إيران.. وأنصاف مواقف وحلول

لن تجلب المقاصة الأوروبية الدولارات لخزينة إيران، ولا شيء يحلّ محل الورقة الخضراء في الكثير من المعاملات الدولية.
الاثنين 2019/07/01
خيبة أمل إيرانية

ورطة أم مخرج؟ كيف يمكن أن تصنف المقاصة الأوروبية الجديدة (إنستيكس) للتعاملات التجارية مع إيران بعيدا عن العقوبات الأميركية. السلع مقابل النفط، هو حامل هذه المقاصة ولكن من يجرؤ على مبادلة ذهب طهران الأسود بغذاء أو دواء، دون أن يضع نفسه في مواجهة واشنطن.

عندما تقول إيران إن هذه المقاصة غير كافية وإنها تحتاج لضمانات في تفعيلها، فهذا يعني أن الالتزام الأوروبي بالاتفاق النووي لم يرتق إلى حدود مواجهة العقوبات الأميركية ولا يزال في خانة الالتفاف عليها. إما أن طهران ترى تقاعسا من الأوربيين فتطلب المزيد، وإما أنها تفكر بشيء آخر.

لن تجلب المقاصة الأوروبية الدولارات لخزينة إيران، ولا شيء يحلّ محل الورقة الخضراء في الكثير من المعاملات الدولية. لن تجلب المقاصة أيضا لطهران الشركات الكبرى التي تنعش اقتصادها باستثمارات كبيرة، فمثل هذه الشركات لن تغامر بعلاقاتها مع واشنطن كرمى لعيون إيران.

إذاً ما تنتظره إيران من “إنستيكس″ هو شركات صغيرة تشتري النفط مقابل صفقات دواء وغذاء. لا ضمانات بأن تحقق هذه الصفقات الاكتفاء الذاتي للسوق الإيرانية من هذه السلع، ولا ضمانات أن تستطيع هذه الشركات، أصلا، إتمام الصفقات عندما ترتبط بطرف ثالث يخشى عقوبات واشنطن.

الشركات الصغيرة والمتوسطة التي ستدخل أسواق إيران عبر المقاصة الأوروبية لن تكون مستهلكا للنفط الإيراني، وإنما وسيطاً بين طهران ومصافٍ كبيرة تحيل النفط إلى منتجات وقود وزيوت تستخدمها دول وشركات ومصانع، فماذا إنْ رفضت المصافي الكبيرة التعامل بالنفط الإيراني.

وفق هذه المعايير تكون المقاصة الأوروبية ورطة وليست مخرجا لإيران من أزمتها، فبروكسل تطلب من طهران أقصى درجات الالتزام بالاتفاق النووي، مقابل الحدود الدنيا من الالتزامات الأوروبية. كل شيء مقابل الفتات، وإلا سينضم الاتحاد إلى الولايات المتحدة في خصومتها لإيران.

هذه المساومة لإيران، وإن كانت تحمل توقيع بريطانيا وألمانيا وفرنسا، إلا أنها لا تعكس موقفا أوروبياً موحدا. فمنذ أيام كشف وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت، عن وجود استعداد فرنسي وألماني للتخلي عن الاتفاق النووي إذا ما واصلت طهران ضغوطها بشأن الالتزامات الأوروبية فيه.

تمتلك إيران رفاهية رفض نصف الحل الأوروبي هذا، ولكنها لا تمتلك رفاهية الانسحاب من الاتفاق النووي كاملا. الاتفاق يضمن لها تأييد الصين وروسيا ضد واشنطن في السياسة والاقتصاد. ومع دعم موسكو وبكين تصبح المقاصة الأوروبية نواة تسند الزير، كما يقول المثل الشعبي.

في الواقع اعتادت إيران التعايش مع أنصاف الحلول لأنها تعيش أنصاف مواقف دائما. نصف حرب مع الولايات المتحدة، نصف مقاومة ضد إسرائيل، نصف تحالف مع الأوروبيين، نصف تقارب مع دول الجوار، نصف اعتراف بميليشياتها خارج الحدود، ونصف اعتراف بالاتفاق النووي.

أنصاف المواقف تكاد تكون علامة فارقة تنفرد بها السياسة الإيرانية، وقد انعكست على ثقافة وخطاب مؤيديها، أفرادا ومؤسسات إعلامية. فلا تعجب إن سمعت قناة تلفزيونية تشيد في أحد أخبارها ببطولات طهران في مواجهة العقوبات الأميركية على برنامجها النووي، وفي الخبر التالي تدين الاحتلال الإيراني لسوريا.

8