائرها الدينيّة والمذهبيّة، بينما تشن حرباً ضروسا ضدّ أبناء المذاهب وتحرّم عليهم مدارس القرآن وحتى بناء المساجد، ورغم إدعائها تحقيق السلم والعدالة والمساواة ونبذ الفتن والفرقة الطائفيّة في دستورها، إلا أنها تنشر خلاياها الإرهابيّة في الدول العربيّة وتتدخّل في شؤونها الداخليّة وتسعى لتقوية فئة على حساب أخرى بُغية نشر الفتن الطائفيّة.

وعليه فلا هويّة للدولة الفارسيّة القائمة على الإحتلال وطمس هويّة الشعوب غير الفارسيّة ومحاربتها وتوخّيها العنصريّة والشوفينيّة في التعامل معها وعدم إحترام كينونتها وتاريخها وحضاراتها رغم أنها تعيش ضمن خارطتها السياسيّة، إضافة إلى وجود دولة عسكريّة سياسيّة متمثلة بالحرس الثوري تزاحم الدولة المدنيّة والسياسيّة، وبالنتيجة فإنها مُقبلة على التآكل والتفكّك فالإنهيار.

12